1
اكتب تعليقُا

“دائرة الطباشير القوقازية”… بريشت مستحضرا درويش

لمحمود درويش نص نثري بعنوان “دائرة الطباشير الفلسطينية”، وبآخر فرعي هو “يوميات مواطن بلا وطن”. أقرب ليكون نصاً مسرحياً من مَشاهد قصيرة جداً، ليوميات فلسطيني في الداخل، لا هو مواطن ولا حتى مقيم بالنسبة لدولة الاحتلال، يحتاج تصريحاً لا للذهاب من حيفا إلى القدس وحسب، بل لزيارة أمه في العيد، في قريته المجاورة.

استوحي درويش عنوان نصّه المنشور في مجلة “الهدف” عام ١٩٧٠، من مسرحية الألماني برتولت بريشت الشهيرة، “دائرة الطباشير القوقازية”، أما في مضمونه فقد بنى درويش على البعد الإنساني الحميمي للمسرحية المواجه للشروط السلطوية. كأن يكتب بعدما سمع غزلاً إسرائيلياً يهدي فيه الحبيب دبابة إلى حبيبته، “ما أبعد الفرق بين الخيال السابح في الصحراء وبين الخيال المصنوع من التكنولوجيا والنصر.”

كدت أنسى وجود النص الدرويشي لو لم يستحضره عرضٌ لمسرحية بريشت، للمخرج المسرحي الفرنسي إيمانويل ديمارسي-موتا الذي قدّم أخيراً المسرحية في عرض كلاسيكي، ابن زمانه وغير معصرَن، في “مسرح المدينة” في العاصمة الفرنسية. تَقابلُ النص الدرويشي مع المسرحية البريشتية كان في أكثر من ناحية، إحداها كانت جوهرية في فهم كليهما، وفي الانطلاق إلى الحديث عن المسرحية ذاتها، وفي تفكيكٍ سالمٍ أخلاقياً لمقاربة حالنا اليوم، فلسطينياً وعربياً. فدرويش الذي أرخى يديه عن بلاده، في نصه الذي يضطر فيه، بوصفه شخصيةً، مجاراة بذاءة عنصرية تجاهه، من طرف سّجانة وجار وسائق تاكسي ومؤجّرة بيتٍ وآخرين، كان، درويش الشخصية، أقرب إلى أم أرْخت يدها عن ذراع طفلها في اختبار بريشت الأخلاقي، كي لا تشدّ الأم الأخرى أكثر فتخلع ذراعاً لا تزال حليبيّة.

لا يقاوم درويش في نصه بل يسخر، ينهيه بـ “سامحوني كي أسامح نفسي”. يسخر فلا يخسر البلاد سجيناً أو منفياً. له موقف الأم لدى بريشت التي لا تشدّ أكثر على ذراع طفلها، التي اختارت، أخلاقياً، سلامتَه البدنيّة أمام ظلمٍ إداري تمثّله الملكة التي كادت تستحوذ على الطفل لولا حكمة القاضي.

أما المسرحية، فقد كتبها بريشت عام ١٩٤٥، في إثر الحرب العالمية الثانية، وفي منفاه بالولايات المتحدة مستعيداً تاريخ الحرب العالمية الأولى في سياق الكوارث المتكشّفة للحرب الثانية. في عالم حداثي وصناعي ثبّتته الحربان، تُعلي المسرحية من صوت الأخلاق، والاكتراث بل الحنان، ذلك المضحّي، بوصفه قوة مقاوِمة، حنان الأم بوصفه أعلى مراتب الاكتراث. فإن لم يكن نصُّ درويش، كما هي المسرحية، تصريحاً مقاوِماً، فإنه تضمينٌ شديد البلاغة للمقاومة. كتب بريشت هنا عن بلاده التي اختار أن يحميها، ويورّثها سالمة قدر الإمكان، إيماناً منه أن الشر، النازية والفاشية في حينه، والصهيونية في نصّ درويش، زائل.

وإن كان العرض الباريسي (Le Cercle de craie caucasien)، في “مسرح المدينة – سارة برنار” كلاسيكياً، من دون إسقاطات واضحة، إلا أنها، الإسقاطات، تستحضر ذاتها بفعل الراهن الذي يعيشه المتفرّج، لا الفلسطيني كما هو حال البعض، وحسب، المزامن لحرب إبادة جماعية تعيشه بلاده، بل الأوروبي والفرنسي في عصر من جنون الحروب والتسليح والتهديد الانتخابي بسلطة للفاشيين، في بلاد بدأت حملاتها الانتخابية الرئاسية المنعقدة العام المقبل والضامنة، بحسب إحصاءات، تفوقاً لليمين المتطرف.

قد تكون الاستعادة الكلاسيكية لهذا العرض إحالةً إلى شدة الإسقاط اليوم، فالمسرحية، كيفما أتى شكلها، لا تنتمي إلى ماضٍ تلاشى بل إلى حاضر مجدّد لأهوال عاشها بريشت في الفترة ما بين الحربين، فترة صعود النازية، وما يمكن أن يرافقها من أشكال مبتكَرة للمقاومة، من أشكالٍ تُقدّم الأخلاقيات على غيرها.

تحكي المسرحية عن ملكة هربت خلال تمرّد شعبي على النظام، تاركة رضيعها، ولي العهد، فالتقطته الخادمة وربّته. ستعود الملكة بعد سنوات وستطالب بحقها في أمومة الطفل. سيفصل القاضي بينهما برسم دائرة بالطبشور على الأرض ممركزاً الطفل فيها، طالباً من كل أمّ أن تشدّ ذراعاً، وتلك التي تفوق في شدّها تسحب الطفل إليها ويبقى معها. تشدّ الملكة التي ولدت الطفل، وتسحب بعدما أرخت الخادمة التي ربّت الطفل يدها على ذراعه الطرية خوفاً من إيذائه بخلعها. لهذا الكرم الأخلاقي للخادمة، والإيثار الأمومي، سيحكم القاضي لصالحها، إذ كان الاختبار لغاية كشف الأم الحقيقية مشاعرياً، صاحبة الإيثار، مقدّمةً سلامة الطفل على رغبتها في التملّك. هو ما كتب عنه رولان بارت الذي شاهد المسرحية بإخراج بريشت نفسه، عام ١٩٥٥، بأن الفكر هنا يمر عبر الموقف وعبر الفعل الذي أصبح مرئياً على الخشبة.

في منتصف الخمسينيات، حضر بريشت وفرقته “برلينر أنسامبل” إلى باريس في صيفين متتاليين، لعرض مسرحيّتي “الأم الشجاعة وأبناؤها” و”دائرة الطباشير القوقازية” ضمن المهرجان الدولي للفن المسرحي بباريس، في ما سيصبح اليوم “مسرح المدينة – سارة برنار”. تركت تلك العروض أثراً لدى الجمهور الباريسي الخارج من حرب مدمّرة، أثراً في هوية المكان ومعنى انتمائه، وأسهمت العروض في تأسيس “مسرح الأمم” بعدها بعامَين، ثم “مسرح المدينة” عام ١٩٦٨. وكانت الزيارتان بحسب قراءات، محطة أساسية في تاريخ المسرح الفرنسي خصوصاً والأوروبي عموماً.

علاقة بريشت بهذا المسرح تأسيسية للأخير، وجوهرية للمسرح الأوروبي المعاصر ما بعد الحرب العالمية الثانية، وللتحدي الذي تخوضه الأخلاقيات في إعادة ترميمها بعدها تركت النازية والفاشية ندباً عميقاً على جسد هذه القارة ومجتمعاتها، وما ترتّب عليها لاحقاً من ظرف إنساني للفلسطينيين سيخرج شاعر منهم يكتب “دائرة الطباشير الفلسطينية”. استطاع بريشت بمسرحيته هذه إعلاء التضامن الإنساني، على شكل حنان أمومي محصَّن من الدحض، مقابل طغيان السلطة والقوة، أو قدرة الملكة على سحب الطفل ورغبتها في الاستحواذ عليه وإن بخلع ذراعه.

المسرحية هذه واحدة من أهم أعمال بريشت بالنسبة إلى رولان بارت، وقد أحال ذلك إلى اتساعها وجمالها وسخائها، وقدرتها على إيقاظ الوعي السياسي لدى المتفرج، مع ضمان متعته الصافية، فالمسرح، كذلك وحسب بارت، صُنع من أجل الإمتاع.

في ضفة ثالثة.

https://diffah.alaraby.co.uk/diffah/revisions/2026/6/26/%D8%AF%D8%A7%D8%A6%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%A8%D8%A7%D8%B4%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%88%D9%82%D8%A7%D8%B2%D9%8A%D8%A9-%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B6%D8%A7%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86%D9%8A

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.