في خريف العام الماضي، نشرت مجلة “ذا نايشن” الأمريكية مقالة بعنوان “كيف أسكتت ألمانيا فنانيها دعماً لإسرائيل”، لمناسبة معرض للفنانة الفوتوغرافية الأمريكية نان غولدين، واحدة من الأبرز عالمياً، في متحف “المعرض الوطني الجديد” ببرلين. لم تكن المقالة عن المعرض بل عن تحدّي غولدين لسياسات الترهيب الألمانية لأي فنان يعلن تضامناً مع فلسطين، تحدٍّ تخطى قدرة مسؤولي المتحف على إغلاق المعرض، للمكانة العليا للفنانة.
تكتب “ذا نايشن” أنّ غولدين وبّخت الحكومة الألمانية وأجهزتها الثقافية، وفي ليلة الافتتاح قالت مشيرة إلى “رد ألمانيا العدواني تجاه الدعم لفلسطين”، إن “الألسنة كُبّلت، كمّمها الحكومة والشرطة وحملة القمع الثقافية”، تضيف: “قررت أن أستخدم هذا المعرض كمنصة لأُضخّم من خلالها موقفي الأخلاقي الغاضب تجاه الإبادة في غزة ولبنان. إن كان مسموحًا لفنان في موقعي أن يعبّر عن موقفه السياسي من دون أن يُلغى، فآمل أن أمهد طريقًا لغيري من الفنانين كي يتكلموا دون أن يُكمَّموا”.
تضيف المجلة بأن عبارة غولدين “معاداة الصهيونية لا علاقة لها بمعاداة السامية” قوبلت بتصفيقٍ حار ومتواصل. وحين همّت الفنانة بمغادرة المنصة، انفجرت القاعة بالهتاف لفلسطين، مع رفع للأعلام الفلسطينية. في تلك اللحظة المفعمة بالنشوة. تضيف “ذا نايشن”، بدا كأن الفنانة نزعت سدادةً وأطلقت كل الحزن والكبت المكبوتَين في حركةٍ طال كتمها.
هذا المعرض كان ضمن جولة لغولدين، أيقونة الفوتوغرافيا المعاصرة، شملت عواصم أوروبية واصلاً أخيراً إلى باريس، في متحف “القصر الكبير” الذي افتُتح الصيف الماضي من بعد إغلاق لترميمه دام أعواماً، ليكون مركزاً متحفياً فنّياً في قلب العاصمة الفرنسية.
المعرض بعنوان “لن ينتهي هذا على خير” (This Will Not End Well) هو الأول بوصفه استعادياً شاملاً للفنانة في فرنسا، ويمتد ما بين ١٨ آذار و٢١ حزيران، في صالة واحدة شاسعة مقسومة إلى مساحات مغلقة، وبمساحة واحدة مفتوحة كانت لعملٍ قيد الإنجاز للفنانة، بعنوان “غزة”. في معرضها، تستعيد غولدين في عروض فيديو وشرائح فوتوغرافية، وأصوات وموسيقى، ما يقارب خمسة عقود من عملها الاستثنائي، ما بدا شظايا من يومياتها المتقلبة في مآسيها، وهي الفنانة التي استحدثت أسلوب اليوميات البصرية، المفعمة بالحميميات، حياة الليل والإدمان، والهويات المتنقلة والمتكسرة، والعنف المنزلي، والنشاط السياسي.
أما أقسام المعرض الثابتة وهي أعمال منجزة، فكانت مصفوفة للمرور إليها، واحداً تلو الآخر: “مرثية التبعية العاطفية”، وهو العمل الرئيسي لها، متضمناً نحو سبعمئة صورة مرفقة، عُرض أول مرة في نيويورك في السبعينيات، وهو مهدى إلى ضحايا وباء الإيدز. “الجانب الآخر”، وهو تلويحة من الفنانة إلى أصدقائها من المتحولين جنسياً. “السيرينيات”، وفيه استحضار لأساطير إغريقية، إذ يغوص العرضُ في حالات من النشوة والهلوسات تحت تأثير المخدرات، متضمناً مشاهد من ثلاثين فيلماً. “ذاكرة مفقودة”، متضمناً تسجيلات هاتفية ومقابلات مرفقة بالصور تحيط بحالات الإدمان. “متلازمة ستندال”، مستوحى من أساطير في تحولات أوفيد، تقارب الفنانة هنا بين السرديات الأسطورية كما صوّرتها أعمال فنية كلاسيكية، وحالات لشخوص من حياة الفنانة، فتقارب الظاهرة التي وصفها الروائي الفرنسي ستاندال بفقدان الوعي أمام قوة الجمال الفني. “أخوات، قديسات، عرّافات”، ويقع في كنيسة خارج المتحف، وهو تركيب فيديو بثلاث شاشات، يكرّم شخصيات نسائية من عالم غولدين الشخصي. تشكل هذه الأقسام معاً سيرة متشظية للفنانة، في رحلة من الجماليات البصرية والصوتية ضمن الصالات المظلمة، متفاوتة المشاعر المركّبة. نحن هنا أمام عالمها الخاص لنان، المتشكّل من مهمَّشين مضطهَدين في عالم رأسمالي محافظ وذكوري.
إن كانت هذه العروض الشرائحية، الوسيطة في تقنيّتها ما بين الفيديو والفوتوغرافيا، تنتهي بعبارة على طول الشاشة تقول “في التضامن مع فلسطين”، عبارة مضافة حديثاً لهذا المعرض، فإن عملاً قيد الإنجاز لغولدين، مفتوحاً عمداً في الصالة لعدد غير محدود من الزوّار، بخلاف العروض الأخرى، تخصَّص لفلسطين تحت عنوان “غزة”. هو عرض فيديو دائري مبني على مشاهد ولقطات من وسائل التواصل الاجتماعي تنقل بعضاً من أقسى ما خرج من غزة في حرب إبادتها، أشلاء ودماء سبقتها حياة بأفراح يومية مع قبل الحرب، أعراس وضحكات.
في الوصف المرفق بالعمل، تكتب غولدين أنه بمثابة تسجيل لما شغلها خلال السنوات الثلاث الأخيرة، أي الحاجة للإدلاء بالشهادة. وهو يتيح للجمهور تجربة جماعية في مشاهدة اللقطات، ما كان جرّبه الجميع كأفراد، أي مشاهدة هذه المأساة بالبث الحي عبر التليفونات. أما الشكل الدائري المتواصل للفيديوهات، فهو للتأكيد بأن المأساة مستمرة. وهذا الفيلم، في المساحة المظلمة للمعرض، هو البقعة الألمع، هو نجمة الشمال، للتذكير بما لا يتوجب نسيانه، فلا يجب إزاحة الأعين عما يحصل في غزة.
العمل إذن قد الإنجاز، ما يعني أن مَعارض مقبلة للفنانة سيشمله بشكله النهائي، ما يعيدنا إلى برلين التي لم يشهد معرض الفنانة فيها هذا القسم، لنتساءل إن كانت العاصمة الألمانية ستشهد يوماً ما معرضاً لنان غولدين، والمعرض سيشمل بالضرورة عملها الغزّي، أم أن المعرض الأخير لها هناك كان فعلاً الأخير.
هذا يحيلني إلى الفيلم الوثائقي الممتاز للمخرجة الأمريكية لورا بويتراس “كل الجمال وسفك الدماء” (All the Beauty and the Bloodshed) الذي نال في مهرجان فينيسيا السينمائي عام ٢٠٢٢ “الأسد الذهبي”، وصولاً إلى الترشح لجائزة أوسكار أفضل وثائقي. يتمحور الفيلم حول غولدين وعملها الفوتوغرافي ومن خلاله على نشاطها ضد عائلة ساكلر التي تموّل المتاحف الكبرى عبر العالم من جهة، وتتسبب بقتل الآلاف بسبب عقاقيرها التخديرية والإدمانية من جهة ثانية، ونان غولدين ضمن مجتمعها ومحيطها، كانت جزءاً من ضحايا هذا الإدمان، وهو ما أوصلها إلى الالتزام السياسي والاجتماعي والنضال من أجل حقوق الضحايا على أنواعهم، وصولاً اليوم إلى قطاع غزة. في الفيلم تنال غولدين عرضاً من متحف المتروبوليتان في نيويورك لتنظيم معرض لها، تقبل شريطة أن يرفض المتحف منحة تفوق المليون دولار من العائلة. بعد أسابيع يصلها خبر رفض المتحف للمنحة والإقبال على تنظيم معرضها.
نان غولدين، الأمريكية اليهودية، سترفض بالضرورة أي معرض مُقبل لها في برلين ما لم يشمل عملَها قيد الإنجاز عن الحرب الإبادية، وألمانيا التي أطال إعلاميون وسياسيون منها اللسان على الفنانة بعد ليلة الافتتاح، وكذلك مسؤولون من المتحف الذي استضاف معرضها أواخر ٢٠٢٤، لن تقبل، ألمانيا، أي عرض لفيديو “غزة” لغولدين. وستكون مناسبة أخرى ليتذكّر أحدنا التموقع التاريخي لألمانيا في صف الإباديين، أياً كان مرتكبها، وأياً كان ضحيتها.
في ضفة ثالثة
