1
اكتب تعليقُا

“قيامة” لبشار الحروب… الكارثة بالقاتم والقاني

تتداخل الأشلاء في العمل الهائل للإسباني بابلو بيكاسو، “غرنيكا” (١٩٣٧)، تتقاطع الصرخات. العمل الذي خلّد قصف النازيين الألمان والفاشيين الإيطاليين للقرية الباسكية الإسبانية، قبل شهر من إنجاز العمل، كانت تملأ الفضاء في الصالة أمامي في متحف الملكة صوفيا بمدريد، في الخامس من تشرين الأول أكتوبر ٢٠٢٣. بعدها بيومين كانت الإبادة.

لم أقُل أمامها، لنفسي، غير ما يمكن أن يخطر لأي فلسطيني، أنها نحن، أننا “غرنيكا” عديدات. وما كان لألوان العمل الثلاثة، الأسود والأبيض والرمادي، سوى أن وضّحت المضمون والشكل، من دون تشويش أو سحر للألوان، نرى الأشلاء في الأشكال ونسمع الصرخات في المضمون.

في عام ١٩٨٣ أنجز الفنان العراقي ضياء العزاوي عمله الملحمي كذلك، “مجزرة صبرا وشاتيلا”، التي استحضر فيها عملَ بيكاسو إلى واحدة من “غرنيكات” الفلسطينيين. هنا كذلك تتداخل الأشلاء، بكثافة، بوحدة لونيّة تغلب عليها الأسود والأبيض كذلك، بإضافات خفيفة لألوان تُبرز، بالتنافر، قتامة السواد على نصاعة البياض في اللوحة. لكنها، الألوان الخفيفة، كان بمعظمها بالأحمر. فإن كان الركام الرمادي يغطي عمل بيكاسو، كانت الدماء الحمراء بدأت تنزّ من الأشلاء في عمل العزاوي الذي باشر في رسمه عشية المجزرة لينهي العمل في العام التالي.

في معرضه الجديد، “قيامة”، لم يكتفِ الفنان الفلسطيني بشار الحروب بعمل واحد يستعيد حالة المجزرة المستمرة لدى الفلسطينيين، بل رسمَ خمسة عشر عملاً ، بأكريليك على قماش واسع يمتد في معظمه إلى طول مترين، وبعضها بثلاثة. أعمال بدت مقاطعَ من جدارية واحدة كبرى، واحدة تتجمّع على وسعها حلقات وحالات من موضوع الأعمال الواحد، أشبه بجدارية إسماعيل شموط “مسيرة شعب” المنجزة عام ١٩٨٠. لا يعرف أحدنا أين في هذا الكوكب يمكن لمساحة أن تسع أعمالَ الحروب مرصوصة إلى بعضها على جدار واحد، وإن لم يكن هذا مقصدها، كما لا يعرف أحدنا أين لمساحة أن تتسع لا لقياسات الأعمال وأشكالها، بل لمضمونها الغزّي الإباديّ، القياميّ.

في عمله المتكامل، شكلاً ومضموناً. المعروض حالياً في غاليري P21 في لندن، بإشراف القيمة الفنية فورتوناتا كالابرو، لا يرسم الفنان مستعيداً أعمال بيكاسو والعزاوي في سياق فلسطيني غزّي، بل يواصل سلسلة لا منتهية من الفنون الإنسانية، التاريخية، حيث يمكن لأحدنا أن يقف أمام “غرنيكا” ويقول إنها ضمن سلسلة واحدة لفنانين كثر، ولدينا حصّتنا منها واسمها “قيامة” أو “مجزرة صبرا وشاتيلا”، وإنها بالتالي تُصوّر، من بين ما تصوّر، الحرب الإبادية الصهيونية على قطاع غزة بعد قرابة ٩٠ عاماً من المجزرة النازية الفاشية. نحن هنا أمام خط واحد أزلي أبدي متخطٍّ للحدود.

في لوحات الحروب الخمس عشرة قساوة في الشكل تتحاور مع قساوة المضمون، ولا يقل عنه، الشكل عن المضمون، وطأةً لدى المتفرّج، المتأمّل. أعمال بالأسود القاتم والأحمر القاني، بخلفية بيضاء بحد الضرورة لتبيان هذا القاتم وذاك القاني، لا ألوان متدرّجة، بل انقطاع، حدّة، فجاجة في التجاور بين الأسود والأحمر. هذه دماء نهاراً وهذا ركام ليلاً، لا أشكال أخرى ولا ألوان، ولا مساومة في الألوان هنا. خطوط متكسّرة ومبعثرة، نقاط والتواءات تملأ الإطارات.

بخلاف “غرنيكا” و”مجزرة صبرا وشاتيلا”، لا أشلاء هنا، ركام لكن لا أشلاء ولا صراخ لأن الإبادة في حالة حلقة مفرغة، لا تنتهي. رسم بيكاسو عمله بعد اكتمال المجزرة وكانت الأشلاء مترامية، رسم العزاوي عمله بعد اكتمال المجزرة وكانت الأجساد متطايرة. كان بشار الحروب يرسم، ولمّا تزل الأجساد على الأرض وموصولة، أنهى الحروب أعماله في عز حرب لم تنتهِ بعدُ أجساد الغزيين فيها، لم تتحوّل كلها إلى أشلاء، بعد. في “قيامة” أشكال شائكة، خشنة، غليظة. ألوان فجّة، في الأعمال تصوير فني للإبادة لا في كونها حلماً بل كابوساً. هي أعمال كابوسيّة، قياميّة، بقدر ما تكونه أحلام المبادين، وأهلهم وأصحابهم وأحبابهم وجيرانهم.

الحرب على الغزيين الفلسطينيين ستردُّ أي تناول فنّي تقليديٍّ لها، وصف ثيودور أدورنو مرّة كتابة الشعر بعد المحرقة في أوشفيتز بالعمل البربري. هو كذلك الفن الفلسطيني من بعد الحرب الإبادية إن كان بالشكل والمضمون السابقين للحرب، الآمنين. هي البربرية إن لم تحمل الإبادة معايير غير تقليدية للفنانين في تناولها، إذ لا تكون الجماليات الآمنة المسلَّم بها أساسَ العمل، بل جماليات كابوسية، معايير لا ترضى بمقاربة الكارثة بل تجهد في استحداث مقابل موضوعي على القماش للكارثة التي على الأرض.

هذا ما كانته لوحات “قيامة”. هذا ما قدّمه بشار الحروب بجماليات كابوسيّة، في استحقاق الكارثة لدى الفن.

في ضفة ثالثة.

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب مقالات في النقد السينمائي والثقافي. له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.