رغم وجود نجمَين على ملصق فيلمٍ قد يفضّل أحدنا تجنّبَ مشاهدة أفلام من بطول أي منهما، ورغم ما يوحي به الشريط الترويجي من طبيعة فيلم “روم-كوم”، من تلك الكوميديات الرومانسية في السينما الأمريكية، أو ما يُعرف كذلك بكوميديات الزواج، رغم هذه وتلك، إلا أنّ لوغو صغيراً أسفل الملصق، لشركة الإنتاج، A24، يمكن أن يحثّ على التفكير مرّتين قبل قرار إلغاء المشاهدة، فيغيّر أحدنا مسارَه ويدخل السينما.
الشركة مثيلة لأخرى هي Neon، وقليل غيرهما وبمستويات أقل. هي من تلك التي حملت السينما المستقلة الأمريكية في السنوات الأخيرة إلى المهرجانات الأوروبية ونالت بشكل ملفت، كماً ونوعاً، من جوائزها. أما هذا الفيلم فلم يخرج من مهرجان، بل نزل مباشرة إلى الصالات، رغم مؤهلات له لعروض من مهرجانات أوروبية، لكونه يجمع بذكاء بين الجماهيرية، أي نوع الأفلام السائدة أمريكياً، وبين الفنية، أي النوع الأقرب إلى السينما الأوروبية. قد يعود ذلك إلى المخرج النرويجي كريستوفر بورغلي، الذي جاء هنا بما يشبه فيلم سابق له هو “سئمت من نفسي” حيث تمر العلاقة بانعطافة متطرفة تكاد تودي بها، جاء إلى قصة أمريكية تماماً، ليَخرج برؤية أقرب إلى سينما مستقلة أمريكية وسينما رومانسية أوروبية، لكن في صلب موضوع كوميديا الزواج التجاري والترفيهي. هي صيغة صعبٌ التوازن بها. لكن، فكرة أن يدخل أحدنا الصالة تبعاً لشركة الإنتاج ليست بالضرورة خائبة، وهذا الفيلم مثالاً.
يحكي الفيلم (The Drama) عن إيما (زيندايا) وتشارلي (روبرت باتنسون)، في الأسبوع السابق لزواجهما. يحضّران للعرس، وفي حديث مع أصدقاء، مع منسوب زائد من النبيذ، يدخل الأربعة في لعبة البوح بأسوأ ما فعله كل منهما، تعترف إيما بما اقتربت من فعله ولم تفعله، ومن لحظتها، بفداحة ما كادت تفعله، تنقلب الأمزجة ويقاطعها الأصحاب ويتشكك الحبيب من خطوة الزواج.
لا يمكن للعنصر الأوروبي إلا أن يحضر في الفيلم، أقلّه في ما يمكن تفسيره بسخرية سوداء تجاه الحياة البرجوازية الأمريكية، وفي النزوع إلى خلخلة الاستقرار الرومانسي، كما نراه في أفلام السويدي روبن أوستلند. نحن هنا أمام كوميديا لكن سوداء، وأمام زواج لكن كابوسي، أمام سردية ووتيرة غير آمنتين، غير جماهيريتين. الفيلم صادم لا بقصته، فهي تقليدية نوعاً ما، بل بسردها وبالانحناءات التي تتخللها. الفيلم صادم لاتخاذه موضوعاً ترفيهياً في شكل فنّي.
يبدأ “الدراما” في مقهى حيث يتقدم تشارلي للتعرف إلى إيما للتعرف، وينتهي كذلك في مطعم من بعد العرس، يمثّلان لحظة تعارف أولى، كأنه إعادة صياغة للحظة ذاتها. ويحيل عنوانه إلى الدراما الإغريقية قبل أن يخرج الفيلم عنها، فإن كان بنهاية سعيدة، كما هي الكوميديات وكما هي الأفلام الجماهيرية، فله بنية العمل التراجيدي على طوله، المودية، بالضرورة، إلى نهايات مأسوية. فالفيلم في مساره وقبل نهايته، نوع من العقاب الإلهي، المنتظَر لسنين طويلة كي يتحقق، لامرأة راودتها نوايا دمويّة في مراهقتها، وكاد الفيلم أن يذهب في هذا المسار إلى آخره قبل أن تنتشله الكوميديا، كأنها مَخرج فرعي في طريق رئيسي، إلى خفّة في مآل الشخصيات، وإلى استيعاب للصدمات التي مرت فيها قبل ذلك بينها وبين بعضها، وإلى نهاية تفضّلها شركات الإنتاج، أقرب إليها مما هي إلى الإرادة الإلهية في التراجيديات.
بكوميديته إذن، صار الفيلم إنسانياً لا إلهياً، صار خفيفاً على القلب رغم الصدمة التي يحملها في ماضي إيما، محوّلاً النوايا في الإيذاء إلى مسألة فلسفية، أخلاقية. هل السنين الطويلة التي مرّت، وهل حقيقة عدم الارتكاب الفعلي للجريمة، يوديان بالحبيب وبالأصدقاء إلى المسامحة أم القطيعة؟ هي مسائل إنسانية لا إلهية. طرحها الفيلم بالرهافة التي يمكن أن تحملها السينما الأوروبية إلى سياق أمريكي.
ليس الفيلم غيبياً إذن، ولا نعرف مسبقاً ما سيحلّ أخيراً. هو فيلم أقرب إلى مقاربات المخرج الأمريكي وودي ألن، المعروف بأنه الأكثر أوروبية من زملائه مواطنيه، تجاه فكرة الجريمة والعقاب التي تطرق إليها في أكثر من عمل، حيث يبدأ الفيلم بتقديم ما يمكن توصيفه بالجريمة، طارحاً طريقاً يودي إلى عقاب ما، لينحرف الطريق عن اليقينية الإلهية والكلاسيكية في التراجيديات، متفرّعاً وتائهاً في النفس الإنسانية، في اللايقين، في شكّ كل الشخصيات حيال لا ما حصل، بل حيال وجهة النظر إليه والحكم عليه، على أساس “من كان منكم بلا خطيئة”.
“الدراما” قدّم ذلك كله من دون إثقال، وبضحك كثير، بأسلوب سردي أقرب ليكون مسرحياً، كأن الفيلم مبني على فصول: تقديم الشخصيات من خلال استعادة مَشاهد متفرقة من حياة الزوجين كان خلال كتابة تشارلي خطاباً يلقيه في العرس يتذكر فيه اللحظات الفارقة بينه وبين عروسه، ثم الفصل الذي يعترف فيه كل من الأربعة بأسوأ ما فعله، ثم الفصل التابع لذلك وفيه تنقلب الشخصيات في سلوكها، ثم فصل العرس وهو الذروة الدرامية، ثم “إبيلوغ” سريع، أو قفلة غير درامية للمسار الدرامي، ما أحسن الفيلم الختامَ به. فلم تكن هنا الجريمة حاصلة، ولا كان كذلك العقاب.
في القدس العربي
