1
اكتب تعليقُا

“مرتاحة؟”… عن الرقص الفلسطيني الخالص

يمكن للرقص أن يكتفي من مسألة التحرر التي فيه، بالحيز المكاني، بمعنى أن العروض الراقصة تتعامل مع الحيز المتاح على خشبة المسرح بوصفه مكاناً لا يحدّ من الحركات المتواصلة للخروج عنه، لتخطّي أطُره. ثم، من بعد هذه العلاقة المتوترة بين الجسد وحركاته والخشبة وحدودها، يخرج العرض الراقص بما يمكن أن تكون إحالات غير مباشرة أو تأويلات لتلك الحركات.

هنا، في عرض “مرتاحة؟” للمصمّمتين والراقصتين الفلسطينيتين مرح حاج حسين (كفر ياسيف) ونور غرابلي (يافا)، إعادة تشكيل لمعنى الرقص بحد ذاته. ليس العرض محاولة لتخطي الأطر المكانية للخشبة بل لما هو سابق، أي لمعنى الرقص كممارسة للتحرر مما هو سابق للعرض، سابق للخشبة وللجمهور. هنا تفكيك للمتوقَّع من العرض الراقص، قبل أن يكون العرض متحرراً من حيّزه المسرحي.

العرض وله عنوان دولي بترجمة “في العلاقة بمن؟” (?In relation to whom) استضافه أخيراً مسرح “لاڤيليت” الباريسي، بخشبة واسعة نسبياً، كان ما احتاجه العرض، للتخطي المسبق لفكرة الخروج عن أطر الخشبة. فعرض كهذا قد يضيّق على فكرته مسرحٌ بمساحة ضئيلة. مسرح “لاڤيليت” سمح للراقصتين بالأداء متحررتين من حيز مكاني يشوّش على بعدين آخرين يستهدفانهما في رقصهما بوصفه وسيلة للتحرر: الزمان والسرد.

أتاحت “الصالة الكبرى” في “لاڤيليت”، لعرض كهذا امتياز التخفف من اضطرار التحرر المكاني، ذلك للغوص في جوهر هذا العرض، في بعديه الزماني والسردي. فكان الرقص مرافقاً لحوارات بين الراقصتين تكشف عن تروما لفلسطينيي الـ ٤٨، وكانت الحركات الجسدية الموازية للحوارات، أقرب إلى تقلّبات وارتعاشات وإيماءات، كمن يخلع عن نفسه طبقات من الزمان كشفت عنها الحوارات، كأنّ الرقص كان انتزاعاً لمعاني الكلمات، لسياقاتها، ورميها بعيداً، كمن يقشّر جلداً ميّتاً وينفضه. ليس العرض راقصاً بالتناغم مع موسيقى إذن، هو عرض راقص بالتنافر مع الكلام. الكلام الخارج من الأفواه يرفضُه الجسد ويركله.

حوارات بدأت مبعثرة ثم عبثية قبل أن تشّكل لنفسها صورة، وسردية، لفتاتين فلسطينيتين تعلّمتا أوّل الرقص في البلاد. هذا عرض راقص استشفائي لكليهما، من بعد تحررهما من التدريبات الرقصيّة الاضطرارية مع جنود في أي مؤسسة راقصة في البلاد المستعمَرة أو الدولة المستعمِرة، لتلتقيا وتؤسسا معاً هذا العرض، وغيره قبله، فكان لهما ضرورة التحرر لا من المساحة بل من الزمان، زمانهما الشخصي، وتتعافيان مما تعلمتاه من الرقص الاستعماري، أو ما سمّيتاه في العرض “تجنيد البطن”. ليكون التحرر غير مكترث بخشبة مسرح، فرنسية أو غيرها، بل يكون، التحرر، معنياً بزمان تشكّلت فيه هويتهما الراقصة، هو زمان شخصي كما هو زمان جمعي، إذ تشكّلت فيه، كذلك، هويتهما الوطنية بوصفهما فلسطينيتين.

لذلك كان هذا العرض، “مرتاحة؟”، بإجابة يدركها أحدنا خارجاً من الصالة، بأن “لا”. لكن العرض لم يكن إجابة بـ “لا”، بل كان استتباعاً لهذه الإجابة، بمعنى أنّ ليست أياً منهما مرتاحة فكان هذا الرقص. أتى العرض لينفض عدم الارتياح هذا عنهما، أتى كممارسة تفكيك شخصي وجسدي للاستعمار عن كل منهما. يوضّح العنوانُ الدولي، “في العلاقة بمن؟”، أكثرَ العنوانَ العربي، محدداً شكلاً للإجابة، أو احتمالاً، أن الرقص للتحرر من عدم الارتياح النابع من تروما هي جمعية، تاريخية، كما هي شخصية كانت في اضطرار التدرّب على الرقص مع إسرائيليين هم جنود، أن الرقص هذا أتى لينفض عن الجسد عدم ارتياح تراكمَ في العلاقة بحيّز زماني ومكاني هو إسرائيلي. لسنا هنا أمام علاقة للجسدين بالمكان، بالخشبة، بل بالزمان، بالتروما، وبالسردية الراقصة التي تكاد هذه التروما أن تفرضها لو لا أمكن للجسدين أن ينتفضا، أن يركلا رواسب ما تراكم في فتراتِ التدريب على رقص استعماري. تُرمّز الراقصتان لذلك بإبهار جماليّ، فتجدلان خصلات من شعر واحدتهما بالأخرى، فيحدّ من انفلاتات الجسد، من الحرية في حركاته. في لحظة ما ستتعافى الراقصتان ويتعافى جسداهما وتنطلقان على الخشبة وقد تحررت الخصلات وصار الشعر جزءاً من الجسد المتطاير.

الرقص هنا هو تفكيك لما تعلّمتاه مرح ونور من رقص “يجنّد البطن”، هو لفظه عن جسديهما، هو استفراغ للاستعمار، إفراغ للبطن من تجنيده، في رقص معاصر ومغامر من دون موسيقى، أقرب إلى جلسات علاجية للجسد، لروح الجسد، أقرب إلى حالات معافاة، أقرب إلى تشكيلٍ من بعد التفكيك، لحركات خاصة، خالية من رواسب الرقص الاستعماري، الرقص العنيف، القاتل.

لا موسيقى هنا بل محاولة لإدراك ما يحصل من خلال السرد، الكلام. رقص أمام ألعاب ضئيلة لجنود، مصفوفة أمامهما، تتماهى في وضعياتها تأويلاتُ إن كان الجنود في حالة رقص أم قنص، قفز أم قتل. في لحظة ما، سترمي الراقصتان بعيداً مجسمات الجنود البلاستيكية هذه. هنا يبدأ العرض بالتحول إلى معافاة. هنا ندرك أنهما تصلان إلى التخلص تماماً مما تعلمتاه من رقص استعماري. هنا، لاحقاً، نبدأ بسماع نتفٍ من موسيقى، عود وناي، إلى أن ينتهي العرض بدقائقه الأخيرة بموسيقى مكتملة متواصلة، منفلتة كالأجساد، دبكة مدموجة برقص معاصر، بأنغام لا تقلّ عن الرقص جمالاً. تنحلّ خصل الشعر المجدولة وتَخرج مرح ونور عن الزمان والسرد الاستعماريين، لينتهي “مرتاحة؟” برقص فلسطيني خالص.

في ضفة ثالثة

https://diffah.alaraby.co.uk/diffah/herenow/2026/4/26/%D9%85%D8%B1%D8%AA%D8%A7%D8%AD%D8%A9-%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%82%D8%B5-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D9%84%D8%B5

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.