1
اكتب تعليقُا

كان السينمائي: في “قصص متوازية” لفرهادي تقاطعات واقعية للخيال ★★★★☆

في هذا الفيلم الفرنسي للإيراني أصغر فرهادي، المركّب في خياراته السردية، مثال آخر على عالمية السينما، وإنسانية قصصها المتخطية للحدود، معنوياً ومادياً. ولأن التاريخ ممتلئ بأفلام كهذه، كان رهاناً على هذا الفيلم أن لا يقل، على الأقل، عن مستوى أفلام فرهادي الإيرانية. لكن، بمعزل عن هذه الأفلام، لفرهادي مسبقاً فيلم فرنسي (“الماضي”، ٢٠١٤) وآخر إسباني (“الكل يعلم”، ٢٠٢٨)، وهذه تجربة ثالثة تفوق الفيلمين جودة، ولا تقل عن باقي أفلامه الإيرانية، الممتازة، ولفرهادي ميزة لا تحضر دائماً لدى المخرجين الكبار، وهي تمام الجودة في عموم سيرته الفيلمية، أي أن فيلماً واحداً لم يكن، بالخطأ، سقطة.

المخرج معروف بسيناريوهاته ذات الطبقات المتعددة من التحديات التي تدخل فيها شخصياته، مراكمةً الطبقات، قبل أن تنكسر على بعضها كألواح زجاج متراصّة. وهذه مهارة كتابية، وهذا مكمن الامتياز لدى فرهادي، وهو كذلك العنصر الأقوى في هذا الفيلم الممتاز، كذلك، تصويراً وصوتاً وأداء.

المسألة الأخلاقية ثيمة سينمائية إيرانية، وفرهادي واحد من بين ٣ كبار رسّموها كخصوصية للسياق الإيراني سينمائياً، مع عباس كياروستامي وجعفر بناهي. ثلاثتهم بارعون، بفرادة عالمية، في سيناريوهات تسيطر عليها رهانات أخلاقية تحوم حول شخصياتها، إيرانية كانت أم غيرها. وهي هنا فرنسية، بعدما كانت في فيلم سابق إسبانية. وقد سبقه في ذلك كياروستامي، في فيلمه الأوروبي “نسخة طبق الأصل” (٢٠١٠)، والياباني “كمن يحب” (٢٠١٢).

فيلم فرهادي الأخير، “قصص متوازية” (Histoires parallèles) المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي، استحضار للرهانات الأخلاقية بوصفها ثيمة إيرانية أثيرة، إلى سياق باريسيّ، بموثوقيّة لا بسياحيّة، برهافة فرهادي المعهودة، مثْبتاً أن مسائل كهذه إنما هي إنسانية تامة، وأن السينما عالمية تامة، تتقاطع عندها ثقافات ولغات متشاركة في المسائل الأخلاقية ذاتها، وهي في هذا الفيلم نوع من الكذب، نوع من السرقة، نوع من الشهوة.

هذا ما مكّن الفيلم من أن يكون بمرجعية هي كذلك متقاطعة المسائل الأخلاقية والحالات الإنسانية، بل هي مرجع سينمائي في ذلك، سلسلة “ديكالوغ” (١٩٨٩)، للبولندي كريستوف كيشلوفسكي، الأبرع في نقل القلق الأخلاقي لدى شخصياته، وقد استوحى فيلمُ فرهادي منه حلقتَه السادسة المعنْونة “لا تزنِ” من الوصايا العشر. ويمكن للدقة القول إن فيلم فرهادي اتّكأ على فيلم “فيلم قصير عن الحب” الذي طوّر عنه كيشلوفسكي حلقتَه “لا تزنِ”. وفرهادي مأخوذ بالأخلاقيات في سياقها الإيراني تحديداً. في هذا الفيلم تجرّدت الأخلاقيات من وصايا سماوية، فلا انزياحات مسيحية هنا في بولندا الشيوعية كما في أعمال كيشلوفسكي، ولا انزياحات إسلامية هنا في باريس، كما كانت في أعمال فرهادي الإيرانية. الأخلاقيات هنا مسألة إنسانية متخطية الأديان.

كيشلوفسكي سينمائي عظيم، استثنائي، ولستُ هنا أوازي بين الرجلين، لكن الإحالة إليه في فيلم فرهادي كانت بمثابة التكريم، تخطى أسلوبَ السرد والصورة إلى الموسيقى، إذ لا تخطئ الأذن هنا استعادة لألحان زبيغنييف برايسنر، المؤلف الموسيقي المرافق لكيشلوفسكي، وقد استعار منه فرهادي بعض نغمات فيلمه، في نصفه الأول. عملُ فرهادي أتى بسياق فرنسي، قرّبنا بذلك أكثر، من أجواء موسيقية لفيلمين تحديداً من فيلم للمعلم البولندي، وهما فرنسيين، “الحياة المزدوجة لفيرونيك” (١٩٩١) و”ثلاثة ألوان: أزرق” (١٩٩٣). الحدود الممحوة في الفيلم، من خلال إنسانية الأخلاقيات وعالمية الجماليات جعلا من هذه الأفلام الفرنسية لسينمائيَين بولندي وإيراني، نماذج سينمائية ما فوق عرقية/دينية، قارب بينهما، واحدهما إلى الآخر، وقارب بينهما وبين كل سينما في العالم تتخذ من الأخلاقيات ثيمة إنسانية.

في أسلوب الميتافيكشن، الخيال داخل الخيال، يحكي الفيلم عن روائية بوهيميّة ووحيدة، مسنة، تعيش في بيت باريسي ممتلئ بالكتب والفئران، وتؤلف قصصاً لجيرانها. شاب مهاجر، متشرد وسارق، يساعدها في تنظيم حياتها، قبل انتقالها من البيت. ومع الوقت يعرف ما تكتبه، أو ما تعاني من عدم إمكانية التقدم في كتابته، رواية مبنية على تلصّصها على آخرين، في المبنى المقابل تحديداً. يتماهى معها، فيبدأ هو بالمراقبة. في لحظة ترمي مخطوطتها فيجدها هو ويحتفظ بها ويحاول التعرف إلى المرأة في الواقع، بطلة الرواية، الجارة في المبنى المقابل. يخلق مصادفات، يكذب في أنها روايته هو، يسرق دفتر يومياتها ليكمل من خلاله المخطوط. تتداخل العلاقات، هو والروائية، المرأة وحبيبها وآخر وكلاهما زميلان لها في استديو صوت في المبنى المقابل للروائية. تتقاطع الشخصيات في قصص متوازية كأننا في رواية للإيطالي إيتالو كالفينو.

تداخل في الشخصيات ضمن توازٍ في قصصها. تنحرف مسارات القصص فيصبح التوازي تقاطعات. التوازي هنا بين واقع في الفيلم وبين خيال داخل الفيلم. نحن هنا أمام واقع يجمع الشخصيات يتأسس على توازٍ آخر، على خيال يجمع بينها. هو مستوى آخر من الأحداث، تغييرات طفيفة، بصرية وسردية تشي بما نراه إن كان واقعاً أم خيالاً. بعض الشطحات الدرامية تكشف ذلك، كحالة قتل، في إعادة إحياء، مطابقة، للمشهد الشهير من فيلم “ديكالوغ”، الخنق بحبل من المقعد الخلفي في سيارة.

القصص المتوازية هنا تكون بطبقة أولى هي الواقع لكل من هذه الشخصيات، وطبقة ثانية هي حضور الشخصيات ذاتها، المرأة وزميليها، في الخيال، خيال الروائية المسنة أولاً ثم خيال السارق الشاب ثانياً. توازٍ يجعل من الخيال واقعاً، حقيقياً، في تماهي الثلاثة في المبنى المقابل، مع ما قرأوه من المخطوط، لتتماهى الحدود بين المكتوب والمعاش. أخيراً، ستدخل الشخصية الروائية في عقل كل منهم، سيتصرف كل منهم حسبما قرأ. هنا، الشخصيات الروائية التي بُنيت على أخرى واقعية، ستنقلب أحوالها، لتَبني الشخصيات الواقعية تصرفاتها على تلك الروائية، تلك التي قرئت في المخطوط، تلك التي كانت خيالاً جامحاً في نسختها عنهم. هو تنقل في الشخصيات يكشف مدى تحكّم فرهادي بها، فرنسية كانت أم فارسية. الشخصية الروائية تقمّصت تلك الواقعية، قرأت الأخيرةُ الأولى في المخطوط قتقمّصت ذلك التقمّص، فصارت النسخةَ المتخيَّلة من ذاتها.

الفيلم عمل أدبي كما هو سينمائي، مكتوب بيدين، واحدة للخيال والأخرى للواقع، وكانت الشخصيات تتبادل الحيوات بينها وبين بعضها بخفّة. وكما قالت الروائية في الفيلم، فإن البطة شيء واقعي، وكذلك الزجاجة، لكن لا يمكن للبطة أن تكون في الزجاجة إلا في الخيال، رغم واقعية كليهما. في هذا الفيلم، أغلق فرهادي على شخصياته، الواقعية منها والخيالية، الزجاجة، وتركها تتصرّف.

في القدس العربي

كان السينمائي: في «قصص متوازية» لفرهادي تقاطعات واقعية للخيال

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.