1
اكتب تعليقُا

“الدعوة”… فيلم سيحب وودي ألن توقيعه باسمه ★★★★☆

في العبارة الافتتاحية للفيلم، نقرأ للشاعر الإيرلندي أوسكار وايلد: “على أحدنا أن يكون عاشقاً دائماً، ولهذا السبب عليه عدم الزواج.” تبدو العبارة أقرب إلى دعابة شديدة الجدّية. هو كذلك الفيلم في كوميدياه العالية ومساحات الإحراج والإرباك الشاسعة المتخللة للحوارات والمواقف. يمر أحدنا في أفلام درامية أو غيرها أمام مواقف كوميدية، استراحة في سياق الدراما، لكننا هنا، وهذا يندر في سينما جيدة، أمام فيلم كوميدي تام، ولا تكون المواقف المحرجة والمربكة لشخصياته سوى إضافات واندفاعات في صلب العمل: الكوميديا/الإضحاك.

يبدأ فيلم “الدعوة” (The Invite)، لمخرجته والممثلة فيه أوليفيا وايلد، إلى جانب صف أوّل من الممثلين: بينلوبي كروز وإدوارد نورتن، عشيقين جارين للزوجين وهما وايلد وسيث روغين، يبدأ بالزوجين، هو مدرس موسيقى فشل في تأسيس فرقته، وهي درست الفن وفشلت في المواصلة. يدعو الزوجان الفاشلان زوجاً عاشقاً غير متزوج، جيراناً جدداً إلى العشاء، لسبب سنعرف لاحقاً أنه متعلق بأصوات النشوة الجنسية العالية التي تصدر عن المرأة (كروز)، في نوع من إيصال احتجاج ما من المتزوجين إلى العاشقين. تتطور اللقاءات وتتوسع الفجوات بين كل من الزوج صاحب الدعوة، وكروز وصديقها (نورتن) بعلاقتهما الحديثة وحفلات الجنس الجماعي التي قبلا الدعوة أساساً لكونها فرصة للاعتذار عن الصرخات والإزعاجات  المتخطية الجدران بين الجيران.

هذا النوع من الأفلام، وهو بقصة أولية خفيفة، شائع، بكونه مبنياً تماماً على اللقاء، أي أنه محصور في مكان وزمان واقعيين، بيت وتجوال بين غرفه، طاولة عشاء والأكل ليست بالضرورة للتناول، كلام وكلام لا ينتهي. هنا تكمن قوة هذا الفيلم تحديداً، بالمقارنة مع نسخ عديدة للسياق ذاته، سآتي عليها. قوته هي في عناصر عديدة ومتكاملة، ليكون فيلماً نموذجياً في كيف تُصنع الكوميديات صغيرة الإنتاج وكبيرة الإبداع. القصة تقليدية، لكن للفيلم سيناريو ممتاز، حوارات لها مكانة المونتاج ووظيفته في التنقل بين المواضيع والمَشاهد، وفي التلاعب بمشاعر المشاهدين، إعلائها وخفضها، التوتر هو فقط المستقر هنا، لكنه توتر لا يوقف، بطرافة منبعه، عن الإضحاك. وذلك بالإحراج والإرباك في تداول دائم على طول الفيلم. وكله بتصوير “فانتاج”، بألوان باهتة ثمانينية وصورة قاتمة، إيحاء بأنه مصوَّر بعدسة ٣٥ ملم. إلى جانب أداء لأربعة ممثلين يكفي واحدهم لرفع فيلم على كتفيه. الفيلم، بحرفيّة صناعته ككوميديا سينمائية، خلا من أي سقطة ظاهرة، من أي لحظة رتابة، وهذ لحظة يمكن إن طالت لدقائق إن تفسد فيلماً يزيد عن ١٠٠ دقيقة، كلها بالكلام وردود الأفعال، كلها جديرة بالفيلم الممتاز هذا.

هو أفضل من باقي الأفلام التي قاربت مثله، نسخة أولى كانت لفيلم إسباني بعنوان “عاطفي” (Sentimental) أو بعنوانه الدولي “The People Upstairs”، الذي تم نسخ فكرته منذ إنتاجه عام ٢٠٢٠. هو للإسباني يسيك غاي الذي نقله إلى السينما من نص مسرحي له كذلك، ثم تم نقل الفيلم إلى عدة لغات سينمائياً.

للفيلم إحالات أعلى من كونه إعادة إنتاج أخرى للفيلم الإسباني ومتوازٍ مع غيره من النُّسخ. الفيلم أقرب ليكون أصلياً في مقاربته، تكفي حواراته عالية الإتقان. هو، لجديته في كوميدياه، يحيل أولاً وثانياً إلى وودي ألن، المخرج الأمريكي الذي عُرف أكثر من غيره ببراعة الحوارات في أفلامه، بالمزج بين المر والحلو، بالفرح والحزن، بالسخرية اللاذعة ذات الطبقات (لنقُل: التلطيش). ولعله من الإنصاف القول إن الفيلم إعادة إنتاج بشكل حر، ومنفلت، ومعاصر، لفيلم ألن “أزواج وزوجات” (Husbands and Wives، ١٩٩٢)، وخلطة من مَشاهد من عموم أفلامه، قد يكون أكثرها حضوراً فيلمه “Melinda and Melinda” (٢٠٠٤). يكون الفيلم بذلك تكريماً لسينما ألن بمعزل عن فيلم بعينه له، مع استثناء “أزواج وزوجات” شديد الحضور في “الدعوة”. فمن أفضل من ألن، في فيلمه هذا وعموم سينماه، يكتب حوارات لمّاحة ولكل كلمة فيها وقع، تكون كذلك على وقع كأس نبيذ، أو زجاجات تفرغ قبل فراغ الكلام. ويمكن الابتعاد أكثر، إلى عام ١٩٦٦، وإحالة الفيلم إلى آخر بعنوان “مَن يخاف من فيرجينيا وولف؟” (Who’s Afraid of Virginia Woolf?) للأمريكي مايك نيكولز، حيث يدعو زوجان مملّان وفاقدان الشغف، آخرَين شابيّن، للحديث، مع كؤوس النبيذ دائماً، وإحياء ما بدت علاقة زوجية رتيبة. هو ما نراه تماماً في “الدعوة”.

لكنه، الفيلم، لا يحتاج إلى إحالات تاريخية أو ألنيّة، وإن كان حضور ألن ساطع، ويتخطى السيناريو إلى الخطّ المستخدم في هوية الفيلم البصرية، في الملصق، مع الموسيقى الجازيّة، وفي غيرها، مما يجعل الفيلم، غير المضظر إلى هذه الأحالات ليكون فيلماً ممتعاً، فيلماً كاد وودي ألن يحب أن يكون موقَّعاً باسمه.

هذه الإحالة الألنيّة تبقى ضرورية لفيلم لن يخسر من امتيازه وبراعته بفقدانها.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب مقالات في النقد السينمائي والثقافي. له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.