قبل أيام، انتشرت صورة من مسلسل أمريكي، بقميص رياضي على كتفه علم فلسطين. انتشرت لأن أشكال التضامن الفنية مع فلسطين لم تألف هذا الإدماج، هذه الدرجة من التصريح التضامني. فإنْ كانت الإشارات السينمائية والتلفزيونية إلى فلسطين، بمختلف مواقعها، كلاميةً في عمومها، أي حوارات وسيناريو، فإنّ الإشارات البصرية أقل من ذلك، بكثير، بل نادرة متى تعلق الأمر بسياق لا علاقة له، في قصته وشخصياته، كما هو حال المسلسل، بفلسطين. تكون، بذلك، الإشارة البصرية علامة، مقصودٌ منها الموقف السياسي التضامني لأن لا سبب ملزماً، سردياً، لها في هذه الحلقة أو عموم المسلسل.
لكن، الإشارات لا تكون دائماً تضامنية ولا تكون إلا نادراً بصرية. سأعود إلى ذلك القميص، لكن من بعد المرور بحالة أخرى، سردية وغير تضامنية بالضرورة، في فيلم لا مسلسل، وحديث كذلك. وذلك لتبيان نوعين من التضامن، الواعي وغير الواعي، بالتصريح وبالتلميح، لفلسطين.
“فينيكس” (Phoenix)، ٢٠١٤، للألماني كريستيان بيتزولد، يحكي عن امرأة، مغنّية في مرقَص، ناجية من معسكرات نازية، يتعرض وجهها لإصابات وحروق فيضطر الطبيب لتغيير ملامحها. لها صديقة من الوكالة اليهودية تلحّ عليها في عدة مشاهد بأن تذهب معها إلى فلسطين، ترفض المغنّية، تعيد صديقتها الاقتراحات: بيت في حيفا، بعمارة جميلة، يطل على البحر. تُظهر لها صوراً للبيت. وفي مشهد آخر تحكي عن: مشروع سكني في تل أبيب أو حيفا وستُقدَّم لنا أرض لحراثتها. في مشهد لاحق تحكي عن ضرورة استخدام مال الضحايا، للذهاب إلى فلسطين وتأسيس دولة حيث سيعيشون كيهود في أمان. وبذلك فقط يمكن استعادة كل المال الذي سلبه النازيون. والمغنّية ترفض من دون سبب واضح.
تدور المَشاهد لنعود إلى حوار بين الصديقتين، وبالكاد يخلو أي مشهد يجمعهما من اقتراح متكرر من الناشطة الصهيونية لصديقتها بالانتقال للعيش في فلسطين، فتسألها إن كانت غيّرت رأيها بخصوص الذهاب إلى حيفا، أو تل أبيب. هنا تنظر المغنّية إليها بنفاد صبر. وتكرر رفضها. تصرّ الصديقة بأن في تل أبيب جوقة موسيقية يمكن الانضمام إليها. في مرة أخيرة، تردّ المغنّية صراحة، حاسمة الموضوع، إنها لا تستطيع الذهاب إلى فلسطين.
لا أعتقد أن في ذلك إشارة مباشرة ومقصودة في نوع من التضامن مع القضية الفلسطينية، في زمن، عام إنتاج الفيلم، لم يكن التضامن في أوجه كما هو حال الأعوام الأخيرة، لما رافق الحرب الإبادية من صور وحقائق. لكن في ذلك موضوعية تكفي، بهذه المسافة عن الطرفين، المستعمِر والمستعمَر، في نقل حقائق تاريخية أو سرد عقلاني، موضوعية تكفي لنتيجة تبعث على التضامن أو تحثّ عليه، ويمكن لإلحاح الصديقة المبالَغ به، والرفض الدائم للمغنّية التي ستنظر بغضب إلى صديقتها في واحدة من الحوارات، ثم تقول صراحة إنها لن تذهب، يمكن لذلك معاً أن يكون خطاباً سياسياً رافضاً لتأسيس دولة على أرض فلسطين، كما قيلت في الفيلم الذي لم يذكر اسم إسرائيل، لأسباب لا تهم إن كانت سياسية أم لا. أو على الأقل رفضاً للالتحاق بتلك الدولة.
يمكن تفسير الحوارات بأن المُخرج أراد تمرير موقف لشخصيته الرئيسية ترفض الذهاب إلى فلسطين، كما يمكن التفسير بأن الحوارات حافظت وحسب على مصداقية تاريخية وموضوعية. النتيجة واحدة، وشديدة الظهور في الفيلم، وهذه الحوارات ستنتهي بخبر انتحار الصديقة التي تعمل في الوكالة اليهودية.
ليس لبيتزولد مواقف معروفة في تضامنه مع فلسطين، لكنه خلال الحرب الإبادية وقّع على عريضة مع سينمائيين وفنانين تدعو لوقف إطلاق النار، وهذا يبقى موقفاً متقدّماً لألمانيّ. كما أنه في واحدة من حواراته استعاد مقولة للفيلسوف ثيودور أدورنو بأن الفيلوساميّ (المعجب بشدّة باليهود) هو لاساميّ لكن يحبّ اليهود. في إشارة إلى بلده ألمانيا.
هذا في فيلم نقل سردياً لا مشهدياً، بالحوار لا بالصورة، موقفاً مركّباً أفسّرُه بالتضامني من خلال موضوعيته، لا قصديّته بالضرورة. لكن هنالك، في السينما والتلفزيون، مواقف تضامنية بالانحياز الموضوعي إلى الضحية. هو إظهار مختلف للقضية الفلسطينية عن التي رأيناها في الفيلم، وكان برقياً، وبصرياً “قافعاً”، وابتكارياً وجريئاً ولا مساومة في تفسيره.
التضامن في عالم الترفيه (سينما وتلفزيون وموسيقى وغيرها) يكون عادة في مناسبات خارج الأفلام، وهي ضرورية، وكثرت في الأعوام الأخيرة. لكن، وهذا الجديد، يبقى لآخرين حالات تضامنية أكثر اندماجية مما هو في خطابات تلقّي الجوائز على المسارح، أو الوقوف على السجاد الأحمر بدبابيس على القمصان، يتخطاها إلى القمصان ذاتها، وفي العمل الفني ذاته، ويكون مثبَّتاً، صريحاً وواضحاً، ظاهراً مشهوراً كالنار على علم، كالعلم على قميص.
الممثلة الأمريكية، اليهودية، هانا أينبيندر، وكانت من صاحبات الأصوات الأعلى في التضامن مع فلسطين في السنوات الأخيرة، أدمجت أخيراً هذا التضامن في شغلها الفني ذاته، ففي الحلقة الخامسة التي بُثَّت قبل أيام، من مسلسل تقوم ببطولته (Hacks)، ٢٠٢٦، كانت في مشهد منزلي امتدّ لدقائق، ترتدي قميصاً أخضر لـ “نادي لاجئ سيلتيك” (قميص رياضي بطبعة خاصة، للفريق الاسكتلندي المعروف بتضامنه وجمهوره مع فلسطين)، على صدره شعار فيه مفتاح العودة الفلسطيني، وعلى كتفه يلمع علم فلسطين بكامل بهائه، شديد الظهور إلى درجة صار فيها، العلم ومعه القميص والمشهد والمسلسل، خبراً صحافياً منتشراً.
هذه حالة خاصة، ممارسة تضامنية مقصودة ومتحدّية نظاماً شبكياً من العلاقات التي تحظر، قدرما تستطيع، أي شكل للتضامن مع فلسطين، في برلين أو هوليوود، فكيف بإدماج التضامن ضمن حلقة تُشاهَد آلاف المرات عند بثها أول مرة، أو أكثر، ضمن إنتاج لهذه الشركة أو تلك وليس ضمن خطاب أو قميص شخصيين على مسرح محدود التضامن بهما، وباللقطة المأخوذة لحظتها.
فريق كامل مسؤول عن، أو موافق على، قميص في مشهد تعود ملكيته إلى شركة إنتاج، من المخرج إلى مسؤولة الأزياء و المنتجين التنفيذيين، وغيرهم وعلى رأسهم جميعهم الممثلة ذاتها، التي، على الأرجح، قاتلت لتنال ذلك القبول أو لتفرِضه، في حيثيات لا يعرف بها أحدنا. النتيجة هي ما يهمنا هنا. فبمعزل عن التيار السائد في معاداة الفلسطينية ضمن شبكات الإنتاج التلفزيوني والسينمائي الأمريكي، التضامن مع فلسطين صار ممكناً إدماجه في العمل، بعلمٍ ظاهر في مشهدٍ فريقٌ كامل يقوم على إنجازه، ولم يعد يكتفي، التضامن، بالتعليق من مسؤولية شخصية وحسب، ومن خارج العمل الفني. التضامن هنا مدموج بالعمل الفني، التضامن هنا من بنية العمل الفني.
