المخرج الروماني كريستيان مونغيو، الضيف الدائم في مهرجان كان السينمائي، يعرف ساحته، لا يبتعد كثيراً عن مواضيعه الأثيرة، الحائمة بين الأبوة والأمومة، والخسارة الحتمية أو المتحملة ضمنها. يعرف أين يبرع، ويعود إلى ساحته مع كل فيلم جديد، لا ليكررّ موضوعَه بل براعتَه في استعادته لموضوعه، مع سؤال أخلاقي دائم الحضور.
في “٤ أشهر، ٣ أسابيع، يومان” (٢٠٠٧) امرأة تحاول الإجهاض، ونال عنه السعفة الذهبية، ويستحق أن ينال الثانية بعد أيام. في “خلف التلال” (٢٠١٢) امرأتان كبرتا معاً في دار أيتام. في “تخرُّج” (٢٠١٦) مَفارق طرق لوالدين. وذهب في فيلمه المشارك بالمسابقة الرسمية للمهرجان اليوم، “فيورد” (Fjord)، في موضوعه العائلي إلى آخره، أب وأم على وشك خسارة أطفالهما، بما يشبه خطفاً من مركز حماية الأطفال لهم. وفيه مجدداً تفكيك لمكامن خلل تراجيدية في المجتمع المعاصر والمؤسساتي، وارتطام لثقافات بعضها ببعضها كأنها حوادث تترك ندوباً، كذلك كما في “R.M.N.” (٢٠٢٢).
الفيلم حالات متتالية من التوتر، تبدأ باكراً وتتواصل على طوله. عائلة تصل حديثاً من بوخارست إلى النرويج، لأب روماني وأم نرويجية وبخمسة أطفال. متدينان إلى درجة منعِهما عن الأطفال اليوتيوب، بل الإنترنت كله. التديّن واضح في لباس الأم وكلام الأب، وسلوكهما. كلاهما يرى أن ضرب الأبناء، أو صفعهم، ضروري للتربية. ستشك إحدى المعلمات بعنف منزلي ممارس على الابنة، ستشتكي لمركز حماية الأطفال، وعندها سيتحول “فيورد” إلى فيلم قاعات محاكم، بمحامي ادّعاء شديد اللؤم، يذكّر بزميله في “تشريح سقوط” لجوستين ترييه.
التوتر هنا على الطرفين وعلى أشدّه، ولا يصعب على المُشاهد اتخاذ موقف أخلاقي، فما نراه كان أقرب إلى خطف للأولاد، حرمانهم من العائلة، من قِبل نظام يدّعي حمايتهم، نافياً عن الأطفال سمتهم الإنسانية وجاعلاً منهم ودائع مُشَيّأة تضعها الدولة في عهدة الأبوين، محتفظةً بحقها في سلبهم منهما في أية لحظة، ومن دون اكتراث بمبررات للتهم أو لممارسة الخطف عينه.
لكن، على الطرف الآخر، هنالك فعلاً نوع من الترهيب النفسي واحتمال للعنف الجسدي وإن لم نرَه. ليست العائلة سعيدة، لكن ليس ذلك سبباً في تحطيمها. نحن هنا أمام نظام بيروقراطي شديد الوضوح في حالات الظلم التي يتسبب بها، وشديد الاعتداد بنفسه، وأمام ضحية لا تبعث على التعاطف، وتبقى، رغم ذلك، في موقع ضحية تستحق حكماً عادلاً.
هذا التشابك الأخلاقي، والتناقض الثقافي، تكشف عنه عنصرية لا يهتمّ كثيراً أصحابها بكتمها، عنصرية محتمية بالعلمانية والتقدم، ما زاد من فداحتها. هذا كله كان على طرفي حبل كانه الفيلم، لا يتوقف عن التردّد توتّراً. كل حوار، في كل مشهد، جدير بأن يكون انعطافياً، التقطيع الفجائي بين المشاهد المطوَّلة بتصاعدٍ للتوتر فيها، يجعل من تلك الانعطافات حادة، نحتاج لحظات بعد كل مشهد لالتقاط أنفاسنا والتحكم بأعصابنا. كل شهادة في قاعة المحكمة، وكل إجابة، تحمل احتمالات بانقلابات في حياة الأبوين وأبنائهما، ظلم بيّن يحصل أمامنا وعجز تام أمام جبروت قوانين الدولة. هذا كله يتراكم إلى أن يقرر الأبوان التصرّف خارج قنوات البيروقراطية النرويجية شديدة البرودة والبلادة.
الفيلم من بين أفضل ما شهدته هذه الدورة من المهرجان. ولا يكتفي بسيناريو مرعب بل أطّره بلقطات تُظهر كآبة العزلة الثلجية في قرية ضئيلة. ابتعد مونغيو عن حقول رومانيا وشمسها وخلق فيلماً اسكندنافياً تاماً. وقدّم انتقاداً لاذع للقسوة الحديدية التي للأنظمة البيروقراطية، وموظفيها المصابين برهاب الأجانب، الأقرب لا إلى آلات بلا روح، فهذه الأخيرة تكون على الأقل محايدة في تنفيذ القوانين، بل الأقرب إلى الساعين، كأن لهم مكافآت مهنيّة على ذلك، لفصل الأبناء الأجانب عن آبائهم في ما يشبه الخطف القانوني، وحبس الأبناء رهائن بقوة شبكةٍ من مصالح لمنظـمات حكومية هي ذاتها “الخصم والحكم”.
الفيلم شهادة إنسانية في حق الضحية بشوائب، بمثالب، من دون أن تخسر براءتها، فكيف لو كانت القضية خطفاً بيروقراطياً للأطفال؟
في رمان.
