نعرف الفرنسي آرتور أراري من السيناريو الذي كتبه بالشراكة مع جوستين ترييه، “تشريح سقوط” الذي استحق السعفة الذهبية عام ٢٠٢٣، ونال عنه هو أوسكار أفضل سيناريو. هنا، يعود أراري مُخرجاً بفيلم هو الأغرب في هذه الدورة من المهرجان، ومن بين الأغرب في السنوات الأخيرة منه عموماً. يذكرنا بفيلم “المادة” للفرنسية كورالي فارجا، قبل عامين، الذي أحدث حالة حينها في المهرجان، وكان فيلم رعب أجساد، لا أرواح.
اليوم، يخرج أحدنا من الصالة بشعور أنه، أخيراً، وجد فيلماً يستحق أن يوسَم باللينشيّة. إذ يَسهل أن يتخيل أحدنا أن ديفيد لينش كان سيصنع فيلماً كهذا لو انجذب إلى السياق الفرنسي، وأراد استحضار فرانز كافكا.
الفيلم متكامل في غرائبيته اللينشية، قصة وصوتاً وصورة، بنغمة واحدة تتكرّر كأنها عالقة، كما هي الأرواح في الفيلم عالقة في الأجساد. إذ يلتقي أحدهم، مصور فوتوغرافي، بامرأة ويمارسان الجنس في نادٍ ليلي، فتنتقل روح كل منهما إلى جسد الآخر، يختفي جسد الرجل المنفوخ بروح المرأة الغريبة، التي لن نعرف شيئاً عنها، ليقوم جسد المرأة وفيه روح الرجل، مصدوماً (أو مصدومةً؟ لا يعرف أحدنا كيف يكتب عن ذلك، بوصفها ذكراً أم أنثى)، ليحاول البحث، في مداركه وذاكرته بوصفه ذلك الرجل، وفي جسده بوصفه تلك المرأة، فيمر على عالم كليهما لمحاولة الوصول إلى المرأة، المنفوخة في جسده هو. سنعرف أن المرأة في جسد الرجل قد مارس الجنس مع أخرى، فتبادلت الأرواح. سيجد، أخيراً، هو بجسده النسائي دائماً، جسدَه السابق بروح امرأة جديدة. ومن هناك ينطلق الفيلم بفصلٍ جديد.
الفيلم السريالي، “المجهولة” (L’inconnue) عالم سينمائي خاص، يدخله أحدنا من دون شروط مسبقة. تلقّيه كما يجب لا يكون إلا بالاستسلام لمنطقه، لعوالمه التقمصيّة. النغمة المتكررة، القلق كما نراه في جميع الشخصيات، التحفيز السردي في أن كارثة ما ستحصل، كارثة حاصلة أمامنا، تكبر كوحش لا نرى منه سوى خشيتَنا مما سيصير عليه، هذا كله لا يترك للمُشاهد فرصة غير الاستسلام التام لشروط الفيلم وعوالمه. لا مخرج منه وهو أقرب إلى كابوس دائري، تماماً كالأرواح المتنقّلة في الأجساد، حلقة مفرغة، دوامة، تماماً كمن يحاول الركض، الهرب، في في كابوس من دون أن يتقدم، كمن يراوح مكانه، ووحوش غير مرئية، لها أصوات ونغمات موسيقية، تحوم حوله، في الأجواء. هذه كانت تجربة فيلم “المجهولة”، السينما الجامحة في خيالها، محكمة الإغلاق، صوتاً وصورة، على كافة عناصرها. وذلك بحد أدنى من الحوارات. هو فيلم أجواء لا أحداث، رغم غرائبية ما يحدث.
فيلم كافكاويّ، متاهاتيّ، مربك، مَداخل من دون مخارج، حالنا في عتمة الصالة كان كما هي الأرواح في عتمة الأجساد. يستيقظ الرجل كما في “المسخ” لكافكا، لكنه في جسد حسناء (ليا سيدو) كانت أغرته قبل ساعات. ينهض باحثاً عن جسده الذي سيجده، سيمارس الجنس معه بفرض أن تغييراً ما قد يحصل، بجسده المسكون بالمرأة الأخرى. فيلم يتطلّب انتباهاً في كل لحظة، تفكيكاً للصورة بين المرئي وما خلفه، أو الجسد وما فيه.
لا يسمح الفيلم بلحظة سكون واحدة، بانفراجة ولو تفصيلية. من افتتاحيته المريبة إلى نهايته التقبليّة، في جو من الرعب النفسي. يخرج أحدنا من الصالة مصدّقاً ما حصل، مسائلاً نفسه، كما ساءلها مع انتهاء أي قراءة لرواية كافكا إن كان سيستيقظ يوماً على هيئة صرصار: ماذا لو استيقظ في اليوم التالي في جسد آخر، مجهول، ليكون مختفياً ومجسَّداً في الوقت عينه؟
في رمان
