1
اكتب تعليقُا

أثر الناشطية الزائل في السينما الفلسطينية 

الناشطيّة غير السياسيّة. لا يمكن لأحدنا أن ينظر إلى فيلم فلسطيني، أو فيلم من منقطةٍ الشأنُ السياسي فيها طاغٍ، من دون أن تكون سياسيّةُ الفيلم، أي المقاربة السياسية تجاه الفيلم، وليس في الفيلم بالضرورة، أن تكون حاضرة. أقول ليس في الفيلم بالضرورة لأن فيلماً ما، فلسطينياً أو من منطقة ذات شأن سياسي، تغيب عنه السياسة، يمكن أن يوجَد، لكن هذا الغياب هو شأن سياسي كذلك.

يمكن للسياسية، للشأن العام، للظرف الإنساني الخاص، في بلد مستعمَر، أن تكون مصوَّرة بأشكال مختلفة، صراحةً وموارَبة، لا بأس في ذلك. لكن الحتمي هو أن النظر إلى هذا الفيلم أو ذاك، بمعزل عن مدى بُعد شخصياته وقصته عن السياسيّ، أو قربها، النظر يكون بالضرورة سياسياً في واحد من أوجهه. أقول في واحد من أوجهه لأن النظر الفني والتقني على مستوياته مستوجب الحضورَ بل ويكون سابقاً لغيره.

بكلمتين: إن النظر إلى فيلم فلسطيني هو حتماً نظر سياسي، ولا يغيّبُ ذلك النظرَ الفني.

أما الناشطيّة فمسألة أخرى. إن كان النظر إلى الفيلم بسياسيّة يحتاج حداً أدنى من الحساسية والوعي، فإن الناشطيّة، إن كانت منطلقاً للنظر إلى الأفلام، تتطلب حداً أدنى من الانفعال، أو أعلى من البلادة. إن كانت السياسيّة تجاه الأفلام تبحث عن معنىً ما في هذا العمل أو ذاك، ضمن محاولات جادة وجاهدة في التأمل والدخول في طبقات من التحليل، فإن الناشطيّة تتنطّح متطلّبةً من الفيلم بياناً صارخاً، ومباشَرةً في الموقف، وكلاماً واضحاً يطفو على السطح. هي تبحث في الفيلم عن هتافات بدل الحوارات.

خضعت السينما الفلسطينية لظرف خاص في الأعوام الأخيرة، بمعايير حكمٍ سياسية طغت على الفنية، وهذه السياسيّة إن تطرّفت وتسطّحت صارت ناشطيّة. أخيراً تحديداً، لشدّة الظرف الإنساني وطغيان المشهد السياسي في حرب إباديّة لم يشهدها الفلسطينيون من قبل، وبالتالي لم تخضع سينماهم لهذا النوع من النظر من قبل، النظر الناشطيّ. لشدة هذا الظرف، دخلت الناشطيّة في الكلام السينمائي وطغت على كثير من السياسيّة، وكادت تمحو الكلام السينمائي. صار الناشطون السياسيون أصحاب قول ذي وطأة ثقيلة وسميكة على هذه السينما. مسألة فيلم “لا أرض أخرى” مثلٌ أوّل لحالة كهذه، وغيره من أفلام وثائقية وروائية يتلقاها الناس بوصفها ممارسة ناشطيّة سينمائية، بوصفها فعلاً كفاحياً اندفاعياً كان أن اتخذ شكل الفيلم. هنا صار لأصحاب الصوت الصارخ، التكتّلي، الجاهل في جانبَي النظر إلى الفيلم، السياسيّ والسينمائيّ، صار لهم ضجيج جعل من الرأي العام حيال الفيلم متأثراً به، مجروراً به أو محاولاً تفاديه.

نرى ذلك في هتافات حماسية بعد عرض فيلم “غزة مونامور” مع أعلام لفلسطين وشارات النصر، لأن الفيلم العادي فنياً والرّخو سياسياً، حُمل على الأكتاف وصار هتافاً في مظاهرة. وليس الفيلم مهما كان مستواه، مستفيداً من ذلك إلا بقدر ما تفيد الهتافاتُ صاحبَها لحظتها. من بعد الأمسية سيهدأ الجميع وتخفت الأصوات ويبقى عنصران ارتكازيان في النظر إلى الفيلم الفلسطيني وتقييمه، سينمائيّته وسياسيّته، لا الناشطيّة في النظر إليه.

مثلٌ آخر أشد سطوعاً في ذلك هو “مع حسين في غزة”، فيلم فارغ تماماً، ومتدهور في مستواه الفني بالمقارنة مع “غزة مونامور”، لكنه فيلم ناشطيٌّ بالمعنى النموذجي للكلمة، فيلم يستجيب لما يبحث عنه ناشطون لا يشاهدون أفلاماً إلا لكونها فلسطينية. فيلم وضعَ “غزة” في عنوانه، وملأ مضمونه بالكراكيب. كان، أخيراً، لضرورة انتهازية، أن حمل الفيلمان اسم غزة في عنوانيهما، فيكون جذب أنظارَ الناشطين فعلاً فعّالاً.

لا ينحصر ذلك في الفيلمين، بل يمتد إلى غيرهما فلسطينياً، لكن يجمع بينهما فكرة انفعالية في إدراج “غزة” في العنوان. فكرة متوسطة الذكاء وعالية النبرة التسويقية في أوساط الناشطيّة، بخلاف الحساسية السينمائية والإنسانية والسياسية لفيلم “ما بعد” في تناول موضوع غزّي، أو عنوان مثل “صوت هند رجب” الذي حمل غزّة في متنه، بإحكام سينمائي، من دون الاستثمار به في العنوان. يمكن لأمثلة عديدة من السنوات الأخيرة أن تحضر في هذا السياق، ولا أريد أن يحمل “غزة مونامور” و”مع حسين في غزة” عبء الناشطيّة كلّه، مع انحياز لي تجاه الأول الذي يمتاز عن الأخير بمحاولات لسرد أمين تجاه واقعه وتجاه جمهوره بصوت أبناء غزة أنفسهم. يبقى الفيلمان، من إنتاجات العام الماضي فقط، مثال واضح على طغيان الناشطيّة في النظر إلى السينما الفلسطينية وتقييمها.

لا تنحصر هذه الناشطيّة في طبيعة النظر إلى الفيلم الفلسطيني، بل تمتد إلى الكتابة البحثية عن السينما، ما يجعلها أكثر استدامة من اعتصامات صاخبة إثر عرض هذا الفيلم أو ذاك، مع أعلام لفلسطين وهتافات بالروح بالدم، قبل أن تتفرّق خلال دقائق لضرورة إفراغ الصالة.

قرأتُ أخيراً كتاباً صدر هذا العام، متكلّفاً بدءاً من عنوانه، ما يمكن ترجمته إلى “تعميم فلسطين: الناشطيّة السينمائية وسياسات التضامن في الولايات المتحدة” (Mainstreaming Palestine: Cinematic Activism and Solidarity Politics in the United States) لمؤلفته أميّة كابل ومن منشورات جامعة منيسوتا. وإن كان الكتاب مفيداً في معلومات تخص العمل الناشطيّ لأجل فلسطين، التضامني سينمائياً، في الولايات المتحدة، إلا أن المقاربة التلقينية والنبرة الهتافية في نقل المعلومة والتحليل والاستنتاج، وطُموح الكتاب كما يبدو، حتى لقارئ فلسطيني كنتُه ومهتمّ أصلاً في مواضيع كهذه، طموحُه ليكون فعلاً ناشطياً، ليكون لافتة في تظاهرة، طغى على إمكانية كونه بحثاً موسَّعاً في موضوعه.

هُمِّش مضمون النصّ لصالح شكله، هُمّشت الفكرة لصالح النبرة، لصالح مقولة أصرّت الكاتبة على تكرارها الخطابيّ في إثبات حقٍّ فلسطيني. الكتاب كالفيلم أعلاه مليء بالكراكيب. أقول ذلك وللكتاب احتمال نفورٍ أكبر لقارئ غربي، هو الصف الأول من القرّاء لكتاب كهذا يهتم بشرح البديهيات، قارئ لن يجد في الكتاب جدّية البحث ومصداقية التحليل أمام غبار التوتّر الناشطيّ.

الناشطيّة، هتافاً أو مقالة أو فيلماً أو كتاباً، عبء لا على السينما الفلسطينية وحسب، بل على السياسيّة الضرورية، التأملية، في النظر إلى هذه السينما، ومن بعدها على النظر تقنياً وفنياً إلى الفيلم الفلسطيني. ذلك تماماً كما يكون الصراخ عبئاً على النقاش. تبقى الناشطيّة، حصراً إن أتت من سذاجة لا انتهازية، أفضل من اللامبالاة. يبقى الكتاب هذا وواحد من الفيلمين أعلاه، إضافة جيدة إلى عموم النقاش السينمائي والنقدي الفلسطيني، إذ يبقى الصراخ، رغم ارتداداته، أفضل من الفراغ، وأحياناً يكون الصراخ حاجة.

يبقى ما تحتاجه هذه السينما هو النظر/الكلام الواعي لذاته، وغير الاستثماري ولا الانفعالي، فهو الأجدى في مقاربة السينما الفلسطينية، وهو كلام يكون سياسياً وفنياً بالدرجة الأولى، لا ناشطيّاً يسيء إلى الفيلم فنياً بقدر ما يسيء إلى قضيته سياسياً.

في ضفة ثالثة.

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.