1
اكتب تعليقُا

“دعم الحياة”… الكارثة الغزية ولا شهود كالأطباء ★★★★☆

خلال الحرب الإبادية، أو أوجها، إذ لم تنتهِ بعد إلا بشكلها المباشر، تبقى الارتدادات الإنسانية والمعيشية لها، إضافة إلى مواصلة متقطعة لحرب جيش الاحتلال، تبقى إشارة دائمة إلى أن الممارسة الإبادية اتخذت أشكالاً أخرى، ارتدادية لا تقل قتلاً ودماراً، غير الشكل الحربي المباشر، خلالها إذن، رأينا في النشرات الإخبارية مستشفيات مدمَّرة، وجرى وقتلى، مرضى ومصابين، وسيارات إسعاف لا تهدأ.

هنا، في هذا الوثائقي، رأينا الجانب الآخر من المشهد الكارثي، أو ما خلف المشهد، رأينا الأطباء بوصفهم شهود. وليس الحديث عن “مؤثّرين” أطباء كما رأينا كثيرين من العرب الذاهبين إلى القطاع لما بدا صناعةَ محتوى من أرض الكارثة أكثر منه معالجةَ المصابين أو دعم المستشفيات. هنا، في هذا الوثائقي، أطباء لم يتسع لهم الوقت لصناعة محتوى على تيكتوك وانستغرام، أطباء بعضهم يعود إلى القطاع بعد زيارات تخللت الحروب، للمساهمة في دعم القطاع الطبي المتهالك منذ ما قبل الحرب الإبادية، والمتدمر من أيامها الأولى، إذ كانت المستشفيات، ثم الأطباء والعاملون الصحيون الفلسطينيون، على رأس أهداف جيش الاحتلال.

فيلم “دعم الحياة” (Life Support) للإيطالي دانييل روغو، والمشارك في مهرجان شيفيلد للوثائقيات هذا العام، يصور شهادات لمجموعة من الأطباء الدوليين، استطاعوا تخطي الحصار والإغلاق المفروضين على القطاع خلال الحرب، شارحين ما يحصل، باختيار دقيق للمفردات والتعابير، إذ لا يهوّل الطبيب بل ينقل الصورة بواقعيتها، وأحياناً تكون، لأنها مشروحة على لسان طبيب، أشد فظاعة مما يمكن لغيره، لصحافي، أن يصف هولَ ما شاهد.

يصور الأطباء يومياتهم في المستشفيات، ما عاينوه وما سيكونون شهوداً أبديين عليه، وهنا تكمن أهمية وثائقيات كهذه، نقل الشهادات الأكثر موثوقية وعلمية ومهنية بشكلها الواقعي ومن أرض الكارثة، من داخل المستشفيات. هذا ما ارتكز عليه الوثائقي وهنا تكمن أهميته الكبرى، إذ لا تحتاج الكارثة الغزية أكثر من دقة الوصف.

ذلك إضافة إلى مشاهد مصوّرة من داخل المستشفيات، إذ تنقّل الوثائقي بين الشهادات المروية، بإطار مقرَّب على أوجه الأطباء، بخلفيات حيادية لا تشوّش على الصورة المتخيَّلة، بينها وبين صور تدعم الخيال بالوقائع، فواقعية المُقال هنا تترافق مع مشاهد قد لا تختلف عما رأيناه في التغطيات والتقارير الإخبارية، والنقل الحيّ، والفيديوهات على وسائل التواصل، لكنها، هنا، كانت مشاهد مشروحة بكلمات منتقاة بدقة، بمهنية لم تكن بحاجة لانحياز عاطفي أمكن له، إن وجد، أن ينال من بعض الموثوقية. لا حاجة للتهويل هنا، الكلام بشكله المباشر، لشهود من الدرجة الأولى، كان كافياً لنقل ما حصل ويحصل.

بعض المشاهد كانت لهؤلاء الأطباء الدوليين من داخل المستشفيات الغزية، التقطها أصدقاء وعاملون في القطاع الصحي، بعضها كان لتحضيرات الأطباء للذهاب إلى غزة، إذ رافقهم التصوير منذ ما قبل دخولهم القطاع، ليعود إليهم مع شهاداتهم إثر خروجهم منه. إحداهم، وهي جراحة ترميم، وصلت إلى غزة برفقة ٢٣ حقيبة سفر ملأتها بالأدوية والمعدات الطبية، قالت إنها ما إن أعلنت عن ذهابها استقبلت كل ما ملأ هذه الحقائب، معظمها وصل من إيرلندا، تقول. ثم، في زيارتها التالية، لم يسمح لها الاحتلال سوى بإدخال حقبة واحدة معها.

شهد قطاع غزة عدداً جيداً من الوثائقيات في الأعوام الأخيرة، هذا أحدها. وثائقيات صنعها أجانب لم يكتفوا، مع فريق العمل، بالتصوير في أمكنة مريحة وآمنة، بل كانوا هناك، تحت النار، ومن دون أن يتحولوا إلى نجومٍ تيكتوكيّين. كانوا تحت النار إما من خلال عاملين على الفيلم أو مساهمين أو شهود من هناك كانوا في حالتنا هذه أطباء،  ولعل هذه المقاربة، أي شهادات الأطباء، هي الأجدى في المقاربة الأجنبية لقطاع غزة، مهما بلغ وعي صانع الفيلم ومهما علا سقف تضامنه. وهذا مخرج لم يأتِ للتضامن بالصدفة، يكفي لذلك الإشارة إلى فيلمه الأسبق، “بحر وتراب” (٢٠٢٣)، الذي كتب نصّه النثري الروائي إلياس خوري، متناولاً أحوال لبنان ما بعد الحرب الأهلية من خلال المقابر الجماعية.

لا تكمن أهمية هذه الوثائقيات في كمّها، وإن كان الكم ضرورياً، فهذا هو الوقت تماماً لتسجيل الشهادات، ومن أصحاب المهنة الصحية والطبية، هو القطاع الأكثر استهدافاً في الإبادة. بعد سنوات قليلة سيخفّ جدوى الوثائقيات الشاهدة، بعد عقود ستكون مستحيلة. نحكي هنا عن كارثة نكبوية، يتحسر أحدنا اليوم على الكم القليل، وسيكون دائماً قليلاً، للشهادات منذ النكبة عام ٤٨، مروراً بمجازر منها تل الزعتر وصبرا وشاتيلا وجنين واليرموك وغيرها. تبقى الشهادات قليلة، تبقى الحاجة كبيرة، أما الكلام عن عدم لزوم ذلك لأن الإعلام ووسائل التواصل تضمن ذلك، فينمّ عن جهل ولامبالاة. يتذكر أحدنا كيف محت يوتيوب في يوم واحد، عام ٢٠١٧، آلاف الفيديوهات التي تثبت جرائم الحرب المرتكبة في سوريا، مبررة ذلك المحو بالخطأ التقني.

عموماً، الوثيقة البصرية الأمثل لجرائم الحرب هي الأفلام الوثائقية، المعدَّة بحرفية، والأكثر موثوقية في ذلك ستكون بالشهادة من موقع المهنة (المستشفيات) وموقع الحدث (غزة)، ستكون على ألسن الأطباء من داخل الكارثة. إن كانت الحرب الإبادية قد استهدفت المستشفيات قبل غيرها، فإننا في المقابل، ندرك أن الوثائقيات التي تنطلق من تلك المستشفيات هي الأكثر كشفاً للحال الصحي والطبي والإنساني في غزة. هناك حيث المستشفى كله أو ما تبقى منه تحوّلَ إلى غرفة طوارئ، هناك حيث حالة الطوارئ امتدّت لثلاث سنوات. هناك حيث يمكن لأهوال الكارثة أن تكون بيّنة وواضحة بشكلها الدقيق واللازم، تماماً كما يصفها أطباء شهود.

في القدس العربي.

الوثائقي «دعم الحياة»… الكارثة الغزية ولا شهود كالأطباء

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب مقالات في النقد السينمائي والثقافي. له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.