1
اكتب تعليقُا

نسائية السينما الفلسطينية ونسويتها

خلال مسيرة السينما الروائية الفلسطينية، لا يمكن للمتابع إلّا أن يلاحظ حضوراً خاصاً للنساء المخرجات، ومن خلالهن للشخصيات النسائية في تلك الأفلام، وذلك في كمّّ الأفلام ونوعها. فالسينما الفلسطينية نسائية تبعاً لغلبة النساء في الصناعة السينمائية، وهي كذلك نسوية، تبعاً للمقاربة السياسية والاجتماعية التي تتخذها المخرجات، إلى جانب مخرجين رجال، تجاه القضية الفلسطينية وتفرعاتها وأبعادها، من خلال الشخصية النسائية في الفيلم. تتناول هذه المقالة موضوع النسائيةَ من خلال المخرجات في صناعة الفيلم الفلسطيني، والنسوية من خلال الشخصيات في مضمون هذا الفيلم، في عرض تحليلي وتفصيلي لهذه الأفلام حتى نهاية سنة 2025.

لا نبالغ إذا قلنا إن السينما الفلسطينية، ببساطة وبصورة عامة، هي نسائية في صناعتها، ونسوية في مضامينها. ولعل قراءة سريعة لمجمل سيرة الفلسطينيين السينمائية تؤكد ذلك بوضوح، كما أنها ضمن المسيرة السينمائية ككل تُعتبر الأكثر جودة، والأفضل تميّزأ.

بدأت السينما الروائية الفلسطينية رجالية، لا ذكورية، فالشخصيات النسائية كانت سالبة غير فاعلة، لكنها لم تكن بالضرورة سلبية، وذلك في أفلام رشيد مشهراوي وإيليا سليمان وعلي نصّار في التسعينيات. وسبق هذه الأفلام فيلم نسوي في مضمونه، هو “عرس الجليل” لميشيل خليفي، وهو بين أفضل أفلام السينما الفلسطينية في تاريخها، ذلك بأن مخرجه امتلك إحساساً بالعنصر النسائي برز في الشخصيات التي مثلت أول أفلامه، إذ كانت فاعلة كغيرها من الشخصيات الرجالية.

وبدءاً من مطلع القرن الحالي، حضرت النساء في السينما الفلسطينية بقوة، بعد أن كانت تلك السينما رجالية في إخراجها، وواقعية في تصوير تقليدي للنساء كشخصيات سالبة، تتأثر ولا تؤثر. وبالتراكم خلال ربع قرن من هذه المسيرة، فإن عموم الإنتاج السينمائي الفلسطيني أصبح نسائياً بالدرجة الأولى، إذ تصدّرت المشهد السينمائي مخرجات نساء، أبرزهن مها حاج، وآن ماري جاسر، ونجوى نجار. ويمكن القول إن سنة 2008 كانت سنة البداية النسائية والنسوية المندفعة في مسيرة السينما الفلسطينية، بفيلمَين احتلّت المرأة بطولتهما الكاملة.

فقد ظهر فيلم “ملح هذا البحر” لآن ماري جاسر أولاً (2008)، وكان أول فيلم روائي طويل تكون بطلته وشخصيته الرئيسية امرأة فلسطينية تقود سردية الفيلم، وتلحقها الكاميرا، بينما الرجال شخصيات ثانوية تدور حولها. وتتمحور قصة الفيلم حول فتاة فلسطينية تحاول استرداد حقّ الجدّ من مصرف يعود إلى أيام الاستعمار البريطاني، في مطالبة رمزية لعموم الحقّ الفلسطيني السابق لكارثة النكبة.

وفي سنة 2008 أيضاً، ظهر فيلم “المرّ والرمان” لنجوى نجار، وهو بين الأفلام الأكثر حساسية تجاه الحالة النسائية في الواقع الفلسطيني، فهو يعرض حاجات النساء ومواقعهن في المجتمع، لا كخلفيات لرجال أبطال هم مقاومون أو معتقلون، بل تضعهن المخرجة في الطليعة، بهمومهن ورغباتهن التي يرفضن إبقاءها مكبوتة لإرضاء المجتمع / الشعب. وقد لاقى الفيلم هجوماً ذكورياً مع عرضه، لأنه يتناول قصة امرأة اعتقل الاحتلال زوجها ودخلت في علاقة عاطفية وبريئة مع مدرّبها في الرقص. ويُعدّ هذا الفيلم الأكثر جرأة اجتماعياً في مسيرة الفلسطينيين السينمائية.

هذه العلاقات، وبالتالي مواقع النساء في المجتمع، هي أمور لا يمكن أن يسلّط الضوء عليها إلّا مخرجة امرأة، لا تلتفت إلى الحالات التقييدية التي يفرضها المجتمع والظرف السياسي فحسب، بل تجعل هذه العلاقات موضوعاً رئيسيا للفيلم. وهنا أيضاً، يكون الرجال شخصيات ثانوية تحوم حول شخصية رئيسية هي المرأة.

فيلم ثالث لامرأة، هو فيلم “أميركا” لشيرين دعيبس (2009)، ويحكي قصة امرأة تعاني هموماً في المجتمع الفلسطيني، لكنها اختارت ألّا تواجه مثلما هي حال المرأتين في الفيلمين السابقين، بل الهرب والهجرة كي تبدأ حياة جديدة لها ولابنها. وفي أميركا تبرز تحديات تتخطى الحالة الفلسطينية، فهي مهاجرة عربية في بلد يعيش موجة هائجة من العنصرية عامة، عقب هجمات أيلول / سبتمبر في نيويورك، وتجاه الفلسطينيين خاصة.

الفيلمان الأوّلان يتفوّقان على الفيلم الثالث من ناحية الجودة والصنعة السينمائية، لكن هذه الأفلام الثلاثة تشكّل استهلالاً للسينما الروائية الفلسطينية، من حيث تقديم امرأة كشخصية رئيسية في الأفلام، تحمل هموماً نسائية تفكك الانطباع التلقائي تجاه المرأة في مجتمع يهمشها، فهي ليست أخت الشهيد أو زوجة الأسير، وإنما هي صاحبة نسخة خاصة بها، وشخصيتها لا تنبع من ارتباطها بوضع اجتماعي يحمل لها الاحترام أو ربما عكسه.

وهذه السردية النسوية لم تكن لتكون لولا وجود نساء امتهنّ صنع الأفلام. وما أقصده هنا ليس إبراز شخصية نسائية أمام الكاميرا فحسب، بل التفهّم والإحساس بهذه الشخصية وخصوصيتها ضمن مجتمعها، وهذا لن يكون لولا وجود امرأة تقف خلف الكاميرا.

في سنة 2011، ظهر فيلم بسيط هو “حبيبي راسك خربان” لسوزان يوسف، ويحكي قصة حب عذرية بين شاب وفتاة في غزة يواجهان رفض المجتمع لعلاقتهما. وتلا هذا الفيلم فيلم شديد الأهمية، وإن لم يكن نسوياً، هو “لمّا شفتك” (2012)، وهو ثاني أفلام آن ماري جاسر، وتدور قصته حول طفل يتنقل بين مخيم للاجئين الفلسطينيين ومعسكر الفدائيين في الأردن، في إثر اللجوء الفلسطيني الثاني بعد هزيمة 1967. والمرأة في هذا الفيلم هي أم الطفل، وهي والشخصية الرجالية فيه، يتبعان الطفل في مساره. إذاً، البطولة لطفل، والفيلم بأكمله يحمل وجهة نظر طفولية برعاية أمومية. وفي السنة ذاتها (2011)، ظهر فيلم “ميراث” لهيام عباس، ومع أنه لم يحمل حسّاً نسوياً بارزاً، لأنه فيلم عائلي، إلّا إن النساء فيه لسن هامشيات، وإنما موازيات للشخصيات الأُخرى. وفي سنة 2013 كان فيلم “مي في الصيف” لشيرين دعيبس، وهو لا يختلف عن سابقه كثيراً، وإن كانت الشخصيات الرئيسية فيه نسائية، فقصته تتمحور حول شقيقتين تعيشان في أميركا، وتزوران أقاربهما في عمّان حيث تواجهان تناقضات اجتماعية وعائلية.

في العقد الثاني من القرن الحالي، ساهمت أفلام السينما الفلسطينية بقوة في تكريس لانسوية السينما الفلسطينية، وإنما نسائيتها. فقد غاب عنها الوعي الفعلي بشخصية تكون نسوية في مسارها ضمن الفيلم، لكنها تظل صناعة نسائية ساهمت في توسعة المسار لأفلام جديدة، وفسح المجال لبروز مخرجات فلسطينيات جديدات.

وحدثت الانعطافة في السينما الفلسطينية في العشرية الثانية من هذا العقد، من خلال فيلم “عيون الحرامية” لنجوى نجار (2014) الذي يحكي قصة رجل قنّاص اعتُقل وخرج ليواجه انتكاسات اجتماعية أعقبت الانتفاضة الثانية، وإلى جانبه امرأة مطلقة، مع ابنتها، تحاول تخطي عقبات، بل إساءات اجتماعية بصفتها امرأة عزباء مع طفلة، فتتعرض للتحرش والابتزاز، لكنها تتخطى هذه الإساءات بإقامة علاقة حب مع الأسير السابق، وهي علاقة تتكشف بخجل وحذر. وهنا تدخل شخصيات نجوى نجار في محرمات اجتماعية، مع مراعاة الحاجات النسائية في المجتمع، وتنقلها بوعي وحساسية إلى السينما. وليس بعيداً عن هذا الفيلم، هناك فيلم “فيلا توما” لسهى عرّاف (2014) الذي تشكّل النساء معظم شخصياته، ويحكي قصة عائلة مكوّنة من 3 أخوات، تنتقل إلى العيش معهن ابنة أخيهن، آتية من دير، وهذه الفتاة ستقلب الحياة المحافِظة والمسيحية المتدينة للعائلة رأساً على عقب، وتحررها من خلال علاقة حب مع شاب مسلم وابن مخيم سيصير شهيداً. ويُظهر هذا الفيلم تمرداً على الحالة المجتمعية المحافِظة. أمّا الفيلم التالي وهو “3000 ليلة” لمي مصري (2015)، فمع أنه كسابقيه نسائي، إلّا إنه الأكثر نسائية. فقصته تدور في سجن نسائي إسرائيلي، وحتى إن كان الرجل حاضراً في فيلم عرّاف من خلال الشاب الحبيب، إلّا إن الشخصيات الرجالية في فيلم مي مصري تكاد تختفي بسبب طبيعة الفيلم المنغلق على قصته في سجن منغلق على سجيناته وسجّاناته، بل إن إحدى المعتقلات تنجب ابنها وتربيه في ظروف الاعتقال وما يجلبه من تحديات ومآسٍ.

مع النصف الثاني من هذا العقد، يستمر، بل يتكرس الحضور النسائي خلف كاميرا السينما الفلسطينية، كما أمامها أيضاً، ويبرز فيلم “برّ بحر” لميسلون حمود (2016) مثال لذلك. ففي هذا الفيلم جانبان: الإيجابي وهو إدخال شخصيات نسائية مثليّة في السينما الفلسطينية، مع حضور غالب للشخصيات النسائية، وجرأة في نقل حالة اغتصاب ضمن مجتمع محافظ، بينما السلبي هو تطبيع جميع الشخصيات مع المجتمع الإسرائيلي، بمعنى أن الجانب الطاغي على النساء في الفيلم هو الهوياتي ضمن مجتمعهن، والهوياتي هنا بالمعنى القومي والجندري. أمّا النقص في الفيلم، فعدم وجود التماهي الضروري بين المعنيين: الجندري والوطني.

مع فيلم “أمور شخصية” لمها حاج (2016)، انتقلت السينما النسائية الفلسطينية نقلة نوعية، ذلك بأن هذا الفيلم ليس نسوياً، بل اجتماعي، مع الأخذ في الاعتبار الدور النسائي في فيلم يتناول قصصاً عائلية وفردية. يصوّر الفيلم عائلة كبر أبناؤها وغادروا، اثنان إلى رام الله، وثالث إلى السويد، ليبقى الوالدان في حياتهما المملة والممتعة والمضحكة والمتأملة، فيعرض قصة هذه العائلة وتشابكاتها، وغياب التواصل بين الوالدين، ودعوة ابنهما في السويد إلى العودة كي يصالحهما.

والنقلة التي وقّعتها مها حاج سينمائية بامتياز، وهي الجانب النسائي لا النسوي في السينما، بمعنى أنه بات في وسعنا القول إن أفضل ما في السينما الفلسطينية هي الأفلام التي تُخرجها نساء، وأولهن مها حاج، مع امتياز كذلك لكل من آن ماري جاسر ونجوى نجار، وهذا طبعاً مع استثناء دائم لأفلام إيليا سليمان.

فيلم “أمور شخصية” لحاج ليس بعيداً عن فيلم “واجب” (2017) ثالث أفلام آن ماري جاسر، والذي هو أيضاً فيلم اجتماعي، لا ضرورة نسوية فيه، لكنه عتبة جديدة في نسائية السينما الفلسطينية. يصور فيلم جاسر عائلة في الناصرة تتحضر لعرس الابنة، ونرى الأب والابن يوزعان بطاقات دعوة العرس، ونسمع الأحاديث والخلافات التي تنشب بينهما، والتي تعكس صراع الأجيال، ودرجات من الوعي الفلسطيني.

في آخر هذا العقد، ظهر فيلم “بين الجنة والأرض” (2019)، ثالث أفلام نجوى نجار. ومثلما هي حال الأفلام النسائية على طول هذا العقد تقريباً، فإن هذا الفيلم ابتعد عن النسوية، متجهاً إلى قصة تجمع بين السياسي والاجتماعي، من دون أن تحضر النساء بشكل أكثر وعياً ممّا كان في السينما الرجالية حتى ذلك الوقت. فالمرأة فيه، كما في أفلام حاج وجاسر، تحضر كشخصية رئيسية إلى جانب شخصية رئيسية أُخرى لرجل، من دون أن تنفرد بمحورية القصة، لكنها ضمن السرد، تحضر ليس بصفتها تابعة للرجل، بل مجانبة له، تسعى للطلاق وتصرّ عليه، وهذا بحد ذاته تحدٍّ اجتماعي. فالمرأة هنا، كما في الأفلام الاجتماعية غير النسوية، تبقى قوية وتقود السرد في الفيلم، ولا تلحق سرد الرجل. وأغلبية هذه الأفلام النسائية، وكذلك الأفلام التي ليست نسوية بشكل صريح، فهي حتى إن لم تتمحور قصصها حول امرأة هي الشخصيةَ الرئيسية بشكل مباشر، هي أفلام اجتماعية سياسية تعكس وجهة النظر النسائية الخاصة بصانعة الفيلم.

بحلول سنة 2020، نرى أن النساء أدخلت في السينما الفلسطينية اكتشافات جديدة على أكثر من صعيد. فأول فيلم في تاريخ السينما الفلسطينية تناول النكبة كان لامرأة، وأول فيلم ارتكز على شخصية مقاوِمة كان لامرأة، وغيرهما ممّا سأتطرق إليه تالياً. وأكثر من ذلك، سنجد أن ثمة أفلاماً، وبنسب متفاوتة، مثّلت الشخصيات الرئيسية فيها نضالاً نسوياً متماهياً مع نضالها الوطني، وذلك بعد انسحاب الحالة الاجتماعية على الفرد، وخصوصاًعلى المرأة في وضعها الاجتماعي، بعيداً نوعاً ما عن السياسي.

فيلم” فرحة” لدارين سلّام (2021)، افتتح مجالاً جديداً في هذه السينما، بصفته أول فيلم كان موضوعه الرئيسي تاريخياً فلسطينياً، من المشهد الأول حتى الأخير. وهذا الفيلم نسائي ونسوي، يدمج بين النسوية، الفتاة التي تسعى للتعلم والتي يحبسها أبوها في مخزن لحمايتها من العصابات الصهيونية، وبين النضال الوطني عندما خلعت باب المخزن بمسدس وخرجت حاملة سكيناً لتدافع به عن نفسها. وقد شكّل هذا الفيلم مستوى جديداً من النسوية، يدمج الكفاحية في الإطار التاريخي.

يلي هذا الفيلم واحد من أفضل الأفلام خلال مسيرة السينما الفلسطينية، نساء ورجالاً، وهذا الفيلم هو “حمّى البحر المتوسط”، وهو الفيلم الثاني لمها حاج (2022)، ويُعتبر نقلة نوعية لا في السينما النسائية الفلسطينية، بل في السينما الفلسطينية عامة. وليس صعباً قول ذلك، أخذاً في الاعتبار أن أفضل الأفلام الفلسطينية، وبقدر كبير، هو لمخرجات نساء. فقد تناول هذا الفيلم، وبذكاء خاص، جوانب نسائية لا نسوية في شخصياته الرجالية التي تتكون من شخصيتين رئيسيتين لرجلين تجمع الصداقة بينهما، ويشتركان في الهشاشة الإنسانية، وفي الحالات النفسية القلقة، وهو ما نراه في الحوارات التي تحتاج إلى حساسية ورهافة نسائيتين لكتابتها وتصويرها، ولالتقاطها وكشفها، وذلك من دون أن نغفل تفصيلات هنا وهناك تشي بوضع المرأة الأقدر على إسناد هشاشة زوجها العاطل عن العمل، والذي يعيش على دخل زوجته التي تحمل الأسرة على كتفيها.

وكثرت في النصف الأول من هذا العقد الأفلام النسائية، ومعظمها كان اكتشافاً لمساحات جديدة، كفيلم “الأستاذ” لفرح نابلسي (2023) الذي تناول لأول مرة في تاريخ السينما الفلسطينية، شخصية رجل مقاوِم في خضم الفعل المقاوم، يعمل أستاذاً، ويشارك في إخفاء إسرائيلي خطفته المقاومة في الضفة الغربية. وهذا الفيلم المبني على التشويق، هو شديد الوضوح في خطه السياسي، يدمج الوطني بالإنساني. وهنا أيضاً، فإن هذا الفيلم يُعتبر فتحاً لمجال يمكن أن يتوسع بمزيد من الأفلام لاحقاً، وهذا المجال هو الشخصية المقاومة بصفتها رئيسية وفي ممارسة راهنة للفعل المقاوم.

تلا ذلك فيلم اجتماعي كلياً، هو “شكراً لأنك تحلم معنا” لليلى عباس (2024)، ويحكي عن أختين في رام الله تسعيان للحصول على ما تركه أبيهما الميت في المصرف قبل أن يعود الأخ الغائب ويستولي على الإرث كله. وهذا الفيلم نسوي في قصته لا في مقاربته، والأمر الجيد فيه أنه أضاء على أحوال النساء في قوانين رجعية تتعلق بالإرث وحقوق النساء المغبونة. الفيلم اجتماعي فقط، يكاد الاحتلال يغيب عنه تماماً.

نصل الآن إلى 3 أفلام جعلت سنة 2025 السنة الأكثر حيوية في تاريخ السينما الفلسطينية، فهي أفلام ممتازة واستكشافية ونسائية، ظهرت في سنة واحدة، بل في النصف الثاني منها، وشكّلت معاً ظاهرة حملت السينما الفلسطينية إلى آفاق جديدة. أول هذه الأفلام وأكثرها تفاعلاً عالمياً هو “صوت هند رجب” للتونسية كوثر بن هنية (2025)، الذي هو فيلم فلسطيني بامتياز؛ والمعيار لديّ حيال تعريف السينما بالفلسطينية، هو أن يكون موضوعها وشخصياتها فلسطينية، ولا تخدم السردية الصهيونية. وهذا الفيلم الذي يصوّر بواقعية شديدة، وحساسية عظيمة، الساعات الأخيرة من حياة الطفلة هند رجب، ومكالماتها مع الهلال الأحمر الفلسطيني، وصل إلى ترشيحات وجوائز لم يصلها فيلم فلسطيني من قبل. والأهم أنه شكّل حالة خاصة، لراهنيته، لأنه تناول موضوعاً تفصيلياً من الحرب الإبادية، إذ بينما كان الفيلم يدور في الصالة، كانت آلة الإبادة العسكرية والسياسية تدور في قطاع غزة، الأمر الذي جعله شهادة حية وحامية بسخونة الدم خارجه، من خلال صناعة سينمائية، تقنية تحديداً، وامتيازية على مستوى عالمي، لا فلسطيني أو عربي فقط.

ولا يمكننا القول إن هذا الفيلم يتضمن حديثاً عن نسوية ما، لأنه يصوّر تبعات فعل إبادي، لكن يمكن الإشارة إلى الأدوار النسائية فيه: فالمسؤولة الأولى في الهلال الأحمر كانت امرأة، والمتحدثة الرئيسية مع هند رجب كانت امرأة، في الوقت الذي كانت الشخصيتين الرجاليتين من الهلال الأحمر تعانيان الارتباك والتلعثم والعجز عن التصرف، مع كثير من الصراخ، بينما عاطفة الامرأتين النسائية مثلما ظهر في حديثهما مع الطفلة، هي فاعلة ومسيطرة على الرغم من البكاء.

في الفترة ذاتها، ظهرت العروض الأولى لفيلم “اللي باقي منك” (2025)، ثالث أفلام شيرين دعيبس، وهو يُعتبر بين الأفضل خلال مسيرة السينما الفلسطينية، لكنه الأول بصفته فيلماً ملحمياً ممتداً زمانياً. فقد شكّل هذا الفيلم خطوة واسعة جداً وبعيدة عن فيلمَي دعيبس السابقين، لأنه استثنائي في حواراته، وفي قصته الإنسانية، وجذري في مقاربته الإنسانية التي برزت في تصوير عائلة من ثلاثة أجيال تمتد من سنة النكبة إلى حرب الإبادة. فخلال تظاهرة يَقتل جندي إسرائيلي ابن هذه العائلة، ويتم التبرُّع بأعضائه في المستشفى، وطبعاً كان من المستفيدين إسرائيليون. وكان القلب من حصة إسرائيلي لمّح إلى استحواذه على الأرض متعللاً بأن القلب الفلسطيني يرقد الآن في جسد إسرائيلي. وهنا يقدّم الفيلم الإنسانوية الموجودة في كثير من الأفلام الفلسطينية، فيفككها وينفيها، فتكون الإنسانية جذرية في السياق الفلسطيني، بينما الجسد والعقل الاستعماريان لا يتغيران، حتى إن كان قلب مستعمَر في جسد مستعمِر، وكان سبباً حتمياً في إبقائه حياً. في الفيلم تروي امرأة، الأم، الأحداث من أولها إلى آخرها، كأنها ذاكرتها، وهكذا نرى القصة بعينَي امرأة ولسانها. هذا الفيلم حالة قصوى من الحوارات المتقنة، بل هو ملحمة نستطيع وضعها إلى جانب “باب الشمس” ليسري نصر الله، و”الزمن الباقي” لإيليا سليمان.

آخر الأفلام: “فلسطين 36” (2025)، وهو رابع أفلام آن ماري جاسر. وهذا الفيلم استكشافي لأنه أول فيلم يذهب بعيداً في التاريخ، إلى ثورة وإضراب 1936. ومع أنه ثاني فيلم تاريخي من بعد “فرحة”، إلّا إنه يبقى الأول الذي يصور حدثاً تاريخياً، لا قصة فردية، وبالتالي فإننا أمام حدث محوري في تشكيل الهوية النضالية المعاصرة للشعب الفلسطيني. ينقل الفيلم، من دون قصص لشخصيات بارزة، عيّنات من المجتمع الفلسطيني، من خلال شاب وغيره من الشخصيات التي تصوّر جميعاً تقلبات المجتمع آنذاك وتناقضاته، فاضحة الدور البريطاني في المأساة الفلسطينية الممتدة حتى اليوم. وفي الفيلم أدوار نسائية تقدّمية، كالصحافية التي تتمسك بمبادئها الوطنية، وتنفصل عن زوجها المتعامل مع الصهيونية، غير أن الأدوار، كغيرها من الأفلام هنا، تدور ضمن حلقة اجتماعية لم تكن النساء فيها مهمّشات وسالبات، إذ نرى تظاهرة نسائية احتجاجاً على السياسية البريطانية الداعمة للخطط الصهيونية.

ثمة ظروف موضوعية وذاتية جعلت السينما الفلسطينية نسائية بالدرجة الأولى، فمع أن موقع النساء المتقدم هنا لا يختلف عنه في التاريخ النضالي للشعب الفلسطيني، إلّا إنه بسبب طبيعة العمل السينمائي وتراكم هذه النسائية واندفاعيتها، فإن النسائية كانت في حالة تقدم دائم، لكن مع مرور الوقت زادت الأفلام كمّاً مترافقة بتحسنٍّ نوعي. ومثلما رأينا، فقد برزت بشكل ملحوظ في العقد الأخير، بل في الأعوام الأخيرة، أعمال مع مغامرات استكشافية سينمائية كانت فيها النساء أقدر من الرجال في الصناعة السينمائية الفلسطينية، وأكثر إقداماً على الخوض فيها. ولهذا، فإن الجرأة والاستكشاف، أي أن صفة “أول فيلم…”، تميّزت بها مخرجات نساء، لا رجال من فلسطين.

وهذا الأمر ليس حكماً على أي طرف، بل هو توصيف موضوعي لهذه السينما ومسيرتها. والنسوية لا تأتي بعيداً عن النسائية في هذه المسيرة، فصورة المرأة في الفيلم الفلسطيني الذي تُخرجه امرأة هي، أي الصورة، أشد تقدّماً وإقداماً منها في الفيلم الذي يصنعه رجل، وليس في هذا غرابة، لأن المرأة أشد حساسية من الرجل تجاه مواقع النساء في السينما، وتجاه صدقية انعكاسها لواقع النساء النضالي في التاريخ والراهن الفلسطينيين، ولهذا فإن كلاً من هذه الأفلام يعرض وجهة نظر صانعته تجاه الأفراد والمجتمع، ويشكّل تحدياً مزدوجاً للذكورية والرجعية من ناحية، والاستعمار الاستيطاني من ناحية أُخرى. غير أن بعض هذه الأفلام أخفق في ذلك أو في درجة تبيانه، وبعضها تواضعَ فنياً، لكنها كلها تجتمع في وجهة النظر النسائية، ومعظمها امتدّ في وجهة النظر إلى النسوية، ومنها ما هو على لائحة أفضل الأفلام الفلسطينية على الإطلاق.

بتعميم خفيف، نستطيع أن نقول إن السينما الفلسطينية، بقدر ما هي سياسية، هي أيضاً، كمّاً ونوعاً، نسوية، كما أنها، في صناعتها ووجهات النظر فيها، نسائية، وهذا يُعدّ من الميزات القليلة والعزيزة لسيرة الفلسطينيين السينمائية.

في العدد 147 (صيف 2026) من “مجلة الدراسات الفلسطينية”.

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب مقالات في النقد السينمائي والثقافي. له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.