1
اكتب تعليقُا

الصالة بوصفها بديلا عن القرص البديل عن المنصة

في العام الواحد، خلال الأعوام الأخيرة، يطرأ حدث يستعيد النقاشات في شأن عادة مشاهدة الأفلام إن كانت ستقتصر مع الوقت، أكثر، على المنزلية منها، بتفضيل الجمهور العريض للمنصات، أمريكية ومحلية، كبرى وصغرى، على صالات السينما.

جائحة صحية أبعدت الناس عن السينما ثم موجات حر تدفعهم إليها. وتُظهر إحصاءات جديدة أن الصالات الفرنسية استقبلت خلال موجة الحر الأخيرة جمهوراً بزيادة بلغت 50% بالمقارنة مع الأسبوع نفسه من العام الماضي. خلالها، شهدت الصالات في العالم هجوماً جماهيرياً لمشاهدة أفلام هي “الأوديسة” ثم “سبايدرمان”، وقبلهما بشهر “غرف خلفية” و”هوس”. بفضل هذه الأفلام الأربعة حققت الصالات السينمائية أرقاماً قياسية هذا الصيف، ونفت مجدداً أي كلام عن موت الصالة.

في كل عام نستعيد النقاش في إن كانت صالة السينما تحتضر مقابل منصات البث، وفي كل مرة تخرج أفلام إلى الصالات وتثبت أن الصالة باقية وتتمدّد، والأهم أن الأفلام التي تعرضها الصالات (أولاً أو حصراً) تبقى أكثر أهلية للاستقبال النقدي والجماهيري مما نالته وتناله الأفلام المعروضة (حصراً) على المنصات على أنواعها.

النقاش محسوم في هذه المسألة، لكن، بين وقت وآخر وإن بحدّة أو تراجيدية أقل، يطرأ حدث يستعيد نقاشاً في شأن عادة مشاهدة الأفلام لكن بطبيعتها المنزلية في الحالتين، إذ تُقارن المنصّات ذاتها بما هو على وشك التلاشي فعلاً، أي أقراص الـ DVD، التي اختفت قبل أن تستوعب الصحافة العربية اسماً لها بدل كتابة “دي في دي”.

خبرٌ قرأناه أخيراً، أسال لعاب الكثير من النقّاد والسينفيليين (مهووسي السينما)، هو إصدار الأعمال الكاملة للسينمائي ستانلي كوبريك في طبعة خاصة لشركة “كرايتريون كولكشن”، في أقراص “دي في دي” و”بلو راي”، مع كتيّبات وصور، وطبعاً بالعلامة الفارقة لهذه الشركة وهي تصاميم ممتازة وخاصة للأغلفة. خبر يحمل أحدنا على الانتباه إلى أن علباً كثيرة من أقراص الأفلام مركونة في أمكنة متفرقة في بيته، من تلك التي لم يفتحها منذ سنوات ولا يعرف إن أراد التخلص منها أصلاً، وإن أرادَ فكيف.

لسبب ما، انقطع الإنترنت في البناية حيث أسكن، وهذا لا يحصل في باريس إلا، غالباً، لصيانة تجريها شركة الاتصالات ويكون القطع عن كامل البناية أو الحيّ ويكون لساعات محدودة، وكان المساء وحان الوقت للمشاهدة اليومية الإلزامية لفيلم. فما كان من حل سوى انتشال علبة من بين الكثير الذي لم أشاهده بعد، والمتروك لحوادث طارئة كهذه. بحثت عمّا أريد في أكثر من زاوية في البيت، ثم عن مشغّل الـ “دي في دي”. ثم كانت الصدمة: لم أتحمّل الجودة المتواضعة للصورة والصوت، فأوقفته فوراً كأن الشاشة كانت تبثّ سمّاً، وانتظرت عودة الإنترنت ومعه تدفُّق منصات البث التدفّقي.

ما الذي يجعل لخبر الأعمال الكاملة لكوبريك ذلك الأثر؟ عندي صندوق لأعماله الكاملة، لشركة توزيع فرنسية، لكن لم أشغّل أياً من أفلامها منذ سنوات، ولا أترك في الوقت عينه أي فيلم لكوبريك في أي منصة لي فيها اشتراك من دون أن أشاهده مجدداً ومجدداً، وكثيرون كذلك. رغم كل ما فيه من امتيازات، فإن الصندوق من أفلام كوبريك بطبعة “كرايتريون” مُسعَّر بشكل مبالَغ به، قرابة 500$. لكن في هذا الصندوق من الأفلام السبب النقيض لما جعلني أوقف الـ “دي في دي” متدني الجودة، أو الذي صار متدني الجودة من وجهة نظر المتفرّج عام 2026، فلا يشغّله أحدنا مهما طال انقطاع الإنترنت. السبب إذن هو جودة الأفلام في صندوق “كرايتريون”، وهي بـ 4K، وهي الجودة الأحدث دائماً والتي نجدها، إن توافرت، في منصات البث. هي الجودة الكافية اليوم، ولن يحتاج أحدنا لجودة 8K لأعمال كوبريك.

ملاحظة ضرورية هنا، ليست جودة الـ 4K إلزامية أبداً، فمعظم ما يشاهده أحدنا من أفلام المهرجانات والصالات السينمائية، ليس بالضرورة كذلك، ولا يحتاج أن يكون كذلك. لكن الفكرة هي أن لا يكون فيلمٌ لكوبريك أو غيره بصورة رديئة كما في الأقراص التي أملكها وعمرها ١٢ عاماً.

عموماً، لا ينحصر النقاش في مدى جودة الأفلام، وفي إبقاء العلب مركونة في أنحاء البيت اتقاءً لأمسية انقطع فيها تدفّق منصات البث. فهل سيدفع أحدنا مبلغاً كهذا من أجل أغلفة جميلة وجودة عالية لأفلام كوبريك، بسعر اشتراك في المنصة الأكثر كلفة، نتفلكس، لعامين تماماً؟ في عامين سيشاهد المشترك بالمنصة أفلاماً عددها غير قابل للمقارنة مع المرات التي سيشاهد فيها أياً من أفلام صندوق العجب من “كرايتريون”.

لا تتعلق المسألة بالجودة فقط، وإن كانت الجودة تكفي لشراء علب أفلام بعينها أو صناديق لأعمال كاملة يحتاج أحدنا أو يحب أن تكون إلى جواره في بيته، مع إمكانية المشاهدة لها، وهي بدقة عالية، في أي وقت لاحقاً. أما احتياج الامتلاك لأسباب مهنيّة، كضرورة العودة إلى الفيلم لضرورة كتابيّة ما، أو حب الامتلاك لرغبات شخصية، تماماً كما يحب أحدنا أن تكون لديه مكتبة من الكتب، كذلك الأفلام والاسطوانات الموسيقية، فهذه مسألة أخرى. أحد أوجه النقاش هو الجدوى المادية لكل ذلك، لعله الوجه الوحيد لدى كثيرين.

المقارنة كانت مع منصّة هي الأغلى والأكثر انتشاراً، عربياً تحديداً. لكن غيرها تكون بأسعار اشتراك أقل، مقبول لجمهور عام من غير المهتمين بالسينما بشكل خاص. أما للمهتمين فتوجد منصات أكثر عنايةً في اختياراتها، متوجهة لهم، لمن يبحث عن أفلام فنية أو مستقلة أو كلاسيكية أو ما يتخللها، منصات عالمية مثل “موبي” أو محصورة في حدود وطنية مثل “كرايتريون” في أمريكا و”BFI” في بريطانيا و”لاسينيتيك” في فرنسا، أو تلك الأوروبية المجانية مثل “ARTE”. هذه كلها بدائل أفضل للعقل قبل الجيب من المنصات الأمريكية.

المسألة لدى عموم الجمهور تتعلق فعلاً بالجدوى المادية، أما لقليل هم قرّاء ومهتمون ومهووسون ونقّاد، فإن للمسألة بعداً آخر يصعب تفسيره، لأن الممارسة لا تنحصر لديهم في مشاهدة استهلاكية للفيلم وحسب، يُستهلَك فلا يعود صالحاً مع انتهاء المشاهدة الأولى وهي غالباً الوحيدة. هناك شعور التملّك الذي يجمع بين طرفي علاقة عاطفية هي هنا بين المشاهد وفيلمه، والممارسة هنا لا تكون استهلاكية، بمعنى أنها ستصبح عادة متكررة. يحمل أحدنا فيلماً عن الرف لمشاهدته للمرة الـ… لا يهم، كما أنه لا يهم لديه تبرير ذلك لآخرين، فالمشاهدة هنا لا تكون لمتابعة قصة خلال تناول العشاء، لا تكون لتمرير آخر ساعتين من الأمسية، بل تكون لمتعة لذاتها، مجرَّبة مسبقاً، لمشاهدة كل لقطة ومشهد في فيلم لا ينتهي بإخراج القرص من جهازه وإعادته إلى مكان على الرفّ كان فارغاً لساعتين. عند اختياري فيلماً للمشاهدة برفقةٍ ما، أُسأل: لكنكَ شاهدته، صح؟ أجيب: السؤال خطأ.

الأكيد، أخيراً، وللنقاش تتمّة، من بعد كل تلك الأخبار والأفكار، أن أياً من طرق المشاهدة لا يمكن أن تحل محل غيرها، تحديداً منصات البث وهي الأكثر شيوعاً واستحواذاً، فهي تقدّم رديفاً للمشاهدة في صالات السينما وليست بديلاً لها، تحديداً لدى الجمهور العام، وهي كذلك تقدم رديفاً لعلب الأقراص وصناديقها، ولن تكون بديلاً لها، تحديداً لدى الجمهور الخاص.

ويبقى لعلبة فيلم على الرف أو الأرض، مصفوفة أو مرمية، اطمئنان جماليّ خاص، لا يمكن تفسيره بالماديات، بالأرقام. هي مسألة عاطفية. نحن هنا أمام عنوان لفيلم بعينه، بصورةِ ملصقِه، بفيلم حاضر في البيت تطاله عين صاحبه كيفما تحرّكت. ولسنا أمام منطق العدد المتوفر من الأفلام والمبلغ المدفوع لها، ولسنا أمام عملية حسابية تسعى لأكبر قدر من العدد وأقل قدر من المبلغ. يكفي أحدنا نسخة لا تكون بجودة رديئة كي يفضّل الأقراص على المنصات. وهذا فقط في حديث المشاهدة المنزلية، فالصالة تبقى أولى من كليهما.

في ضفة ثالثة.

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب مقالات في النقد السينمائي والثقافي. له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.