1
اكتب تعليقُا

ما الذي يفعله الناقد المتغيب عن المهرجان السينمائي؟

يغسل الكيس القماشي الأحمر، هدية المهرجان من العام الماضي، ويكترث بأن لا يحفّ الأسد المطبوع برقة على طرفه، كي لا يزيد من دراميّة الوضع. هذا فعلاً ما فعلتُه، من بين أشياء أخرى، تعود لسبب واحد هو تغيّبي هذا العام عن مهرجان فينيسيا السينمائي. لنقُل، يفعلها أيّ ناقد لأيّ تغيّب عن أيّ مهرجان. وليكن أحدثها، فينيسيا، مثالَنا هنا.

ألغيتُ المهرجان هذا العام من برنامجي لسبب شخصي. لكن، الانقطاع عنه بهذا الشكل، بعد تعوّدٍ على مواكبته هو وغيره من المهرجانات الكبرى الثلاث، مع كانّ وبرلين، كان منبّهاً إلى حالات وانهماكات للناقد السينمائي في فترة لم يتعوّد أن يكون فيها خارج مجال الحدث. هي كذلك مناسبة ينتبه فيها الناقد إلى طبيعة ممارسته، هو، النقدية، وطبيعة الممارسة النقدية عموماً، خارج مجالات المهرجانات قبل أن يكون داخلها.

من الطبيعي، بداية، أن يكون اهتمامي أقلَّ هذا العام، فيما يخص الأسماء والعناوين المشاركة بهذه الدورة. لكن ضمن حدّين هما من ناحية ضرورة المعرفة والمتابعة ضمن الشغل النقدي، للجديد سينمائياً المطروح ضمن أيام المهرجان العشرة، ومن ناحية ثانية مواصلة المتابعة والكتابة (والقراءة والمشاهدة) النقدية بمعزل عن المهرجان، أي للمشهد السينمائي العربي والعالمي خارج جزيرة الليدو.

ما الذي فعلتُه، مثلاً، خلالها؟ في المقالات، كانت المواضيع عموماً كتلك التي تسبق أيام المهرجان وتلحقها، لكن إتاحة الوقت لها، بسبب عدم تفرغٍ تام لعشرة أيام في فينيسيا، سمح بالكتابة عنها، سمح بعدم تراكمها. وهنا تكثر المواضيع، بل تتزاحم بما يضطر الناقدَ لإسقاط موضوع أو أكثر شهرياً، أراد فعلاً، للحظة، الكتابة عنه.

لا بد، بداية كذلك، من التأكيد بأن النقد حرفة، أنه ليس لقباً، وبالتأكيد ليس مرتبة صحافية، كترقية أحدهم في جريدته. النقد حرفة ولا تنقطع. ليس ناقداً من يكتب مراجعات لأفلام بين مهرجان وآخر، وانتهى، فتكون مهنة الناقد التي يتلبّسها حجّةً لاعتمادٍ في هذا المهرجان أو ذاك. هذه كتابة مناسباتية، كمن لا يغنّي سوى في الأعراس. وليس ناقداً من يمضي وقته في المهرجانات السينمائية بين الأجنحة العربية وممرات المدينة سائحاً بقبّعة من القش وشورت أصفر، بابتسامة بلهاء لا تفارق محيّاه نرتطمُ بها خارجين من فيلم قاتم وقاس. وليس ناقداً من يبثّ رأيه بالأفلام، من داخل المهرجانات تحديداً، ببوستات وفيديوهات، هذا أخّاذُ السّيلفي جاء إلى حفلة اجتماعية لم يُدعَ لها، لا ناقداً جاء إلى مهرجان سينمائي حضَّر له برنامَج المشاهدات قبل وصوله إلى المطار. مقابلهم، أعرف نقاداً لا يشاهدون أقل من فيلمين يومياً في المهرجان، ولا يكتبون أقل من مقالة يومياً كذلك، أعرف من يلغي لقاء هنا وعشاء هناك وكوكتيلاً بينهما، كي لا يلغي تذكرة فيلم، وإن أمكن مشاهدته لاحقاً في صالة أخرى، فصاحبنا هذا لا يلغي تذكرته لأنه يفضل صالة بعينها، بل مقعداً بعينه فيها، في صالة ديبوسي بمدينة كان مثلاً. هذا ما يشغل الناقد في المهرجان، أما خارجه، لمن تغيَّب، فانشغالاته أقل تركيزاً وأكثر أريحيّة.

خلال الأيام العشرة تلك من الموسترا، وما سبقها ولحقها بقليل، استطعتُ، مثلاً، عدم تفويت ذكرى مرور ٦٠ عاماً على فيلم أحبه من دون الكتابة عنه، والمقالات هذه نوع من الترف الكتابي للنقاد لا يُتاح غالباً، لتدافع المواضيع الراهنة. عدت إلى روابط لأفلام وصلتني أخيراً وأنهيت الكتابة عن بعضها، لضرورةٍ وجدتها في ذلك، إذ يمكن، بأريحية، مشاهدة ما يصل من دون التزام بالكتابة. أنهيتُ كذلك بشكل مركَّز أفلاماً كانت مشاهدتها إلزامية، لغاية التصويت، لجوائز كل من “أكاديمية الفيلم الأوروبي”، و”لوميير” في فرنسا، وغيرها، فكانت الكتابة أو التحضير للكتابة، عن بعض منها. وطبعاً الكتابة عن أفلام خرجت حديثاً إلى الصالات الفرنسية. وهذه الكتابة هي الأكثر إلحاحاً، هي الممارسة الأكثر استقراراً للناقد حيثما كان، الكتابة عن الأفلام النازلة أخيراً إلى صالات السينما في بلده والعالم، فكثير من الأفلام تكون بتواريخ نزول متقاربة في مختلِف البلدان، ما لم تكن متطابقة.

في كل مرة أجدني عائداً من مهرجان سينمائي، أشاهد فيه ما بين فيلمين وثلاثة يومياً، بكتابةِ ما معدله مقالتين يومياً، أواجه تراكماً هائلاً مما يتوجّب مشاهدته، وبما يلحق ذلك من مقالات أبدأ بكتابتها قبل أن أتأخّر أكثر، بدءاً من اليوم التالي لعودتي من المهرجان. مواضيع سينمائية لا علاقة لها بالأيام العشرة التي تركتُ، وكذا كلّ ناقد، كلَّ كتابة أخرى جانباً للتفرغ لها.

الناقد السينمائي يكتب بأكثر من يد في الوقت ذاته، لا مبرر لتجاهل مهرجان سينمائي بحجم كانّ وفينيسيا وبرلين، ولا مبرر مقابلها، بتجاهل مواضيع سينمائية أخرى خلال أيام المهرجانات. والحديث وحسب عن الناقد المحترف، الممارس للكتابة بشكل يكون بحده الأدنى أسبوعياً، والكتابة هنا هي المقالة الصحافية، لا المنشور الفيسبوكي أو الفيديو الإنستغرامي.

ما الذي يفعله أحدنا إذن إن تغيّب عن مهرجان فينيسيا السينمائي؟ أمور أوّلية كالتي ذكرتها أعلاه، مواصلة العمل ضمن هذه الحرفة، إزاحة ما تراكم من مشاهدات وكتابات وقراءات. مع إدراك أن كماً من الأفلام ستنكبّ عليه لاحقاً، فمن محاسن المهرجانات، بما رافقها من إرهاق في الأيام العشرة، هو مشاهدة ما لا يقل عن عشرين فيلماً، على الأقل ما تقدمه المسابقة الرسمية، فيعود إلى دياره من بعدها وقد خلص من التزام المشاهدة تلك.

هذا ما كنت دائماً أفعله، وهذا ما أراحني نوعاً ما في التزام المشاهدات للتصويت على أفلام أوروبية وفرنسية هذه الأيام، فبعض ما هو للجائزتين الأوروبية والفرنسية كنت شاهدته في مهرجاني برلين وكانّ هذا العام. حضور المهرجانات الثلاثة يعني مشاهدة ما هو بالحد الأدنى ٦٥ فيلماً، يزيحها أحدنا عن كاهله خلال مشاهداته السينمائية لباقي أيام السنة. لكنه، كذلك، يتسبب بذهاب أقل إلى صالات السينما، فشركات التوزيع الفرنسية وبالتالي صالات السينما تهتم أولاً بأفلام المسابقة الرسمية في هذه المهرجانات الثلاثة. وهذا إشكالٌ جانبي.

ما يتوجّب على المتغيّب عن المهرجان أن يفعله، هو أولاً أن لا يفعلها ثانيةً، وهو ثانياً أن يستفيد جيداً من هذه الأيام العشرة، فينتهي المهرجان من دون تكديس لواجبات نقدية عليه من بعده، وهو ثالثاً أن يتحضّر لمشاهدات إضافية، في منصات للتصويت على جوائز أو في صالات السينما الفرنسية، من أفلام المهرجان، والتي لن يشاهدها جميعها بكل الأحوال، لكنها ستكون أفلاماً إضافية يزيدها إلى أجندته. بدأت بعض أفلام فينيسيا تنزل إلى منصّات التصويت هذه.

وليس خارج المجال النقدي تماماً، كما أنه ليس منفصلاً عن مهام الناقد في المهرجان وخارجه، ففي ما هو خارج أوقات المشاهدة والكتابة في فينيسيا تحديداً، يبقى عنصران أساسيان من التجربة الفينيسيّة المهرجاناتية، تماماً كالتنقّل بالكيس القماشي الأحمر مطبوعاً عليه برقَّة لوغو البينالي، أولهما كأس الكامباري الأسطوري، اليوميّ في المهرجان. هذا الكوكتيل الأحمر، الإدماني، الأقرب إلى شراب دواء السعال، كان من بين ما افتقدتُه، واحتساؤه في مقاهي باريس يبقى فعلاً ناقصاً. فواحدة من ميزات كأس الكامباري السابق لعرض فيلم، هو إمكانية السهو والإغفاء، بسهولة أكبر، للناقد ولضميره معاً، في صالة دارزينا المعتمة والمكيّفة أمام شاشة بفيلم صُنع أصلاً لذلك. وقد تكون كامباري شركةً راعية له.

الأمر الآخر والأخير الذي لم يفعله الناقد المتغيب عن فينيسيا هذا العام، كان بافتقاد أحدهم له. العام الماضي فقط اهتديتُ في أول أيام المهرجان إلى مطعم إيطالي، على طرف الجزيرة، محلّي لا-سياحي، فكنت أنهي يومياتيّ المهرجاناتية عنده، بكؤوس كامباري وأطباق سباغيتي ونيوكي ورافيولي. وهو لا يصنع البيتزا تفادياً للسياح. العام الماضي، دعوتُ ناقداً صديقاً إليه مرتين أو ثلاث.

في أيام المهرجان الأخيرة، أرسل لي صديقي من فينيسيا يقول إن صاحبك صاحب المطعم سألني إن كنتُ في فينيسيا من أجل المهرجان، قلتُ: نعم. فسألني عنك.

في رمان.

ما الذي يفعله الناقد المتغيب عن المهرجان السينمائي؟

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب مقالات في النقد السينمائي والثقافي. له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.