المخرج الفلبيني لاف دياز معروف بأفلامه الطويلة، التأملية، بلقطات ثابتة عموماً، إتاحة للمُشاهد في تأمل كامل الصورة بكافة تفاصيلها، وإن كانت عادية، أو ربما لكونا كذلك، فالتفصيل العادي، التافه، بالغوص فيه، يصنع ضمن لوحة كبرى ومدة مستطيلة، مشهداً فوق عادي، تاريخياً وليس يومياً.
هنا، في فيلمه الأخير، “ماجيلان” (Magellan) يخفف دياز من تلك العادية، بمدة قصيرة نوعاً ما بالنسبة له، بفيلم، قصير، لا يصل الثلاث ساعات، لكن لا تقل تأملية المَشاهد فيه عن غيرها في أفلام بمدة مضاعفة عن هذه، وأطول. يصور هنا يوميات لكنها مكثفة، متلاحقة في أحداثها. فلدينا أحداث هنا بخلاف ما عرفناه عن دياز. وهي أحداث تاريخية في بلاد، لا يومية في حيّ أو حقل. اليوميات هنا سريعة بنتائجها رغم بطئها الظاهر، فجأة نرى الأهالي ممددين على الأرض في مجزرة. اليوميات مكثفة للسياق التاريخي الذي تحمله، وللعمق السياسي فيها، في الحديث عن حملة ماجيلان البحرية، في سياق استعماري برتغالي وإسباني إلى جنوب آسيا، وحالتنا هنا هي الفلبين المستعمَرة.
الفيلم المشارك في مهرجان كان السينمائي الأخير، ضمن “عروض كان الأولى”، يصور فترة زواج ماجيلان في إشبيلية عام 1517، قبل خروجه في ما عُرفت بالبعثات الاستكشافية للتاج الإسباني في حينه، أو للدقة، البعثات الاستعمارية في ما وراء البحار، مع تصوير معظمه كان خلال تلك البعثات، على المياه وعلى أراضي الجزر التي ستُعرف لاحقاً بالفلبين.
بأداء متميز كعادته، للمكسيكي غايل غارسيا بيرنال، قليل الكلام، كثير الملامح، بدور المستكشف/المستعمر، كان الفيلم ناقلاً للسردية الأخرى، المقابلة لتلك الاستعمارية، إن كان الكلام باللغة المحلية، وكانت الأصوات والملامح والحركات، للأهالي، للسكان الأصليين، للمستعمَرين الخاضعين للسلاح الناري من قبل البعثات الاستعمارية الإسبانية لماجيلان ولغيره، والمتعرضين كذلك، بسخرية، لمعتقدات المستعمِر الكاثوليكية التبشيرية، ففي مشهد نرى أحدهم من أهالي الجزر، مريضاً، يأتي ماجلان بتمثال خشبي للمسيح، قائلاً للأهالي بأن تماثيلهم المنحوتة لن تفيدهم بشيء، وأن الأفضل أن يصلوا لهذا التمثال.
الكلام قليل لأن لا حاجة فعلاً لفهمه، هنا نقل دياز سردية المستعمَر من خلال الصمت والإيماءة، والقليل جداً من الكلام، وهذا القليل كان لماجلان ومن معه، كما أن يوميات علاقته بفتاة عالجته، وزواجه منها، وإن كان هامشاً، منح منفذاً إلى إدراك شخصية الرجل لا يختلف كثيراً عنه قبطاناً وعسكرياً لجيش من المستعمرين، فإن استسهل فرناندو ماجلان الحكم على أحدهم بالإعدام، لأنه التُقط يمارس الجنس مع رجل آخر في السفينة، فهو لم يقلّ عنفاً مع فتاة تصغره بأعوام عديدة، ستصير زوجته. وهذا كله محاط ومحمي بعلاقاته الملكية والسلطوية.
ليس في الفيلم قصة بعينها، أو ما يمكن تلخيصه بسطرين عمّا يحصل فيه، هو، أكثر، تصوير ليوميات متقطّعة، يوميات المستعمر الفارد سيطرتَه بالقوة، ومن خلاله فارداً عقائده وعاداته وبالتالي، تدريجياً، يومياتَه على الأهالي المحليين، من لم يكن منهم ضحية مجزرة هنا أو هناك، بعقائدهم التي اضطروا لاحقاً إلى التخلي عنها وحرق أصنامهم، وعاداتهم ويومياتهم.
الفيلم، بذلك، يسخر من الاستعمار، وبذلك يفككه في سياقه الجنوب آسيوي، وهو ما يمكن تعميمه عالمياً، إذ لطالما كانت الحملات الاستعمارية ذات غايات عقائدية هي في الصلب منها رأسمالية، معولَمة أينما وقعت، “تستكشف” أسواقاً جديدة ومستهلكين جدداً، ومنابع للنهب قبل ذلك وبعده. لم يصور دياز ذلك مباشرة، بل ضمنياً، بمَشاهد بالكاد نسمع كلاماً فيها، المسألة أسهل من أن تُشرَح، تكفيها مَشاهد تمثيلية كانت هنا بجماليات تأملية في المكان، أولاً، وبموثوقية ومصداقية، ثانياً، يكفي ذلك لإدراك واحدة من آليات تطور البشرية نحو البربرية باسم الاستعمار.
هو أسلوب غير تقليدي في تفكيك الاستعمار سينمائياً، في فضحه بالإيماءة، في الكلام بالمونتاج، تحويل المَشاهد إلى دروس في السياسة والتاريخ. هذا كله مشروع سينمائياً، أما ما ميز دياز فكان جماليات الصمت، جماليات الأصوات، التأمل ذو المعنى، وكله بالسخرية المتقشفة، الخجولة كماً لكن اللاذعة نوعاً، في فيلم أقدر من غيره على كشف بشاعات استعمارية، بالجمال، صوتاً وصورة.
في القدس العربي
