قليلة هي الأفلام التي تحيا، بل تبقى مرجعية، وتبقى الحاجة إليها، إلى الرجوع لا لمشاهدتها وحسب بل لدراستها، لاكتشاف جديد فيها يكون راهناً ربما، تبقى، الأفلام هذه، نادرة. أحدها، بل واحد من أبرزها، هو فيلم يشهد هذه الأيام بالتزامن مع مهرجان فينيسيا السينمائي، عيدَه الستين. فيلم “معركة الجزائر” الذي نال عام ١٩٦٦ الأسد الذهبي في المهرجان الإيطالي.
لا أقول إن أحدنا لا يمل من إعادة المشاهدة لهذا الفيلم، بل إنه لا يمل من استعادة حالة ثورية متجددة يقدمها الفيلم، وليس الحديث هنا عن ثورة عربية ضد مستعمر أوروبي، وحسب، وإن كان لهذه إسقاطات لا تبطل، فلسطينياً ولبنانياً اليوم تحديداً، بل حديث عن كل رفض ثوري لأي شكل من الاضطهاد، زماناً ومكاناً.
فيلم الإيطالي جيلو بونتيكورفو حالة خاصة سينمائياً، فلا فيلم آخر كان بالدرجة النضالية، وهذا توصيف سينمائي، وثورية، وهذا توصيف سياسي، ذاتها مع الدرجة الفنية التي أهلته لا للمشاركة في المسابقة الرسمية للموسترا في فينسيا، بل حتى لنيل جائزته الأولى، في احتفاء تكريمي تناله أفلام قليلة. في واحدة من جوائز كبرى أقل. هذا الازدواج يحمل الفيلم على جناحين: فيلم ثوري من نوع السينما الثالثة، وفيلم فني من نوع السينما الثانية.
يصور الفيلم يوميات من الثورة الجزائرية، بل من العمل المسلح، حرب العصابات التي خاضها الجزائريون ضد مستعمرهم الفرنسي، وتوحّشه. تتخلل اليوميات عملياتُ المقاومة المسلحة، تهريب العبوات المتفجرة مع النساء المتحجّبات لذلك أو المتنكرات كفرنسيات لذلك كذلك. الاشتباكات المباشرة، التخفي، وأهمها: التخطيط لكل ذلك، فالثورة هنا ذكاء ودهاء قبل أن تكون مواجهة. وهذا من بين ما جعل من الفيلم مرجعاً في السينما الثورية على أنواعها، روائية ووثائقية.
الفيلم روائي تام، لكن، كي نعود إلى إشارات أعلاه، كالنوع النضالي الذي قاربه الفيلم، وهذا النوع يكون بسينما وثائقية لا روائية، والتصوير شديد الواقعية لما ذكرته أعلاه، وكذلك لعمليات التعذيب الذي يستلذ بها الفرنسيون، كان كله بتحقيقٍ واقعي، حقيقي، وزادت طبيعة التصوير بالأبيض والأسود من أثر الضوء والظلال الطبيعيين، وقد اعتمدهما الفيلم في ترسيخ لوثائقيته، ما جعل للمَشاهد هيئة الأخبار، أو “النيوزريل” في ذلك الزمان، أي الجريدة الإخبارية السينمائية. أما الاعتماد الأساسي على هواة، غير ممثلين محترفين، فهو ما أضاف به بونتيكورفو جرعته الوثائقية، جميع الممثلين تقريباً كانوا هواة باستثناء مؤدي دور الضابط الفرنسي، الممثل جان مارتان، قادماً من خلفية مسرحية سمحت له بتقمص البرود والقساوة، من خلال شخصية تظهر اليوم، بعد ستين عاماً، كاريكاتورية لضبّاط جيوش فاشية كما ترسخت، أو ساهم الفيلم بترسيخها، في أذهان المشاهدين، كالذقن الحليقة والوجه العظميّ والنظارات الأفِياتر كالتي يرتديها “رامبو” الأمريكي قاتل الفيتناميين، والبيريه كالتي يرتديها مجرمو الحرب من الجيش الإسرائيلي. هذه كانت صورة الكولونيل الفرنسي، في نوع من سخرية أزلية تجاه الاستعمار الفرنسي آنذاك، ومن خلاله عموم المشاريع الإمبريالية اليوم.
لكن ما زال للفيلم إمكانية أكبر في موثوقيته ووثائقيته، في حقيقيّته، إذ قام ياسف سعدي، وهو أحد قادة جبهة التحرير الوطني الجزائرية، بدور الهادي جعفر، الشخصية التي تجسده هو بنفسه، أو هو نفسه جسّد الشخصية السينمائية. أكثر من ذلك، فإن الفيلم مستمد من مذكرات سعدي نفسه.
هذه الواقعية الشديدة، التي حملت الفيلم على جناحَي الوثائقي والروائي، وهذه الموثوقية في التصوير، بما في ذلك الأسلوب الطبيعي في تصوير عمليات التعذيب، من دون واعز تجاري أو اعتبار سياسي يجبر المخرج على التخفيف منها، من دون تلطيف بالمونتاج يسمح ببعض التشويش أو المسافة عمّا يشاهده أحدنا، فحتى التصوير باللقطات الطويلة، بكاميرا محمولة على اليد، تهتز كما تتباعد الإطارات وتتقارب كأن لا خبرة لماسك الكاميرا بكيفية استخدامها، كأنه ضابط يوثق وحسب عمليات التعذيب، وكله دائماً مع طبيعيّة الإضاءة والظلال، زاد من واقعية الفيلم. زاد من احتمال حقيقيته، من كونه بشكله الروائي قد قدّم مضموناً وثائقياً.
مرفقة بالصورة، كانت الموسيقى حيث قرعٌ للطبول التقليدي وزغاريد النساء، للعظيم إنيو موريكوني، في بدايات مسيرته لكنها من بين أعماله الأكثر توتراً، لاضطرار التوازي مع المَشاهد المتلاحقة، لعمليات المقاومة، التكتيكات المتصاعدة والمتعقّدة مع الوقت، النار المتبادل، التفجيرات، الإضراب، الاعتقال. وكان لبونتيكورفو أسلوبه في تكثيف واقعيّة عمله، فقد كان يعيد تصوير بعض المشاهد لأكثر من عشرين مرة، قصداً، كي يصل الممثلون، ومعهم الشخصيات، إلى حالة إنهاك قصوى، فيكون أداؤها، التلقائي غير المحترف، متطرفاً في واقعيته. لا ينجو أحدنا هنا، خلال المشاهدة، من فترات سهوٍ يكون مدركاً خطأً فيها أنه أمام فيلم وثائقي لا روائي، أو أنه أمام نشرة إخبارية، أمام حقائق تاريخية.
أما مستوى الجرأة الذي ما عاد يراه أحدنا في السينما اليوم، فهو التحرر من الزيف الليبرالي، في اضطرارٍ تسويقيّ إلى إظهار نوع من تأنيب الضمير الاستتباعي لدى الجلّاد، أو ندم لدى ضابط متقاعد، أو إقحام شرطي الطيّب في هذه الميمعة يوازن زيفاً حضورَ الشرطي الشرير، أو غيرها من ملزمات الفيلم السياسي والحربي الغربي.
يتتبع الفيلم شخصيته الرئيسية، إبراهيم حجاج المنتقّل من التسكع في زواريب القصبة وحواريها إلى خنادق الثائرين ومخابئهم، من خلال حادث اضطهادي عنصري يبدو، سينمائياً، عَرَضياً، لكنه انعطافي في مسيرة الرجل كما هو في سير الفيلم. أحداث تمركزت في المدينة القديمة للعاصمة الجزائرية، في خمسينيات القرن الماضي، حين أعلن الجزائريون ثورتهم. هذا السياق المتماثل في التجارب الإنسانية، وذلك التنفيذ الواقعي، عالي الجودة، جعلا للفليم حالة المرجعية الفعلية لما هو خارج أطر السينما، ومساحة الفنون، عالمياً لا عربياً وحسب، ولدى المستعمِرين كما هو لدى المستعمَرين.
للفيلم أثر مرجعي ليس للعرب وحسب، فهو وإن نال استحقاقاً سينمائياً عالياً، بدءاً بالأسد الذهبي (وفبريسكي وجائزة مدينة فينيسيا)، ثم ثلاثة ترشيحات لجوائز الأوسكار، فقد حُظر رسمياً في فرنسا لثلاثة أشهر، وهو لم يُعرض هناك طوال خمس سنوات. لكن الفيلم، لاحقاً، دُرّس في الجامعات، والأهم، قامت حكومات غربية بتدريسه في أجهزتها الأمنية والعسكرية. وهناك من يشير إلى أن فرَقاً لكرة القدم قاموا بدراسته، إذ يصوّر الفيلم الخطة لدى المقاومين في حرب العصابات، دفاعاً وهجوماً. الأهم أن “معركة الجزائر” (The Battle of Algiers) تحول إلى دليل تدريبي لدى كل من “الفهود السود” و”الجيش الجمهوري الإيرلندي” و”جماعة بادر-ماينهوف”، وربما غيرها مما لم يُعرَف به لدى جماعات ثورية. كما أن البنتاغون نظّم عرضاً داخلياً خاصاً للفيلم عشية الغزو الأمريكي للعراق عام ٢٠٠٣، مع إشارات إلى أن وسائل التعذيب لانتزاع المعلومات كما صوّرها الفيلم، كانت واحدة من نقاط اهتمام القوى الإمبريالية المعاصرة.
