يبدأ هذا الوثائقي بصوت أحدهم يذكر مشروعاً لإحياء سينما جنين، بدعم من الحكومة الألمانية والإسرائيلية، وبالتعاون مع السلطة الفلسطينية. ثم يظهر فريق ألماني في مشروعٍ لترميم صالة السينما في جنين. مقابلهم، نسمع حسين يقول، في ما يمكن أن يلخّص التناقض الآخذ بالازدياد بينه وبين الفريق الألماني، على طول الفيلم، بأن المسألة لا تتعلق بالمال بل بالمبادئ.
حسين هو النسخة الفلسطينية من تلك الشخصية التي نعرفها في فيلم”سينما باراديسو”، للإيطالي جيوزبي تورنتوري. هو حسين في “سينما جنين”، الذي عاش أكثر من نصف عمره بين بكرات الأفلام على أنواعها، وفي تشغيل أجهزة العرض. سيعرف أن فريقاً أجنبياً قادم لترميم السينما، كان فرحاً كمن أخبره أن جهة ما سترمّم بيته، قبل أن يدرك أن هذه الجهة سترمّم البيت للاستيلاء عليه معنوياً، ونفيه لاحقاً. هذا ما سيشعر به حسين، بحسّه الغريزي، من البداية. فلن تقتصر مهمته على التصليح والانشغال التام، من دون مقابل، لإحياء السينما، بل تمتد إلى إصراره على الحضور، في مواجهة هذا الفريق، هذه المنظمة غير الحكومية، في استيلائها على سينماه.
حسين شخصية فلسطينية ساحرة، من اللحظة الأولى في الوثائقي ندرك أنه القصة كلّها، أنه، حسين، موضوع هذا الوثائقي الذي أدرك مخرجه، أليكس بكري، فرادة حسين في شخصيته وفي مهنيّتيه الغريزية المدعّمة بخبرته الطويلة، هو ما ظهر في الفيلم، هو ما ظهر أكثر في تناقض ذلك مع أعضاء منظمة “إنجيؤوزيّة” ألمانية لا يبدو المشروع لهم سوى مدخلاً آخر لتمويلات إضافية.
يقع أحدنا في سحر هذا الحسين، لا مجال للكاميرا للانزياح عنه، كلما انزاحت وجدتني أميل رأسي كأني بذلك سأرى حسين الخارج عن اللقطة. لا حاجة لذلك التناقض بين مصداقيته العالية وبين انتهازية الفريق الألماني، وبين انتهازيات محلية فلسطينية صغيرة لا ترى من الألمان ومشروعهم، كما لا يرونه هم بالعلاقة مع مموليهم، سوى مدخلاً أجنبياً للمال. وحيداً كان حسين في شغله لإعادة إحياء سينما جنين، كما كان وحيداً، وحزيناً، لكن مكملاً مهمّته إلى آخره، حين عرف أن انشغاله التام هذا سيكون من دون أجر.
يداه المفحّمتان، جهاز العرض القديم المغبرّ، الكراسي المكسّرة، مبنى السينما المهجور. هذا كله يسيطر على النصف الأول من الوثائقي قبل أن تصل المعدات في كراتينها وأكياسها، تكاد رائحة مصانعها ودهانها عند فتحها تفحّ عن الشاشة. هي معدات تشبه الألمان، المتطوعين بمقابل أجر للضرورة، المتطوعين المأجورين بملابسهم الناصعة ونبراتهم الاستعمارية، المتحدثين بالألمانية مطمئنين أن أحداً لا يفهم كلامهم، ساخرين من فكرة أن يعرضوا للجمهور المحلي فيلماً لجان لوك غودار أو فدريكو فلّيني، لاحقاً يقول أحدهم عندما يشغّل حسين أغنية لفرقة البيتلز إنه ما كان ليتوقع أن يكون لحسين ذوقاً موسيقياً جيداً كهذا، ثم آخر ينبّه حسين، صارخاً، بفوقية بيضاء رثّة، مأنباً حسين لفتحه كراتين تحوي العدسات الجديدة. حسين الذي ما استطاع الصبر راكضاً إليها كطفل لم يقاوم لعبة في علبتها. الألمان، المتطوعون المأجورون، سيغادرون أخيراً جنين والسينما فيها، بمشاريع أخرى وتمويلات أكبر ربما، ليهدّم صاحب السينما المبنى، ليقيم مركزاً تجارياً مكانها. هي العقلية الرأسمالية الربحيّة ذاتها لفريق المنظمة غير الحكومية وللمنتفعين المحليين، لنقرأ في نهاية الفيلم أن حسين، الطفل بحجم الرجل، سيموت بعد الهدم ببضعة أشهر.
أمكن للوثائقي أن يكون خالياً من النبرات الاستعمارية المقززة للألمان هناك، وأن يكون محصوراً بحسين الساحر، بشخصيته الآسرة، كما أمكن للوثائقي أن يكون أقل شخصية وأكثر سياسية مركزاً على الفريق الذي يرى في مشروعه بجنين مناسبة للتربّح من دون أن يخفف من وطأة عنصريته. لكن “حبيبي حسين” جمع الجانبين، الشخصي الحميمي لحسين، ابن جنين وابن سينماها، مقابل المنظمة غير الحكومية المتربّحة من مآسي الناس. وكان هذا التقابل، التناقض، ما أظهر كلاً من الجانبين بشكله الأوضح، حسين الناصع بان هنا بكامل بهائه، والإنجيؤزيّون المتلوّثون بالمال “الإنمائي” بانوا هنا بكامل انتهازيتهم.
المسؤول الألماني عن المشروع، يحكي، من منطلق استعماري أبيض بائت، ومن دون خجل، عن الصدام الثقافي بينهم وبين المحليين، وعن الحاجة إلى أناس جيدين للعمل لذلك سيأتي بهم من ألمانيا، وبأن المواهب تتفاوت بين الألمان والأوروبيين والدوليين، وبين المحليين، وبأن الفلسطينيين ككثير غيرهم هم فقط مستقبلون. لذلك فإن ما يفعلونه هو الجلوس وانتظار ما سيأتي، وما لم يأتِ ذلك من طرفنا، الأوروبيين، فلن يأتي أبداً. يلي ذلك الكلام السافر بتنميطيّته وعنصريّته، مشاهدُ لحسين، قليل الكلام بخلافهم، كثير العمل بخلافهم، نراه يعمل على تشغيل المعدات، والجديدة هذه المرة، الآتية من أوروبا، لوحده ووحيداً، كما أصلح تلك القديمة لوحده ووحيداً.
الفيلم رسالة حب ورثاء إلى حسين، إلى هذا النموذج من الفلسطينيين والعرب، هو الأقرب إلى تنظيم شعبي محلي ووطني وصلت المنظمات الدولية والأوروبية وقضت عليها بالمال. حسين هو المقاوم الأخير للنيوليبرالية، بيديه المفحّمتين. حسين الشغوف، الأمين، الذي يرى في إعادة إحياء هذه السينما، وهذه البلاد، حلماً، كما قال في أخر كلمة من الوثائقي، حلماً ما إن استيقظ منه حسين، ما إن تهدّمت السينما، مات.
في القدس العربي
