يمكن لأي مهرجان، حتى كانْ السينمائي، أن يمرر أفلامه الأولى على مشاهديه ونقّاده، من دون تلك الدهشة، التي يتركها عادة إلى نصفه الثاني، الدهشة الممتدة على طول الفيلم قبل أن تنفرج في آخره. قد تمرّ أيام وأفلام قبل أن يقول أحدنا، متعباً مسبقاً، “هذا هو!”. هذا هو حال فيلم الإسباني رودريغو سوروغويين، “المحبوبة” (The Beloved).
قليلة كذلك هي الأفلام التي يقرّ أحدنا بصعوبة الكتابة عنها خلال المهرجان، لتراكم المشاهدات والكتابات، ولضرورة التخلص منها واحدة تلو الأخرى. لكن ساعة تكفي، في زاوية ما في قصر المهرجان، للخروج بالأفكار والمشاعر الأوّلية التي يرى الكاتب أن الفيلم يستحقها في مقال يومي، خارج حالات الكتابة المريحة غير الاضطرارية، في البيت، لمقال أسبوعي. سطر واحد ربما يكفيني للحديث عن هذا الفيلم، هو في أن هذا الوقت الكتابي، هذه الممارسة الجراحية الطارئة، لن تفي فيلماً بعظمَة “المحبوبة”، حقه، مهما كتبتُ أدناه. لكن، لنحاول على الأقل.
من بعد فيلم أخير رائع لسوروغويين هو “الوحوش” (٢٠٢٢)، ينتقل المخرج إلى استكشاف مساحة مختلفة تماماً في عمله المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي، بامتياز يفوق “الوحوش”، شكلاً ومضموناً، امتياز جعل منه الفيلم الوحيد، إلى منتصف المهرجان، الذي يخرج منه أحدنا بانبهار تام، وإن لم تخلُ المسابقة الرسمية إلى حينه من أفلام ممتازة.
واضح أن “المحبوبة” سيبدأ من اليوم، مشواراً طويلاً من التكريمات والجوائز، لن يخرج من كانْ خالياً، ولن يخرج من محافل جوائز أوروبية خالياً، لنقُل إنه مرشّح للاستحواذ على جوائز “غويا” في إسبانيا. هو منافس أول وباكر لجوائز الغولدن غلوبز والأوسكار إن لم تحُل مسائل إدارية دون ترشيحه، أقول هذا كله وأنا مدرك أن فيلماً لسينمائي إسباني عظيم هو بيدرو ألمودوفار، ستشهده كانْ خلال أيام وسيزاحم “المحبوبة” على كل ما ذكرته أعلاه.
الفيلم أقرب إلى النسخة الإسبانية من تحفة العام الماضي، “قيمة عاطفية” لواكيم ترير، الفيلم النرويجي الذي تغزّلتُ فيه في مثل هذه الأيام في كانْ العام الماضي، من بعد عرضه الأول، واستحقّ كل ما قلتُ وقيلَ فيه. ولا أرى “المحبوبة” أقل قيمة من “قيمة عاطفية”، بصرياً وسردياً. أود القول إنه، الإسباني، أعلى قيمة. لكن لننتظر قليلاً حتى تتضّح المشاعر والأفكار. هو أقرب إليه لأن كليهما يحكي عن مُخرج سينمائي معروف، يحاول إقناع ابنته، الممثلة، بالعمل معه، وخلال ذلك يستذكر كلاهما توترات عائلية واختفاء للأب. وإن كان من فرق واضح، ساطع، طاغٍ على الفيلم كما هو على غيره مما يقاربه في موضوعه، فهو أداء خافيير بارديم الذي طبع الفيلمَ بشخصه وشخصيته.
في “المحبوبة”، مشهد افتتاحي قدّم الفيلم، من لحظاته الأولى، من مستويات عليا، مشهد طويل نسبياً. الأب، إستيبان، يستقبل ابنته في مطعم، القلق يأكلهما، يتعثران في الكلام، ندرك طبيعة العلاقة بينهما، من خلال الكلام والإيماءات، من خلال الصورة التي تأتي بوجه واحدهما من خلف الآخر، بصور مقرّبة تفضح الاضطراب، بمساحات مقتولة، سوداء، على الشاشة، كأن كلاً منهما يحاول الاختباء وراء ظله في حديثه مع الآخر، بعد انقطاع لـ ١٣ عاماً، بعدما هجر الأب ابنته وأمها.
من اللحظات الأولى ندرك أنه فيلمُ حوارات ساحرة، قبل أن ندخل في سرد بصري لا يقل سحراً، منها المَشاهد بالأبيض والأسود متى اجتاحت أحدهما الذكريات، ذكريات على شكل مشاعر، الأب تجاه ابنته والابنة تجاه أبيها. لا ألوان هنا، فقط مشاعر حائرة كما هي الصورة التائهة بين الأبيض والأسود. هي مَشاهد وانكشافات مرئية لدواخل كل منهما، هي المشاعر كما يمكن أن تُرى، وإن كان الفيلم، في مَشاهده الأخرى، الملونة، على طوله، أقرب، في ألوانه الصحراوية، إلى الشدّة في مشاعر متوترة، صريحة، ساطعة ككثبان الرمال، في طبيعة مفتوحة، هناك حيث يصوّر هو فيلمه الجديد ببطولة ابنته، عن نضال أهالي الصحراء الغربية للاستقلال من إسبانيا.
هو فيلم متكامل، في امتيازات حواراته وصوره، وهو كذلك في موسيقاه. هو كذلك في واحد من أجمل مَشاهد الفيلم، ومن بين الأجمل في سينما الأعوام الأخيرة، لحظات كان إستيبان يختار فيها موسيقى لفيلمه، رثائية، “باخيّة”، يسمعها ونسمعها معه، يراقب ابنته من بعيد، تلك التي هجرها هي الآن أمامه. لم يبكِ. في ملامحه نرى المُخرج طاغياً على الأب، وهذا الأخير يطل برأسه. لاحقاً، الموسيقى ذاتها صارت في الفيلم مدموجة مع مشهد نراه ينظر إليها فيه، فيبكي. كأنه، لحظتها، أدرك أنه يصنع الفيلم برمّته كي يتقرّب من ابنته، ولم يدعُ ابنتَه كي ينجز الفيلم. هنا، نرى الأب متحرراً من المُخرج.
الفيلم متفجّر بالمشاعر، المتوترة، بعلاقة مركّبة بين الأب وابنته وبين المخرج وممثلته. إن كان الفيلم بصرياً وسمعياً، شديد الروعة، فهو كذلك سردياً، في حوارات تتقافز بين اللاذع منها والعادي، مغلّفةً مشاعر تماهى فيها الغضب بالحزن، الحسرة باللهفة.
“المحبوبة”، وقد أحسِن اختيار العنوان، هو حالة رثاء بين أب وابنته، حالة اعتذار أبدي، سوداوية، بكائية من دون دموع، لكنها، في عز التراجيديا، تزخر بمشهدها الانعطافي الأشد، وكان هستيرياً في ضحكه، وكان كذلك انفجارياً في غضب المُخرج فيه. سينقلب الفيلم معه مشاعرياً، سينكسر من بعدها إستيبان بوصفه أباً، وهذا الانكسار سيُعلي منه أباً ويُخفت منها مُخرجاً، هنا فقط، وقد تقدّم إلى ابنته بوصفه مخرجاً يقترح دوراً عليها، هنا فقط، حين ينكسر الأب كالزجاج فيفوح في الهواء، كالرذاذ، هنا فقط سيستحق أن تراه ابنته، أن تشعر به، هنا فقط سيكون أباً.
في رمان.
كان السينمائي: في “المحبوبة” استذكار فانكسار فاستحقاق للأبوة
