لا يمكن تعريف السينما الأوروبية اليوم، بشكل مختصر ومبسَّط. ما هو الفيلم الفرنسي مثلاً؟ وفرنسا رشّحت إلى الأوسكار هذا العام فيلماً بمخرج وموضوع روسيين هو “مينوتور”، والعام الماضي بمخرج وموضوع إيرانيين هو “حادث بسيط”. والأمثلة في ذلك تكثر. والسبب هو بطبيعة الحال، الإنتاج المشترك، واليد الطولى للجهات الأوروبية، رسمية وخاصة، في المساهمة بنسب عليا من موارد إنتاج هذا الفيلم أو ذاك، من دول أوروبية وغيرها من كل العالم، والحديث حصراً عن السينما المتراوحة بين المستقلة والفنية والوثائقيات وما يُعرف بسينما المؤلف، أو ما يُقال عنها تجاوزاً لدقة الوصف بأنه سينما المهرجانات.
السينما الأوروبية إذن، من حيث تصنيف الدول في كتالوغات شركات الإنتاج والتوزيع. تتخطى الحدود الثقافية واللغوية والجغرافية لمواضيع الأفلام وشخصياتها، وللعاملين في صناعتها من تقنيين وفنانين. هذا كله، يجعل أحدنا أمام تنويع هائل في اللائحة القصيرة التي أعلنتها “أكاديمية الفيلم الأوروبي” لدورتها ٣٩، في ١٤ تشرين الأول أكتوبر، لكل من الأقسام الثلاثة لجوائزها: الفيلم الروائي الطويل، الفيلم الوثائقي، فيلم الرسوم المتحركة. وذلك تحضيراً لحفل توزيع الجوائز لها هذا العام. فئات عدّة ستشملها الجوائز، أبرزها “الفيلم الأوروبي”، “الوثائقي الأوروبي”، إضافة إلى أفضل مخرج، ممثلة، ممثل، كاتب، مصور… الخ، ليُعلن عن نتائج التصويت الأولى وبالتالي عن الأفلام المترشحة للجوائز، في مهرجان تسالونيكي السينمائي في اليونان، في ١٤ تشرين الثاني نوفمبر المقبل. ليتبع ذلك حفلُ توزيع جوائز الأكاديمية للأفلام الفائزة (من بعد اللائحة ثم الترشيحات)، في العاصمة اليونانية في كانون الثاني يناير المقبل. إذ ينعقد حفل الجوائز للأكاديمية كل عام في عاصمة أوروبية.
أفلامٌ للائحة القصيرة بلغ عددها ٦٨، تتنافس على مختلف فئات الجائزة الأوروبية الأولى في مجال السينما في أوروبا، وقد لا يسبقها عالمياً سوى جوائز الأوسكار، لأسباب يكثر شرحها (سياسية واقتصادية وترفيهية…) وغير معنيّة حصراً بالجانب السينمائي والفني والمعنوي لهذه الجوائز. من بين مجموع الأفلام، يوجد ٤٥ فيلماً روائياً طويلاً، ١٥ وثائقياً، ٨ رسوم متحركة، ممثلة في مجموعها ٤٠ دولة أوروبية. وبالنظر في ما خلف الأرقام والتصنيفات الإدارية، فعناوين وفيرة هنا، كانت بأفلام حضر منها عربياً، فقط، فيلمان فلسطينيان، روائي ووثائقي، ووثائقي بموضوع فلسطيني.
الإشارة إلى ٤٠ دولة أوروبية هنا، هي للإنتاج المشترَك الذي شمل دولاً أوروبية إضافة إلى البلد الأصلي للفيلم، أي البلد حيث تتقاطع جنسية صانع العمل مع شخصيات فيلمه وموضوعه، وبالتالي جزء من العاملين فيه، الممثلين منهم على الأخص. الحالة الفلسطينية واضحة هنا، هو فيلم “حوار مع البحر” لمؤيد عليان، الذي عرض في مهرجان فينيسيا الأخير، ضمن قسم “بقعة ضوء”، وكان في المهرجان ممثلاً لأربع دول هي إضافة إلى فلسطين، قطر والسعودية وهولندا. الإنتاج المشترك الهولندي إذن هو الذي جعل من الفيلم مخوّلاً ليكون أوروبياً ومطروحاً للمنافسة في جوائز الأكاديمية، وإن كان بإنتاج لدولتين عربيتين وبهوية فيلمية هي فلسطينية. والأمثلة تكثر. وللتذكير، نحن هنا أمام قائمة قصيرة وليس الترشيحات النهائية. إذ يخلط البعض بين الاثنين في عموم محافل الجوائز السينمائية ومن بينها الأوسكار. هذه اللائحة القصيرة انتقتها من بين مئات الأفلام الأوروبية (وغير الأوروبية كالعربية ذات الإنتاج المشترك مع دول أوروبية) أعضاء المجلس الإداري للأكاديمية بالتعاون مع خبراء أوروبيين من خارجها. أما المصوتون، ويحصل أن يكون كاتب هذه الأسطر من بينهم، فسيصوتون على أفلام بعينها من ضمن هذه اللائحة، لتخرج أخيراً الترشيحات النهائية، ليصوتوا مجدداً على الأفلام الفائزة المعلَن عنها أوائل العام المقبل.
عودة إلى الترشيحات، وقبل الحديث عن أبرز أفلامها، نشير إلى العنوانين الفلسطينيين في الوثائقيات، يكون حضورهما إشارة ضرورية للمكانة التي نالها الموضوع الفلسطيني أوروبياً. هما فيلم “نازا” بإنتاج بريطاني وإخراج الإسرائيليين يوفال أبراهام وراحيل شور، وهو برأينا الأكثر حظاً في نيل جائزة الوثائقي، مع ترجيح بضمان الوصول إلى الترشيحات النهائية على الأقل، وثانيهما فيلم “المواطن أسامة” للفلسطيني أحمد حسونة، بإنتاج مشترك مع فرنسا، وأهميته تكمن في أنه صناعة فلسطينية من داخل قطاع غزة ولغزيين، وليس وثائقياً مصنوعاً عن القطاع من خارجه. الوثائقيان، إضافة إلى الفيلم الروائي أعلاه، يجعلان للموضوع الفلسطيني حضوراً حصرياً عربياً، وبثلاثة أفلام، واحد منها شديد المنافسة.
لا يخفى على الناظر إلى الأفلام المنتقاة في اللائحة القصيرة هذه، في الروائيات تحديداً، أن حضوراً بارزاً يُلحظ لدى الأفلام من أوروبا الشرقية، وطبعاً بإنتاجات مشتركة مع دول مركزية في القارة، لكن الأفلام القادمة من هذه الدول المركزية، تكتفي بإنتاجين أو ثلاثة مشتركة، كإيطاليا وفرنسا وإسبانيا، مع حضور لأكثر من فيلم، بإنتاج واحد لا اشتراك فيه، لأفلام بريطانية. ومعظمها، من شرق أوروبا وغربها، معني أولاً بالموضوع السياسي، تاريخاً وراهناً.
الروائيات هذه أتت، في معظمها، من المهرجانات الثلاثة الكبرى، كانّ وفينيسيا وبرلين، إضافة إلى أخرى آتية من مهرجان سندانس في الولايات المتحدة. ولا بد للإشارات إلى أبرزها أن تبدأ بفيلم الروماني كريستيان مونغيو “فيورد”، الحاصل على السعفة الذهبية في مهرجان كانّ السينمائي الأخير. يتناول الفيلم قصة عائلة مهاجرة تتعرض لبيروقراطية العالم الأوّل القادرة على خطف أطفال من بيوتهم. ومن المهرجان الفرنسي كذلك حضر فيلم المعلم الإسباني بيدرو ألمودوفار “ميلاد مر”، الذي خرج من المهرجان بلا جائزة، لكن من الصحيح القول إنه، ألمودوفار، تخطى بتجربته الجوائز. هو ممن يُقال فيهم أن الجائزة، أيّ جائزة، تكسب باقترانها بفيلم، أيّ فيلم، وقّع عليه اسمه. يتناول الفيلم قصة رجل يكتب سيناريو فيلم مستمداً تفاصيل من حياة مقربين منه، ما يعرّضه إلى مواقف لن يتمناها. مثله فيلم الإسباني رودريغو سوروغويين “المحبوبة”، من بين أجمل ما شهده مهرجان كانّ هذا العام، وإن خرج منه كذلك بلا جائزة، كلا الفيلمين يتناول موضوع الفيلم داخل الفيلم، ومآزق يعيشها مخرج السينمائي، هو هنا أب مع ابنته التي ابتعد عنها لأعوام، وتعمل معه اليوم ممثلة في فيلم يصنعه، يتناول نضال شعب الصحراء الغربية.
فيلم آخر وصل إلى اللائحة القصيرة من كانّ، وقد نال هناك جائزة أفضل سيناريو، هو “خلاصنا”، للفرنسي إيمانويل مار. وفيه استعادة لمهمة بيروقراطية لموظف في حكومة فيشي المتعاونة مع ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية، ودوره في ترحيل مواطنين يهود. في الإطار الزماني ذاته، فيلم الدنماركية مي الطوخي “امرأة مجهولة”، يحكي عن امرأة تقيم علاقة مع ضابط نازي، ومحاولتها إخفاء هذا العار، ونال الفيلم، باستغراب نقديّ عام، الأسد الذهبي في مهرجان فينيسيا السينمائي الأخير. فيلم آخر يستعيد مرحلة تاريخية قاسية، هو “داو” للروسي إيليا خاردانوفسكي، حيث إحكام القبضة السوفييتية على المواطنين من خلال البحوث الطبية. وليس بعيداً عن روسيا، لكن في زمننا المعاصر، فيلم “مينوتور” للروسي أندري زفياغنسيف، الذي يكشف تقاطع الجريمة والسياسة في استدعاء الجنود الروس للحرب مع أوكرانيا، وقد نال الجائزة الكبرى في مهرجان كانّ. ودائماً في زمننا المعاصر، وفي مواضيع سياسية، كان للتركي إلكير تشاتاك حظه هنا، بفيلمه “رسائل صفراء” الذي نال الدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي الأخير، متناولاً تداخل مسائل الحريات العامة والحياة العائلية لمدرّس يخسر وظيفته بسبب آرائه السياسة. هو كذلك لم يكن من أفضل ما شهدته هذه الدورة من البرليناله. فيلم أخير نشير إليه هنا، يجمع بين التاريخ والمعاصرة، إذ يتنقل بين أكثر من جيل، في ما يمكن أن يكون تاريخاً لإسبانيا منذ الحرب الأهلية، هو “الكرة السوداء” للثنائي خافيير أمبروسي وخافيير كالفو، الذي نال في كانّ جائزة أفضل إخراج. أفلام أخرى لا مجال للحديث عنها، تقل أهمية عن غيرها، لكنها تخدم فكرة أن السياسة أولاً في هذه اللائحة، فيلم بجزأين عن شارل ديغول في الحرب العالمية الثانية، فيلم عن جنود بلجيكيين في الحرب العالمية الأولى، فيلم عن عودة الروائي توماس مان إلى ألمانيا بعد هزيمة النازية، فيلم عن حالة طلاق بين زوجين في عز الحرب الروسية الأوكرانية، فيلم عن حرب بين قريتين تركيتين، وغيرها مما لا تسعه هذه المقالة. من كل هذه العناوين، وغيرها، ندرك أكثر أن السياسة موضوع أوّل هنا، أكانت المسألة السياسية تاريخية أو معاصرة.
فإن لاحظ أحدنا من خلال مهرجانات هذا العام، ونحن نقترب من آخره، أن الغلبة في أفلام المسابقات الرسمية ثم في الجوائز الممنوحة، كانت للفيلم السياسي، بغض النظر عن نسبة السياسية فيه، فإن اللائحة القصيرة لجوائز الأكاديمية الأوروبية للسينما، تؤكد أن أوروبا، التي تلوح أكثر من حرب في أفقها، أوروبا التي تنقسم في انتخاباتها أكثر من أي وقت مضى بين أقصى اليمين وأقصى اليسار، أنها غارقة حتى أذنيها في القضايا السياسية الشائكة، وأنا تكثر من استعادات لأزمنة قاسية في تاريخها. السينما الأوروبية، على تنوعها، تثبت أن السياسة هي الموضوع الأثير، هي الانشغال الأول، في صالات السينما بقدر لا يقل عمّا نعرفه من نشرات الأخبار.
في ضفة ثالثة.
