1
اكتب تعليقُا

المهرجان الأوروبي والفيلم الأمريكي والناقد بينهما

عام ٢٠٢٤، خرجتُ من الصالة إثر عرض فيلم “جوكر: جنون باثنين” في مهرجان فينيسيا السينمائي وكتبتُ، رغم الأداء العظيم لخواكين فينيكس، إن الفيلم مخيّب. عام ٢٠٢٥، خرج إلى صالات السينما فيلمان تنافسا على أوسكار أفضل فيلم، لم يُطرحا من خلال مهرجان سينمائي، هما “معركة تلو الأخرى” و”خطاة”. هذا العام، أو هذه الأيام، يخلو مهرجان كان السينمائي تماماً من الإنتاجات الكبرى لاستديوهات هوليوود، وكذلك كان الحال في مهرجان برلين السينمائي قبل ٣ أشهر.

نعرف مسبقاً أن أفلاماً بإنتاجات هوليوودية ضخمة لا تكترث كثيراً بطرحها من خلال مهرجان سينمائي، تحديداً في أوروبا، فالحال في مهرجانَي تورونتو الكندي وسندانس الأمريكي مختلف قليلاً. تحديداً في مهرجان كان السينمائي حيث المنافسة على أشدّها، لجودة الأفلام الأعلى بشكل ملفت عنها في المهرجانين الأوروبيين الكبيرين الآخرين، فينيسيا وبرلين. ونعرف أن تلك الاستديوهات تفضّل مهرجان فينيسيا السينمائي لقربه زمانياً، في أيلول، من مواسم الجوائز في أمريكا الشمالية وأوروبا، نهايات العام وبدايات المقبل، وهو، فينيسيا، المتزامن كذلك مع مهرجان تورونتو الذي، لأسباب ثقافية ولغوية وتسويقية، يحظى بالأفضلية لدى الاستديوهات إن كان لا بد من مهرجان، وبعيداً عن “قسوة” نقّاد مهرجان كان السينمائي، وحيث الإطلاق يكون كذلك ممهداً لحملة دعائية تسبق الجوائز التي يختمها، في الأهمية وفي الموعد، الأوسكار، في آذار.

هذه مقدمات أضعها لنفهم قليلاً ما يحصل هذه الأيام في مهرجان كان السينمائي. ففيلم “جوكر” بجزئه الثاني، “تبهدل” فعلاً العام قبل الماضي، في عموم المراجعات النقدية وفي عدة لغات، ما أطاح بأي مفعول لاحق لأي حملة دعائية، وُلد الفيلم ميتاً في فينيسيا، ويبدو أن أصحاب القرار لدى شركات الإنتاج والتوزيع الأمريكية الكبرى انتبهوا لذلك العام الماضي، أو كانوا منتبهين مسبقاً لكن حسموها أخيراً، فلم تخرج بعض من أفضل الأفلام الأمريكية، وكذلك أضخمها إنتاجاً، عن طريق مهرجانات، بل مباشرة إلى الصالات، مع حملات دعائية ضخمة. يمكن للمهرجان الأوروبي بحد ذاته أن يكون حملة كبرى لأي فيلم، لكن للمنطق التسويقي في أمريكا الشمالية قول آخر. بذلك، استبدل هؤلاء العلاقات العامة بالنقد بالسينمائي، منحازين إلى الأولى ومحيّدين عن الأخير، وإن كان ثمّة من نقد فسيكون لاحقاً للحملة الدعائية الساعية إلى الترويج للفيلم قبل عرضه وخلاله، وفي ذلك ما يغطي على الرأي النقدي، يعتّم عليه أو يخفت صوته، أمام المؤثرين والهواة، فيكون الفيلم حدثاً ترفيهياً أكثر منه عرضاً فنياً، فلا تتأثر مبيعات التذاكر، ويكون كل ذلك تقديماً لحملة لاحقة تستبق حفلَي الغولدن غلوبز والأوسكار. لن تحظى تلك الشركات وأفلامها بذلك إن انطلق الفيلم في مهرجان أوروبي حيث يخلق الانطباعُ الأولي للفيلم كتابات نقدية يمكن لها، حقيقة، أن تحد من اندفاعة العلاقات العامة المحيطة بالفيلم وتُسقطه في مهده.

العام الماضي، نزلت إلى الصالات مباشرة أفلام أمريكية، لاستديوهات هوليوود، وحصدت جوائز يكترث بها سوق الاستهلاك في أمريكا الشمالية، وتأثّراً بها، تالياً، العالم أجمع، أكثر من اكتراثه بشعار لمهرجان مطبوع على ملصقه وربما اسم جائزة معه. وهو مسار ينسجم مع طبيعة المهرجانات، فهذا ما أراه أكثر انسجاماً من أن يدخل أيٌّ من هذه الأفلام إلى مهرجان مهما كان، كذلك، كرنفالاً وسوقاً شاسعين، كما هو حال “كان السينمائي”، كما أني أرى في اكتراث كل من الأفلام الأمريكية المستقلة والمهرجانات، واحدتها بالأخرى، انسجاماً يقابل غياب هوليوود عن كان.

إذن، هي علاقة فاترة مسبقاً بين استديوهات هوليوود ومهرجان كان، وإن تمنّى الأخير، على لسان مفوَّضه العام تيري فريمو، حضور تلك الأفلام، كما أشار في أكثر من مناسبة. تسبقها علاقة منقطعة بين المهرجان ومنصات البث، نتفلكس تحديداً، بسبب شرط أولي للمهرجان في أن يُعرض الفيلم المشارك في المسابقة، في صالات السينما أولاً ولا يكتفي بالعرض المنصاتي. وهو شرط دفعت به، أو أثّرت فيه، نقابات أصحاب الصالات السينمائية في فرنسا، ورأي عام ثقافي ونقدي فرنسي وعالمي يرى في فرادة المهرجان الفرنسي في ذلك، مقارنة مع غيره، ميزة له (كرفضه صور السيلفي على السجادة الحمراء وإلزامه ضيوفه من النجوم وغيرهم بتجنب العري في أزيائهم)، هي شروط تشي بكلاسيكية المهرجان، وهذا جيد في زمن صار في المؤثرون، بفيديو من دقيقتين، أقرب إلى “استراتيجيات” المنتجين والموزعين مما هي مقالات صحافية نقدية رصينة ولمتخصصين.

هذا كله أوصلنا إذن إلى غياب لتلك الاستديوهات عن مسابقة كانْ الرسمية، لكن كذلك عن عروضِ “خارج المسابقة”، بخلاف الأعوام الماضية وأفلام منها “ماد ماكس”و “حرب النجوم” و”إنديانا جونز” و”توب غَن”. أوصلنا كذلك إلى حضور أكبر لسينما أمريكية من خارج لوس أنجلس، لتلك المستقلة، الحاضرة مسبقاً أكثر من غيرها ذات الإنتاجات الضخمة، فلهذا الحضور انسجام، كذلك، مع جوائز أولى نالتها أفلام مستقلة في الأعوام الأخيرة، “أب أم أخت أخ” لجيم جارموش الذي نال أسد فينيسيا الذهبي، و”أنورا” لشون بيكر الذي نال قبله بعام سعفة كان الذهبية.

في المسابقة الرسمية للدورة الحالية من المهرجان الفرنسي، يحضر فيلمان أمريكيان مستقلان، هما “نمر من ورق” لجيمس غراي، و”الرجل الذي أحب” لآيرا ساكس. وغابت أفلام لكل من استديوهات “يونيفرسال” و”وورنر برذرز” و”ديزني” و”باراماونت” و”سوني”، ودائماً “نتفلكس” و”أمازون”.

مقابلهما تحضر شركة “نيون” الأمريكية والأبرز في الإنتاجات السينمائية المستقلة. وهي شركة باتت تسيطر لا على المهرجان الفرنسي فحسب، بل على سعفاته الذهبية، لا أمريكياً فحسب بل عالمياً، والشركة توزع أفلاماً من كل العالم. فقد فازت أفلام لـ”نيون” بالسعفة الذهبية لستّ دورات متتالية، وهي في هذه الدورة مرشحة لنيل سعفة سابعة، على التوالي، فلها أكثر من ربع الأفلام الـ ٢٢ المتنافسة على السعفة، لمخرجين من جنسيات مختلفة. علماً أن الشركة تعاقدت مع هذه الأفلام قبل تلقي الأخيرة دعواتها للمشاركة في المسابقة الرسمية للمهرجان.

شركات تتبنى سينما أمريكية مستقلة، وفنية أقرب إلى السينما الأوروبية، مثل “نيون” و A24، تمنح الأولوية للمشاركة في واحدة من مهرجانات أوروبا الكبرى، كان وفينيسيا وبرلين، مراهنين على جودة أفلامها وبالتالي على المراجعات النقدية لها خلال المهرجان، تمنحها الأولوية على حملات دعائية لرفع رقم المبيعات، فعلاقة هذه الشركات بالنقاد، بسبب جودة أفلامها العالية، جيدة، بخلاف شركات كبرى تتفادى المهرجانات خوفاً من النقّاد. هذا الانسجام يجعل من تلك الأفلام المستقلة، وهي المفضلة لدى جمهور النقّاد، أولويةً للمهرجانات كما تجعل من المهرجانات أولويةً لشركات إنتاج وتوزيع تلك الأفلام. وذلك ما يحث الرئيس التنفيذي لـ “نيون” على القول إن المنافسة مع شركات مثل “نتفلكس” “لا تُحسم دائماً بالمال بل بالشغف”. بغض النظر عن مدى دقّة كلامه، لكن على الأقل يستطيع أمام الشركات العملاقة أن يقول هذا الكلام وأن يؤخذ بجدّية.

فهذه الشركة، التي سيطرت على ترشيحات أفضل فيلم دولي في حفل الأوسكار الأخير، بـ ٤ مرشّحين من أصل ٥، ونالت الأوسكار مع فيلمها “قيمة عاطفية”، هذه الشركة تتحضّر هذه الأيام لاحتمال حمل سعفة سابعة بعد أفلامها السعفيّة الستة: “تيتان”، “مثلث الحزن”، “تشريح سقوط”، “حادث بسيط”، وفيلمان فازا كذلك بأوسكار أفضل فيلم إضافة إلى السعفة هما “باراسايت” و”أنورا”. هذا ما يجعل من “نيون” كابوساً لدى عمالقة هوليوود، فالشركة تستطيع أن تحكي عن الشغف، ثم تتجول في مسابقات المهرجانات الأوروبية، وتنال جوائز أولى، ومعها بالتالي رقم جيّد في المبيعات، ثم أخيراً تحصد أوسكارات مستحَقة، وهذا كله بميزانيات لا تقارَن مع بذخ استديوهات هوليوود. فالأفلام، بالنسبة لها، بكلمات رئيسها التنفيذي، لا تُقيَّم بحسب بيان أرباح وخسائر.

يضيّق الناقد السينمائي في المهرجانات إذن من حضور أفلام يخاف منتجوها أن تنكشف رداءتُها باكراً، بفعل مقالاته، في “كان السينمائي” الذي يحرص على مكانته المتقدّمة أكثر مع كل عام عن زميلَيه في برلين وفينيسيا. ويوسّع الناقد من الممرات ما بين المهرجان، وغيره من مهرجانات أوروبية، وبين أفلام أمريكية مستقلة، وغير أمريكية، تفهم الفيلم، كما أفترض، بوصفه عملاً فنياً وأدبياً، جمالياً وسياسياً قبل أن يكون سلعة مربحة. هذا كله يحيل إلى استنتاج استجدَّ في الأعوام الأخيرة، في أن النقد السينمائي الذي يحسِّن تاريخياً من الأذواق والمعارف والمدارك لدى القراء/المشاهدين، بات الآن يحسِّن من مستوى المهرجانات السينمائية الأوروبية.

في القدس العربي

المهرجان الأوروبي والفيلم الأمريكي والناقد بينهما

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.