لا يتسع لا الوقت ولا الجهد في المهرجانات السينمائية للكتابة عن كافة أفلام المسابقة الرسمية، أو عن تلك التي تستحق فعلاً الكتابة أو ما يود الناقد لحظتها الكتابة عنه حقيقةً. لذلك يضطر أحدنا إلى ترك الكتابة عن أفلام بعينها إلى ما بعد المهرجان، لمناسبة تكون نزوله إلى الصالات أو نيله جوائز في مهرجانات ومحافل لاحقة، أو مهما يكن من سياقات لا تكون سينمائية بالضرورة.
كان هذا حال الفيلم الممتاز “مينوتور” (Minotaur)، للروسي أندري زفياغنسيف، الذي اضطر أحدنا للانتظار إلى هذه المقالة بمناسبة عروضه في الصالات الفرنسية، بعد أشهر من المهرجان، لضيق الوقت وتراكم الأفلام ذات مسوغات أهم مما لدى هذا الفيلم، للكتابة والنشر اليوميين من المهرجان.
هذه الاعتبارات، في الاختيار عمّا يكتب أحدنا أو لا يكتب، في ظرف اضطراري وضاغط، تختلف من ناقد لآخر. فيمكن لأحدنا، ولآخرين اعتبارات أخرى، اختيار الكتابة عن أفلام غير “مينوتور”، في يومين، من الربع الثالث من مدة المهرجان، حيث تمركزت أفضل أفلامه. وقتها تزامن عرض الفيلم مع أخرى لا تقل امتيازاً، “المجهولة” لآرتور آراري، “ميلاد مر” لبيدرو ألمودوفار، “فيورد” لكريستيان مونغيو، “خلاصنا” لإيمانويل مارّ. فتكون الكتابة عن أربعتها مستهلكاً الوقت والجهد اللازمين فالنافدين للكتابة عن فيلم خامس كان “مينوتور”. يختار أحدنا الكتابة عن فيلم آراري لأنه كاتب سيناريو الفيلم الرائع “تشريح سقوط”، وعن فيلم ألمودوفار لأنه ألمودوفار، وعن فيلم مونغيو لأنه، في حالتي، من لحظة الخروج من الصالة ساد الشعور بأنه الفيلم الأفضل في المهرجان إلى حينه. وعن فيلم مارّ لموضوعه. ومع اليوم الأخير من المهرجان كانت أفضليات صاحب هذه الأسطر، أو ما يمكن أن منحها خمس نجوم، أفلام هي “ميلاد مر” و”فيورد” و”خلاصنا”، إضافة إلى فيلم عُرض قبلها بيومين هو “المحبوبة” لرودريغو سوروغويين. من ذلك أقول إن هنالك مبرراً لعدم الكتابة عن فيلم، أيّ فيلم، في المهرجان، لا لسبب فيه، بل لأسباب واعتبارات في غيره تَصادف تزامنها معاً في يوم أو يومين، تستلزم الكتابة في ما لا يزيد عن ٢٤ ساعة.
هذا كله لا يقلل من شأن فيلم الروسي أندري زفياغنسيف، وأجدني واثقاً من أني كنت سأكتب عنه لو عرض في ظرف أفضل. المُلام هنا هو فريق البرمجة الذي كدّس أفضل اختياراته (الأفضل هنا ودائماً رأي شخصي) في يومين. فزفياغنسيف، عدا عن فيلمه الجميل هذا، هو صاحب تجربة سينمائية خاصة وموضوع أثير هو التوحّش الطاغي على المجتمع الروسي، منذ فيلمه “العودة” الذي نال، إلى جانب جوائز أخرى، الأسدَ الذهبي في مهرجان فينيسيا السينمائي عام ٢٠٠٣، قبل أن يتجوّل في جوائز مهرجان كان السينمائي، فينال عن فيلمه “Leviathan” جائزة أفضل سيناريو عام ٢٠١٤، ثم جائزة لجنة التحكيم عام ٢٠١٧ عن فيلمه “Loveless”. حضوره المقبل سيكون، تلقائياً، بكلام عن السعفة الذهبية.
إن كان فيلمه الأخير، “مينوتور”، يحتاج تبريراً لعدم تناوله خلال المهرجان، فهو لا يحتاج أي تبرير سابق له من مسيرة مخرجه ليكشف امتيازه وإن في مسابقة مزدحمة بالأفلام العظيمة، لكنه، ولهذا الازدحام، لم يكن بنيله الجائزة الكبرى في المهرجان، وجائزة أفضل موسيقى، خبراً ساراً، ذلك لشدة المنافسة، ولحضور أفلام هي برأيي وبرأي الكثيرين من النقاد كما قرأ أحدنا في حينه، استحقت قبله هذه الجائزة، وهو بذلك خلافاً لفيلم “فيورد” الذي استحق سعفته الذهبية ولا أظن أن آراء كثيرة انتشرت حول أحقية أفلام أخرى بالجائزة. لم تكن الجائزة خبراً ساراً لأسباب خارج الفيلم، لامتياز غيره. وكانت الجائزة لهذا الفيلم الروسي لصيقة بصفته هذه، ولروسيّة الفيلم مكانة في هذا النقاش.
بمعزل عن روعة الفيلم، وهو ما لا يجعل من الجائزة أمراً حتمياً، في الفيلم اعتبار سياسي وضع غشاوة على ذلك الامتياز، ووضع إلزاماً على تلك الجائزة، هو ما نراه في مقالات أوروبية عن الفيلم، بل في العناوين، أنه فيلم لمعارض روسي وأنه ضد روسيا فلاديمير بوتين. هو تكرار لحالة العام الماضي مع فيلم الإيراني جعفر بناهي “حادث بسيط”، الممتاز، الرائع، لكن غير المستحق بالضرورة للسعفة الذهبية، إنّما، كان لصفته الإيرانية المعارضة ذلك الأثر الأكبر في نيله السعفة، كانت القشة التي أسقطت السعفة. لكن، لنحكِ قليلاً عن الفيلم.
في مدينة روسية نائية، وفي بيت يتوسط غابة، يشتد نأياً، تعيش أسرة برجوازية، بيت من زجاج كأنه خارج من الكتالوغات المنزلية، وزوجة ساحرة ومثيرة وأنيقة ولا تعمل. هو مدير شركة مقرَّب من رئيس البلدية، هو أوليغارشية روسية متواطئة مع النظام في حربه الكبيرة، المتواطئ، النظام، معه في جريمته الصغيرة. تنتابه شكوك في خيانة زوجته له. يتقدم الفيلم بخطّين، بشأنين العام والخاص. العام في تعامل الرجل مع النظام في تأمين موظفين لإرسالهم إلى الجبهة، فعدد معين مطلوب من المدينة وبالتالي من شركاتها، يؤمنها الرجل خدمة لرئيس البلدية الذي سيغلق ملفّ الشرطة لهذه الجريمة مقابل تبرّع الرجل بتكاليف لوجستية للجيش. كيف يؤمنهم؟ يوظف العدد المطلوب، من الباحثين عن عمل، ويرسلهم في اليوم التالي إلى الجبهة بوصفهم موظفي الشركة. والخاص في شكوكه ثم الطلب من موظف أمن في شركته مراقبةَ زوجته، ثم زيارته لمنزل العشيق وارتكابه جريمة قتله.
لا تكمن أهمية القصة بأحداثها، فهي تقليدية، بل بما يحيط بها. وتكثر أفلام الـ “غرام وانتقام”، والفيلم أساساً إعادة إنتاج لآخر فرنسي أقل جودة، لكلود شابرول، بعنوان رتيب هو “الزوجة الخائنة” (١٩٦٩)، وبإخراج للفيلم أشد رتابة، هو ما عوّدنا عليه شابرول المعجب بالبريطاني ألفرد هيتشكوك والمتأخر عن اللحاق به. وبخلاف العرف السائد في أن أفلاماً كلاسيكية يُعاد إنتاجها وبرؤية عصرية لكن لا تتجاوز تاريخية الفيلم الكلاسيكي، وهو منطق علاقة غير صحيح، في أن الفيلم اللاحق هو النسخة عن الأصل وتبقى النسخة متأخرة دائماً. هنا، تقدّم “مينوتور” عن فيلم شابرول سردياً وبصرياً.
للفيلم صور مذهلة، تحديداً تلك التي تدور فيها الكاميرا ٣٦٠ درجة حول نفسها، صور هادئة، تأملية، طيف المعلم الروسي أندريه تاركوفسكي يحوم من المشاهد الأولى. وذلك بإحالات ذكية للحالة الراهنة في روسيا، حيث الحرب، بل الخوف من حالة ترهيب سلطوية تحدثها الحرب، تعمّ بسكون، تتوسط الأحاديث. لا ذكر لبوتين، لكن إشارة Z نراها على السيارات والدبابات، جنود يودّعون أمهات تبكي، وجرائم صغيرة مشترَكة، بين العام والخاص، كانت في تخلّص الرجل من موظف الأمن وهو الشاهد الوحيد المحتمل للجريمة، كيف؟ بوضع اسمه في لائحة الموظفين المستدعين إلى الجبهة.
لا “جريمة وعقاب” دوستويفسكي هنا، بل جريمة ومكافأة، وذلك لانسجام الجريمة في سياق الطغيان، لأن المتركب رجل أوليغارشية، سينتهي بحياة آمنة مع زوجته وعمله. في هذا الفيلم، ينجو المجرم لأنه ضمن سياق اجتماعي حربي، سياق ضمن نظام حكم شمولي. في أنظمة كهذه تكون خاتمة المجرم إجازة إلى الجزر اليونانية.
في القدس العربي.
