1
اكتب تعليقُا

“المواطن أسامة”… الوثائقيات الغزية مصنعا للذكريات الناجية

ليس جديداً القول إن الفيلم الوثائقي، في الحالة الفلسطينية مثلاً، الغزية تحديداً، يقدّم مَشاهد حياتية لا تنقلها نشرات الأخبار ووسائل التواصل. لكن، مع كل فيلم وثائقي يخرج من غزة تحديداً، ندرك أكثر أن المقولة هذه متجددة، أنها ضرورية، أنها، بلغة البعض، فرض عين لا كفاية. بمعنى أن إنتاج أحدها لا ينفي قيمة إنتاج آخر، وأن الإكثار منها ليس بالضرورة تخمة، بل ترسيخ وتكثيف للمقولة ذاتها: أن الفيلم الوثائقي يقدّم مَشاهد حياتية لا تنقلها نشرات الأخبار.

يخطر لأحدنا ذلك خلال مشاهدة فيلم “المواطن أسامة” لأحمد حسونة، المشارك في مهرجان فينيسيا السينمائي الأخير، في قسم “خارج المسابقة”. فالفيلم يتتبع حياة أسامة، المصور الصحافي الذي يحلم بحالة المصور الفني خارج ظروف الحرب. أسامة يحمل كاميراته ليوثق الحرب الإبادية على غزة، الكاميرا بيد وطفله المولود حديثاً بيده الأخرى، مهموماً بما سيصوّره، وفي الوقت ذاته بطمأنة أهله لخروجه للتصوير. لكن فكرة تسيطر، يعبّر عنها تلقائياً، بتردادها، أنه يريد لطفله أن يحسن المشي في أقرب وقت، على الأقل قبل أن يضطروا للنزوح مجدداً.

نرى أسامة نازحاً، للمرة الثالثة عشرة، جارّاً بعض الأثاث، موثقاً بالكاميرا خروجه وعائلته من مدينة غزة. لكننا نرى كذلك ما يراه هو وما تصوره كاميراته، فعدسة الفيلم تلتقط موضوعَها، أسامة، كما تلتقط ما يلتقطه هو بعدسته. ليكون الموضوع هذا المصوِّر بقدر ما هو المصوَّر من قبَله. هذا ما يجعل للفيلم مكانة ملتبسة على المتفرج، فهل موضوعه أسامة أم أنه، أي الموضوع، موضوعَ أسامة كمصوِّر؟ يتداخل هنا موضوع الفيلم، أسامة، مع موضوع أسامة، غزة. في تماهٍ شديد الواقعية بين الفرد، أسامة، والجماعة، الغزيين، بين المكان الحميمي، بيت العائلة وفيه تصوير كثير، وبين المكان العمومي، الشوارع والخيام. هذا التماهي يوصل ما بين الفردي والجماعي، أي ما بين القصة الفردية والخبر الجماعي. فما تنقله الأخبار هو عن الجماعة، أعداداً مختفية تحت الردم وعائلات ممحوة عن السجل المدني. أما الوثائقيات فهي القصص، هي العدد واحد من هؤلاء المختفين والممحوّين. يُدخلنا الفيلمُ في همومٍ شخصية للفرد يتماهى معها المتفرّج، كهاجس أسامة في تعلّم ابنه المشي كي يستهلّ هذا الطفل الغزي أوّلَ مشيه في النزوح. لذلك أقول تحتاج غزة وثائقياً لكل مواطن فيها، كما هو حال “المواطن أسامة”.

إن فيلماً كهذا، وعموم الأفلام الوثائقية المصوَّرة في غزة خلال الأعوام الأخيرة، تُقدّم، كلٌّ منها ومن دون أن ينوب أحدها عن غيره، قصصاً فردية ضروريٌ حضورها، تكرارها، تراكمها، ترسيخها كحجارة تبني معاً عمراناً مجتمعياً متينا لا تبنيه الأخبار السريعة والفيديوهات القصيرة، ضروري حضورها لتمنح تلك الأخبار سياقاً إنسانياً، لتمنح لأرقام الضحايا التي يختصرها الخبر في عنوان برقم، لتمنحها خلفيات قصصية وتقريرية، فلكل طفلة غزّية أطفِئت عيناها قصّةَ الشهيدة هند رجب، واستحقاقاً بوثائقي أو روائي يحكي عن تلك العينين. تتماثل الحالة العامة لدى أفراد عاشوا زمان الإبادة في مكانها، لكنها، تتفاوت من فرد لآخر، من عائلة لأخرى، من تجمّع سكني لآخر. لتكون الوثائقيات الغزية متفاوتة بقدر ما هي متماثلة.

مهما كثرت الوثائقيات عن غزة في حرب الإبادة وبعدها، فإن الحاجة إليها تبقى ملحّة. محو الأثر العمراني والثقافي والاجتماعي لغزة خلال الحرب، يعجل من الوثائقيات التي تستعيد ما تمّ محوه، ولتلك التي توثق الحالات الفردية للناجين هناك، تجعلها حالةَ اضطرار، أقول إن ذلك ضروري وإن صار لكل ناجٍ من الحرب فيلماً يوثّق يومياته خلال الحرب وما بعدها.

ليس الفيلم بكائياً، وهذه ميزة أساسية فيه، يكفي أن ختامه كان بصورة ثابتة لأسامة، سيلفي مع عائلته، مبتسمين، أياماً من بعد إعلانٍ لانتهاء الحرب. صورة بمثابة الأمنية، لهذه العائلة الآمنة والكاملة، الناجية. لكن الفيلم، على طوله، كان بهذا التفاؤل الذي طبعَه أسامة على الفيلم. يمازح أباه الخائف عليه والمحذر إياه من الخروج من البيت، فالبيت آمن، يمازح إثر إصابة البيت بشظايا بأنه يستطيع إذن الآن الخروج للتصوير، فلا الطريق آمن ولا هو البيت. لا بكائيات هنا بل أغنيات وضحكات مهما صعبت، يتخللها خروج لأسامة فيصور أشلاء ودماراً كذلك بان عادياً في حياة الغزيين خلال الحرب.

الأخبار التي نشاهدها، بإلحاحٍ على معلومة ورقم، محت من أذهاننا فكرة أن لكل من هؤلاء قصصاً شخصية، والفكرة هذه ليست مسلَّم بها، بمعنى أنه “طبيعي أن يكون لكل من هؤلاء قصة شخصية”. التسليم بالأمر يجعله منسيّاً، الفيلم هذا وكل ما يخرج من قطاع غزة من وثائقيات، تجعل من الحالات وقائع وسرديات وذكريات، لا معلومات مسلَّم بها فتُنسى.

نقصَ الفيلم انعطافات، انحدارات يمكن أن تؤسس للفيلم الوثائقي، أن تجعل ما لحقها غير ما سبقها. لكن اليوميات الإبادية التي عاشها أسامة كانت، بتفاصيلها وفواصلها، لحظات انعطافية، نحن هنا في يوميات حرب إبادية، كل لحظة فيها أقرب إلى الانحدارية كما تكون في وثائقي آخر يتناول يوميات لا حرب في مَشاهدها، من تلك التي صوّرها “المواطن أسامة”، أو تلك التي صوّرها أسامه ذاته. لكن بنية الفيلم الوثائقية تبقى بحاجة إلى تصوير ما هو أعلى من خطّ سير اليوميات الإبادية، مهما كانت هذه اليوميات متوتّرة وأفرادها خائفون، ذلك لغاية تقنيّة حبكويّة تخصّ حالة المتابعة لدى المفترّج، احتاج الفيلم أن يزيد لأجلها مدّتَه، خارجاً عن أسامة ذاته في توسعة للعدسة إلى أصدقائه في محيطه، ظهر قليل منهم قبل أن يختفوا.

هؤلاء كذلك يحتاجون إلى توثيق لحالاتهم وحياتهم، بمَشاهد في هذا الفيلم أو بأفلام تامة غيره. وكل غزّي بحاجة إلى ذلك، لتكون السينما الوثائقية الغزية مصنعاً لذكريات جمعية نجت من الحرب، وباقية. هذا الفيلم واحد من حالات التوثيق، وكل وثائقي عن غزة كذلك، ولا اكتفاء منها مهما كثرت. هذا فقط ما يقاوم نسيان أثر الإبادة. قد لا ننسى الإبادة، أما أثرها فيبقى في الذاكرة بفعل الوثائقيات.

ليكن هذا الفيلم مثالاً آخر على ضرورة التوثيق في غزة، على أهمية ذلك، لا لقيمة ندركها اليوم وحسب، في المباشَرة بإيصال حالات فردية منقولة تقريرياً  في السينما ضمن الحالة الجمعية المنقولة إخبارياً في التلفزيون. بل، وهو الأهم، لما يمكن أن تشكّله هذه الوثائقيات من وثائق، من أدلّة للتاريخ سنبقى بحاجة إلى كل جديد فيها، إلى تراكمها، سنبقى بحاجة إلى إلحاحها. فهذه الوثائقيات بمثابة ذكريات لم تُمحَ. وهي، مسجَّلةً، لن تُمحى.

في ضفة ثالثة.

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب مقالات في النقد السينمائي والثقافي. له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.