الكاتب: Saleem Albeik

ثلاثة أفلام فلسطينية من سوء حظ مشاهديها

في الأعوام الأخيرة، أمكن ملاحظة ارتفاع منسوب الأعمال السينمائية الفلسطينية على اختلاف أشكالها، ارتفاع نوعي وكمي، وإن كان النوعي منها ملاحَظ بشدة، بحيث طغى الحديث عن أمثلتها عليه عن غيرها، مما شمله المنسوب الكمّي، فإن للكمّ في الإنتاج الفيلميّ الفلسطيني مساحة مستحَقة للتناول، بغض النظر عن مستوى الأعمال التي شملها الكمّ واستثناها النوع.

“العقل المدبّر”… سرقة متحف في سينما مستقلة ★★★☆☆

هذا ما يحصل لمن يفوّت فيلماً في العرض الأول له في مهرجان سينمائي. في الدورة الأخيرة من مهرجان كان السينمائي، في أيار مايو الفائت، كان، كما يجب، في برنامجي مشاهدة جميع أفلام المسابقة الرسمية، ما يعادل فيلمين أو ثلاثة يومياً. لسبب ما، للقاءٍ جانبي، اضطررت إلى إلغاء تذكرة فيلم وددت فعلاً مشاهدته، هو “ماسترمايند” (أو: العقل المدبّر) للأمريكية كيلي ريتشارت. من بعدها بأشهر قليلة، تمت سرقة متحف اللوفر بباريس وأحالت صفحات سينمائية لصحف أجنبية إلى الفيلم من دون أن أجدني صالحاً للكتابة عن هذه المقاربة، في أن فيلماً، لم أشاهده، تنبّأ بسرقة متحف. أقصى ما استطعته هو انتظار فرصة مشاهدة الفيلم، أشهراً بعد ذلك.

“وقائع زمن الحصار” لعبدالله الخطيب… اليرموك بوصفه العالم ★★★★☆

لا يجهد أحدنا بالتفكير ملياً قبل أن يقول بقلب مطمَئن، في فيلم عبدالله الخطيب “وقائع زمن الحصار”، إنه من بين الأفضل ضمن الأعمال الروائية الطويلة الأولى الفلسطينية في الربع قرن الأخير. منذ العام ٢٠٠٠، أخرج الفلسطينيون ما يقارب ٣٠ فيلماً كعمل أوّل لأصحابها. من بين هذه الأفلام، إن اختار أحدنا أفضل أيّ عدد (خمسة أو حتى ثلاثة)، سيكون هذا الفيلم من بين الأفضل. وبجهد أكبر، لضرورات الكتابة، وبالعودة إلى العناوين واحداً وراء آخر، لا يسع أحدنا سوى تثبيت ذلك الافتراض، مع تعديل خفيف هو حذف كلمة “خمسة” والإبقاء على “ثلاثة”.

صورة الفدائي مستعادة في الحي اللاتيني بباريس

لست أكيداً، لكني أظن، وليس في ذلك إثم، أنّ هذا البرنامج، باسم “فلسطين”، ضمن المهرجان الباريسي “سينما الواقع” (Cinéma du réel)، بعنوان “أشكال الرفض”، لست أكيداً أنه فريد من نوعه في عموم المهرجانات الأوروبية، وحديثنا هنا عن واحد من بين الأبرز ضمن مهرجانات السينما الوثائقية في العالم.

“أورويل: ٢+٢=٥”… بيان سينمائي ضد فاشيات معاصرة ★★★★★

المخرج الهايتيّ راوول بيك من القلائل ممن يمكن القول إنه صاحب مشروع، رؤية، لفيلمه الوثائقي، وذلك لنسقٍ عام يمر على جميع أفلامه، روائية ووثائقية. لكنه، كذلك، من النادرين باتخاذه الوثائقي متناً لعمله السينمائي والروائي هامشاً. فهو مؤلف أفلام وثائقية ذات مشروع فكري وسياسي واضح، وإلى جانبها، لا العكس، ينجز أفلاماً روائية، تكون من روح المشروع ذاته.

“سجّل”… استحضار مسرحي مفتوح لتل الزعتر

أعمال فنية رفيعة فقط، هي التي تجعل من التاريخ معاصَرة، وللمعاصِر إحالات تاريخية. كأن لا فاصل بين ما حصل وما يحصل، في امتداد يجعل للحاصل صيغة لغوية أدق، أنه: الحاصل إلى حينه. لتكون هذه المسرحية (المونولوغ)، وهي عن مجزرة تل الزعتر، لا مسرحية أرشيفية بل راهنة في موضوعها المستمر، المتجدد، في مجزرة لا تزال تحصل، بأشكال وسياقات مختلفة.

امتيازات الفيلم القصير في “ذاكرة متقاطعة” و”كنتاكي غزة”

إشارات تفاؤلية يمكن أن تحضرها الدورة الأخيرة لأحد أهم مهرجانات الأفلام القصيرة في العالم، كليرمون-فيران في فرنسا، إشارات في السينما الفلسطينية كانت بمشاركة ٣ أفلام هي “ذاكرة متقاطعة” و”كنتاكي غزة” و”مهدد بالانقراض”. لا لكونها، أول فيلمين تحديداً، استهلالات سينمائية تشي بأعمال طويلة أولى قد تكون حالات متقدمة لهذه السينما، وثائقية مع الأول وروائية مع الثاني، بل لكونها حالات متقدمة في مجالها، السينما القصيرة. فلا يصح أن تكون “القصيرة” مجرد تمهيدات “للطويلة”. بل هي أعمال مستقلة بذاتها، لها امتيازاتها وقصصها وأسلوبها الملائم وحسب لأفلام قصيرة، والفيلمان “ذاكرة متقاطعة” و”كنتاكي غزة” نموذجان على كيف يكون الفيلم القصير الفلسطيني ممتازاً، أسلوبياً في شكله وكتابياً في مضمونه.

“المعرض العام” في كارتييه للفنون المعاصرة… الفن سلعة فاخرة

بقعة مظلمة حلّت على العاصمة الفرنسية في الخريف الفائت. لم يتعوّد المارّة من أمام مركز بومبيدو رؤيته كتلة صمّاء ومعتمة، ضخمة كأنها بناء مهجور، اختفت ألوانه وطغت الأعمدة الفولاذية. أغلق المركز أبوابه، وهو متحف للفنون الحديثة، لعمليات ترميم شاملة كي يُعاد فتحه في ٢٠٣٠.

برلين السينمائي: في “الرجل الأوحد في المدينة” رثاء للذكريات

★★★★★ شاهدت أمس آخر أفلام المهرجان، وفي اليوم السابق له عُرض فيلم هو الأفضل بالنسبة لي على طول المهرجان الذي ترك مفاجآته لأيامه الأخيرة. “الرجل الأوحد في المدينة”، وإن لم يكن الأنسب أسلوبياً لجائزة ذهبية، يبقى الأقوى، الأروع، على طول هذه الدورة التي تتوزع أفلامها ما بين أقلية رائعة وأغلبية أقل من المتوسط، وفجوة ما بينهما.

برلين السينمائي: في “ملكة عند البحر” لا ضرورة للمشاعر بالكلام

★★★★★ قد يكون الفيلمَ الأكثر إقبالاً للإجماع من بين الأفلام الأفضل لهذه الدورة، الأقل إشكالاً، بخلاف أفلام أخرى تناولتُها هنا. وهو فيلم تليق به جائزة أولى، ذهبية. أي أنه متكامل في محاسنه، كتابة وتصويراً، وتمثيلاً لشخصياته الأربع الأبرز.

برلين السينمائي: لا شيء في المدهش “زوجتي تبكي”

★★★★ عنوان لفيلم بجملة فعلية، لا تكون العناوين كذلك، كما أن هذا الفيلم، بصورته وحواراته، بل بكل ما فيه، يحرّض على التصريح بأن الفيلم، أيّ فيلم، لا يكون كذلك. هذا ما يجعل “زوجتي تبكي” أقرب إلى بيان سينمائي.

برلين السينمائي: في “تقليم شجيرة الورد” انحرافات عائلة وانجرافاتها

★★★★ فيلم البرازيلي من أصل جزائري، كريم عينوز، قد يكون حدث هذه الدورة من مهرجان برلين السينمائي. قد يقول أحدنا، بقليل من اللؤم، إنه فيلم كانيّ، لا برلينيّ، نسبة إلى المهرجان الفرنسي ومستوى الأفلام فيه.

برلين السينمائي: في “رسائل صفراء” المسرح يواجه المسلسل

★★★ ليس أول أفلام المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي فيلم جوائز كبرى، لكنه جميل وممتع، إلى الحد الأعلى الممكن لفيلم يقف على عتبة الجوائز. فيلم يمر سريعاً في مهرجان بشعور جيد وكافٍ، فعادة أولى العروض تكون مختارة للتحضير لما هو أفضل، برأي المبرمجين، المتروك للنصف الثاني من المهرجان.

برلين السينمائي: المثلية في “بيّت الحس” سلعة لمشترٍ أبيض

★★ كأنها وصفة جاهزة لأفلام يمكن أن تلقى انتشاراً وترحيباً مضمونين غربياً، في قصص عربية، لا بفضل طرحها، الأفلام، لقضايا عادلة، وطرحُها ضروري، بل لكون ذلك الطرح يتلاءم والعقلية الأوروبية، وذلك لا لكونها مساوئ اجتماعية عربية وحسب، بل لكونها تُقدَّم كمقابل لمحاسن غربية.

“سردية الماء”… امرأة تتعافى بنفسها

★★★★★ يمكن بسهولة الشروع في نقل قصة بأحداث وشخصيات تتحرّك، تفعل شيئاً، من نص مكتوب إلى السينما. مقابلها يصعب هذا النقل متى كانت النصوص منغمسة في نفسيات شخصية رئيسية، ولا تكون محاطة بغيرها كثير. نحن هنا أمام نموذج من نقل سينمائي بديع ومربك، وذلك لتجريبيته، لا لقصة واضحة المعالم ولا لشخصيات واحدها بتمايزه يسهّل إظهار الآخر، بل لحالة نفسية لشخصية رئيسية تسيطر على سير الفيلم.

“خطاة”… سردية مضادة لهوليوود البيضاء

★★★★ هو فيلم يجمع ذاكرة هوليوود، إنما مقلوبة، ينقلب الفيلم بسرديته البديلة، على تراث طويل من السينما الأمريكية، بأنواعها، فنحن هنا أمام فيلم عصابات الوسترن، وكذلك فيلم رعب على نمط الزومبي، لكنه دائماً قصة حب، وتاريخ العنصرية الأمريكية، والمجازر بحق السود خلال الحرب الأهلية وبعدها، وغيرها، كأن يكون فيلماً عن موسيقى الجاز وتطورها من نغمات عمال زراعة القطن إلى الجاز اليوم، لكن، ولعله ليس أخيراً، هو فيلم تعيش فيه شخصيات أعماراً لا متناهية، كمصاصي الدماء، حيث لا بد من الاختفاء قبل طلوع الشمس.

الفيلم التاريخي الفلسطيني: لم نشهد بعد عملاً نكبوياً

التاريخ حاضر في واقع الفلسطينيين، وعموماً في إنتاجهم المعرفي والفني، والسينما في آخر الرّكب. حاضر باستعادة دائمة للنكبة بوصفها مرحلة تاريخية مؤسِّسة، وما يسبقها في ظل الاستعمار البريطاني وما يلحقها في مواقع تاريخية مختلفة من شتات الفلسطينيين، كالحكم العسكري داخل البلاد ومجازر المخيمات خارجها، وغيرها من مراحل وانعطافات تاريخية في سيرة هذا الشعب، انعكست بشكل متواصل في عموم إنتاجه المعرفي والفني، في كتب وروايات وغيرها من المشاريع الفردية والجماعية. هذا كله، هذا الحضور للتاريخ في الحياة الواقعية والفنية والمعرفية للفلسطينيين، كان الفيلم الروائي متأخراً عنه، كان في آخر الرّكب.

“هامنت”… الرثاء حالة شعرية عظمى

★★★★★ إن فكّر أحدنا بالمشهد الختامي الأروع، من الروعة شكلاً والترويع مضموناً، لسينما هذا العام، لاختار، من دون إجهاد في التفكير، “هامنت” للمخرجة صينية المولد كلوي جاو، صاحبة الفيلم البديع “نومادلاند” (٢٠٢١) الذي نالت عنه جوائز أبرزها الأسد الذهبي في مهرجان فينيسيا، وأوسكار أفضل فيلم. “هامنت”، وإن لم يشارك في مهرجان سينمائي بارز، يفوق فيلمها السابق مكانة، فنياً وأدبياً. وهو، بمعزل عن مشهده الأخير، من بين الإنتاجات الأقوى سينمائياً هذا العام.

“شاعر”… بكاء الصعلوك المعاصر

★★★ الشعراء في السينما، سيرةً أو خيالاً، يكونون إما حالات انتصارية، أو بطولية لا تصل الانتصارية بالضرورة، لكنها تبقى نماذج عالية إنسانياً، نماذج مثالية يحول العالم القاسي دون تحقيق مثالياتهم، أو دون تآلفها مع محيطها.

“فلسطين ٣٦” لآن ماري جاسر… هذا مكان الثورة وهذا زمانها

★★★★ للواقع والتاريخ الفلسطينيين وطأة ثقيلة على السينما الفلسطينية، ثقيلة بمعنى أن لها أثراً بارزاً على الشخصيات وعلى القصص التي تحوم فيها وحولها هذه الشخصيات. هذا ما يجعل الفيلم الفلسطيني سياسياً بالضرورة، وهذا ما يجعل لسياقات هذه السينما إحالات سياسية هي في صلب الهوية الفلسطينية لهذا الفيلم أو ذاك.

المتحف الفلسطيني والاضطرار إلى المنفى

بين وقت وآخر نقرأ عن مأساة فلسطينية، ضمن كثير غيرها، وقعت عام ١٩٨٢، تمثلت في سرقة الجيش الإسرائيلي محتويات مركز الأبحاث الفلسطيني، إثر اجتياحه لبيروت. وحتى اليوم ليس لدى الفلسطينيين سوى فرضيات قد تكون أكثرها ترجيحاً احتفاظ جيش الاحتلال بتلك المحتويات في خزائنه، وثائق وكتب ومجلات وأفلام وما يمكن أن يحفظه مركز أبحاث.

“فلسطين ٣٦” لآن ماري جاسر… الفيلم يرمم السردية ويستعيدها

★★★★ يمكن للفيلم الرابع لآن ماري جاسر أن يواصل امتياز ما سبقه حاملاً السيرة السينمائية للمخرجة إلى سياق جديد، كما كان كل فيلم نقلةً مختلفة في سياقها عن سابقه. في “ملح هذا البحر” كان استعادةً رمزية وراهنة لحقٍّ ممتد منذ الانتداب، في “لما شفتك” كان عودة إلى بدايات الثورة في الستينيات، في “واجب” كان انتقالاً إلى دواخل الشخصية واستحضاراً للحكم العسكري من خلالها. في كل من هذه الأفلام نوع سينمائي يختلف عن سابقه في هذه السيرة، تكتشف فيه جاسر مساحة جديدة. في فيلمها الأخير، “فلسطين ٣٦”، استكشاف جديد لمرحلة لم تطرأها السينما الفلسطينية، من تاريخ هذا الشعب.

مهرجان فينيسيا… الفيلم أجمل من الطريق إلى الصالة

المهرجان السينمائي الثاني من حيث الأهمية عالمياً، بعد كان وقبل برلين، المعروف باسم المونسترا، أي المعرض، يقدم الأفلام كأنها أعمال فنية في صالة عرض، في صالات سينمائية أهمها غراندي ودَرزينا، في عروض أصحاب الاعتماد ومن بينهم، أو معظمهم، الصحافيون.

مهرجان فينيسيا… السينما بوصفها معرضاً

طبيعة المهرجان السينمائي تنافسية، أفلام تتقدّم لتتزاحم على جوائز المهرجان، وحيال هذه المنافسة يظهر رأي معتبَر، يَفترض عبثيّتَها، فالأعمال الفنية، وهي هنا الأفلام، تتسع لآراء متناقضة أو متفاوتة في الإعجاب أو النفور. وهذا ما يفسر آراء معتبَرة كذلك، لنقّاد، في كل دورة من كل مهرجان سينمائي، تقرِّع الأفلام الفائزة أو تنقدها في كونها ليست الأفضل من بين المتنافسة، بمعاييرهم وآرائهم، فلا إجماع نقدياً على أي فيلم في أي مهرجان.

الدوحة السينمائي: الطغيان وعبثيته في “بابا والقذافي”

★★ إن كان للوثائقيات أن تكشف تفاصيل في ملامح مجتمعيّة هنا أو هناك، فهذا يعني أننا عرضة لاكتشافات جديدة تكون مأسوية مع أي فيلم وثائقي يتعرض لهذا التفصيل أو ذاك. فالملمح العام لمجتمعاتنا يختزن تفاصيل لا تنتهي من قصص عائلية، في شؤون عامة أو خاصة، تكشف عن مأساة تكون في هذا الوثائقي مثلاً، خطف سياسي ومعارض سلمي، نراه بعين ابنته.

“صوت هند رجب”… التخيل في أقصاه، الصوت في أدناه

★★★★★ يمرّ أحدنا بأفلام تخلق انطباعاً أولياً، من المشاهدة الأولى، يكون اندهاشياً ولا يسمح، بالتالي، لأي مشاهَدة تالية أن تضيف قيمة ثانية على الاندهاش الأولي. يمرّ كذلك أحدنا، نادراً، بأفلام تحمل احتمالات أكبر، إذ تشكّل كلُّ مشاهَدة له اختراقاً، اندفاعاً لذلك الاندهاش الأولي، مكتشفاً، الفيلمُ من خلال المشاهَدة، مساحات لتفرّعات اندهاشية لم تُكتشَف في المشاهدة الأولى، هذا هو حال “صوت هند رجب” للتونسية كوثر بن هنية.