لا عمرَ للأفلام. على الأخص تلك التي بمضامين إنسانية كبرى، وبقضايا لم تنتهِ. فيلم المخرج الإسرائيلي البرتغالي آفي مغربي، “هليون”، يجمع كلا الاعتبارين: مضمونه الإنساني العالي، وقضيته التي لا تزال مستمرة.
لذلك، أتى فيلمه (Halayon – Wild Asparagus) المشارك في مسابقة الأفلام القصيرة ضمن مهرجان فينيسيا السينمائي الأخير (ويأتي ضمن مشاركة لمغربي في بينالي فينيسيا للفنون هذا العام بعنوان “بين نهر وبحر”)، إلى العرض اليوم من بعد خمسة عشر عاماً على تصويره، وهو، كما يقول مغربي، وجدَه ولم يُخرجه. هو مادة مصوّرة من فيلم سابق له بعنوان “دخلت مرة جنينة” (٢٠١٢)، لم يدرج معظمَها في الفيلم آنذاك، ووجد الشريط، أخيراً، ليحمله كما هو بوصفه فيلماً قصيراً. وبمشاهدة الفيلم يدرك أحدنا سبباً لعدم إدراجه في الفيلم الوثائقي السابق له، فهذا الشريط القصير مكتمل بذاته، قد لا يحتمل، بمدته الطويلة بوصفه مشهداً والقصيرة بوصفه فيلماً (٢٤ دقيقة) أن يكون جزءاً من فيلم أطول، أكثر مما كانه، بما لا يتخطى ٥ دقائق في فيلم بقرابة مئة دقيقة. له انسجامه الخاص، مسيرُه نحو خاتمة تلقائية، ومتانة لا تسمح بتقطيعه لخدمة سياق طويل.
يبدأ الفيلم وينتهي في مشوار لمغربي مع أستاذه للغة العربية، علي الأزهري. يتمشى الإثنان أمام الكاميرا في طريق ريفيّ إلى قرية الأستاذ، صفورية المهجَّرة والمدمَّرة، ليكون الفيلمُ الطريقَ لا الوجهة، لتكون العبرة في الطريق الذي يمشيه علي متباطئاً مقتطعاً من نباتات وأشجار لا يعرف فيها غيره، يتذوّقها ويخبر عنها، حقائق وقصص. صفورية كانت هنا الطريق، قبل الوجهة. بالكاد يتقدم الرجلان خطوات حتى يقف علي فجأة، يتأمّل، يتكلّم، ويقطف عرقاً أو ورقة ليمضغها، منها كانت الهليون.
لا يخرج الفيلم عن الطريق، كما أن الرجلين لا يخرجان عنه. هذا هو الفيلم بدقائقه الأربع والعشرين. هو متّصل منفصل عن الوثائقي الطويل، الذي بُني على حوارات بين الاثنين عن الهوية والمكان، بحضورٍ طيفيّ لصفورية التي تكثفت في الفيلم القصير، بوصفها مبتغى، ملتقى، مسعى، ينتهي الفيلم قبل الوصول إليه، ويكون الطريق إليها، بما أظهره من علاقة خاصة ومذهلة بين علي وبين الحشائش البرية المودية إلى قريته المهدمة، هي المسعى، هي الفيلم. بلاد علي المهجّرة والمدمّرة كانت الطريقَ كلّه.
الفيلم مُعرَّف في المهرجان بكونه فرنسياً برتغالياً، لشركات إنتاج بعناوين فرنسية، ولا مجال لا إدارياً ولا فنياً للقول إنه إسرائيلي. لكن، فيه أكثر من ذلك يرجّح تصنيفَه من حيث الانتماء السردي، فيلماً فلسطينياً، أي فيلماً في القضية الفلسطينية.
الفيلم فلسطيني، منتمي إلى القضية الفلسطينية، بأكثر من حِجّة، وإن كان بلغة عبرية يحكيها علي ليفهمها آفي الذي يردد بعض الكلمات العربية ويجيبه أستاذه بها. والفيلم، على قِصره، نموذجي في ما هو النقيض للسينما الإسرائيلية، أو للسمات الأساسية فيما يخص الحضور الفلسطيني ضمن هذه السينما.
الفيلم بشخصية رئيسية هي لفلسطيني، وبمكان يُعرَّف فلسطينياً، لا مكاناً وحسب بل، وهذا الأهم، زماناً، بالعودة إلى النكبة أساساً للسردية التي تحمل علي وآفي في مشوارهما الريفي نحو ما بقي من القرية. والكلام الرئيسي هو للشخصية الفلسطينية، في ما بدا مساحة خضراء معزولة عن الأمر الواقع الاضطراري الاضطهادي للإنشاءات الإسرائيلية، بالزفت والاسمنت.
هنا فلسطين بحالها كما كانته قبل النكبة، وكان الحديث عن النكبة أقرب إلى ذكرى قريبة، إلى درجة طغيانها، لا تشويش عليها ولا تردُّد، في ذلك احتمال التباس النكبتين، تلك التي في الذاكرة بقيت من صفورية وتلك التي أمام الأعين آتية من غزة. في الفيلم النكبة مستمرة لأن فلسطينياً اسمه علي يمر على الطريق المهجور للقرية المهجَّرة معطياً درساً لا في اللغة العربية هذه المرة بل في الأعشاب البرية الفلسطينية. في الطبيعة الفلسطينية الناجية من كارثة النكبة.
وفي النقيض من السينما الإسرائيلية، انتصف علي ضمن الإطار، وكان كلامه الدليلَ لما نشاهده، وبقي آفي مغربي في خلفية الصورة، بعيداً، غائماً، ولا يكون قريباً سوى بأطراف من جسده، ولا يحكي سوى معلّقاً مقتضباً على كلام علي. الصوت الواضح هنا، الصورة المتمركزة على الوجه، الحركات تلحقها الكاميرا، كانت لعلي المتجوّل في جنانه المتذوّق من أشجارها.
في عرضه الأول قبل أيام، في فينيسيا، استعاد الفيلم النكبةَ إلى كارثة نكبوية أخرى يعيشها الفلسطينيون اليوم، أو أعاد هذه الكارثة الإبادية إلى النكبة الأم، أو، وهذا ما أراه، استعاد تلك من زماننا وأعاد هذه من راهننا، في وصلٍ بينهما لا يصف، بكلام علي شديد الفلسطينية وإن بالعبرية، سوى نكبة واحدة ممتدة لقرابة ثمانين عاماً. فيلم كهذا لا يكون سوى بصفة فلسطينية تامة. صفة تكون استعادة النكبة فيها مسألة راهنة، وبصوت وصورة فلسطينيين.
