خاضت صالة السينما “لا كليف” (La Clef) الباريسية، لسنوات معركة ضد إغلاقها، واحتلّها بشكل “غير قانوني” ناشطون ما بين ٢٠١٩ و٢٠٢٢، رفضاً للإغلاق، وصارت السينما رمزاً للمقاومة الثقافية في الحي اللاتيني وعموم العاصمة الفرنسية، بل ربما في العالم السينمائي من بعد فيديو للمخرج الأمريكي مارتن سكورسيزي يدعو لدعم السينما، خاصة أنها صالة السينما الفرنسية الوحيدة التي تعود لجمعية أهلية لا لشركة تجارية.
ثم في عام ٢٠٢٤ تمكن الناشطون من شراء المبنى بعد حملة تعبئة في البلاد، من خلال صندوق “إحياء السينما” الذي أسسوه لذلك، لتعيد الصالة أخيراً فتح أبوابها في كانون الثاني/يناير هذا العام. وكانت مثالاً لا لإمكانية افتتاح أو إعادة افتتاح صالات سينما في المدينة، وحسب، بل لحقيقة أن نشاطاً مجتمعيّاً وثقافياً يمكن أن يودي لذلك.
في العالم السينمائي، تمتاز باريس بدُور السينما المستقلة، كمّاً على الأقل إن لم نقل نوعاً، تلك المسمّاة دُور أو صالات “الفن والتجربة”. للمدينة إذن صالاتها الصغرى، تلك المنتشرة بكثرة، مثل بارات الأحياء، ولها مكانة هذه البارات، فلكل حي تقريباً صالة سينما، وإن تمركزت الصالات في أنحاء أكثر من غيرها في باريس، كالحي اللاتيني. لهذه الصالات المستقلة نوعان من الجمهور، كأيّ مقهى في أيّ حي، ذلك المحلي المخلص المداوم، وذلك القادم من بعيد، والمرتاد عادة لأكثر من صالة.
في وقت لا يزال أحدنا يقرأ أخباراً عن موت الصالة، عن إغلاق صالات سينما لأن المشاهدين يبقون في بيوتهم أمام التلفزيون وأفلام منصات البث التدفقي، إغلاق لاستثمار مبانيها في ما هو أكثر ربحاً، في هذا الوقت إذن، شهدت باريس خلال العام افتتاح ثلاث دور سينما، “لا كليف” في الشتاء، وأخيراً، هذا الصيف، “سي ناي” (CiNey) و”سان جيرمان دي بري” (Saint Germain des Prés)، في إضافة إلى صالات “الفن والتجربة” الثماني والثلاثين الموجودة في المدينة. لكن لكل من الصالتين الجديدتين قصة “نجاة” لا تبعد كثيراً عن تلك التي استهلَّت بها المقالة.
قرب مونتمارتر، شماليّ باريس، حيث لا تكثر الصالات، بخلاف وِسطها في الحي اللاتيني، افتتحت سينما “سي ناي” في مبنى كان لسلسلة متاجر معدّات منزلية، وهو خطٌّ معاكس لما هو مألوف، إذ تُغلق السينما عادة لفتح متجر لسلسلة كبرى، كما كان حال صالة تاريخية في باريس هي “غومون-بالاس” التي افتتحت عام ١٩١١، وكانت أكبر صالة سينما في العالم آنذاك، حتى إغلاقها العام ١٩٧٣. وصار في الموقع ذاته اليوم متجرٌ لسلسلة متاجر أخرى من المعدات المنزلية ومواد البناء.
تقع سينما “سي ناي” في الحي ذاته تقريباً لتلك الصالة التاريخية السابقة، ما بدا في افتتاحها ردَّ اعتبار لها. هي صالة أقرب إلى “لا كليف” في طابعها الاجتماعي، والمندمج مع الحي، خاصة أنها، “سي ناي”، تقع في منطقة بعيدة، على طرف العاصمة، هناك حيث يكون المجتمع أكثر تنوعاً، عرقياً وطبقياً ولغوياً. فإن كانت “لا كليف” تجعل التسعير حراً، ليدفع كل زائر ثمن تذكرته بما يراه مناسباً، فإن “سي ناي” تشمل، كغيرها، مطعماً وباراً، لكن كذلك متجراً تضامنياً، وقاعة مخصصة لمرحلتي ما بعد الإنتاج وتصحيح الألوان للسينمائيين، ما يجعلها أوسع من صالة نشاهد فيها فيلماً ونغادر. وكما أن في “لا كليف” ناشطون يساهمون في البرمجة، فإن “سي ناي” تشرك المجتمع المحلي في ذلك، ومن غير الناشطين أو المختصين بالضرورة، مع اهتمام ببرمجة مختلفة عن التجارية السائدة، منها ما هو مخصص للأطفال واليافعين، ومنها المهتم بالسينما العالمية ومن بينها العربية.
أما الدار الثالثة فذات تاريخ متعدد، هي “سان جيرمان دي بري”، وهي كذلك ذات قصة نجاة، أو ذات معارك للسينما في احتلال مواقع في المدينة، تنافسها عليها مشاريع تجارية مختلفة الاتجاهات. فبمنى هذه الدار كان ملهى ليلياً قبل أن يتحول إلى سينما بالاسم نفسه للملهى عام ١٩٦٩، وكانت السينما المفضلة للمخرج إريك رومير. وبقي المبنى سينما وتعاقبت عليه الأسماء قبل أن يتحول إلى قاعة مخصصة حصراً للمناسبات الخاصة في الأعوام الأخيرة. ثم، هذا العام، عاد ليكون صالة سينما مستقلة.
تقع “سان جيرمان دي بري” وسط الحي اللاتيني، وهو ما يحدد طبيعة جمهورها. فإضافة إلى مرتادي القاعة القدامي، هم من الطلاب إذ تكثر هناك المعاهد والكليات، ومن السيّاح لأن الحديث عن وسط باريس، ما يشجع على منح مساحة أكبر لأفلام أجنبية، بلغة إنكليزية تحديداً.
وكعموم دور سينما “الفن والتجربة” الباريسية، تمنح هذه الدار مساحة للنقاشات، والعروض الخاصة، والتعاون مع مهرجانات محلية وصغيرة ومخصصة. لكنها قد تتميز بإقامة معارض فوتوغرافية كذلك، وهو حال معرض لصور كواليس فيلم “حتى آخر نفس” (١٩٦٠) لجان لوك غودار، تقيمه بالتعاون مع صالة أخرى ومستقلة، في الحي. أما آخر ما قدّمته في برنامجها الموازي للعروض، فهو درس (ماستركلاس) يقدّمه المخرج الياباني هيروكازو كوري-إيدا. وهذه إشارة إلى أن الصالات المستقلة ليست أقل شأناً سينمائياً، من حيث الضيوف مثلاً، من سلاسل الصالات الكبرى مثل “باتيه” و”UGC” وحتى “MK2″، وهذه الأخيرة تقع ما بين السلاسل الكبرى والسينما المستقلة.
الكلام عن موت السينما، عن هجرة الصالة، عن تحول مباني كانت عامرة بالأفلام وقصصها، إلى فروع لسلسلة متاجر كبرى، والكلام عن الانتقال إلى الشاشات الصغيرة، تلفزيونات وتليفونات، هو كلام في شائع ومشروع. لكن، بمعاكسة للتيار السائد، لا تزال في مدينة كباريس ثلاثة أمثلة نقيضة، ثلاثة دور سينما افتتحت في عام واحد، ولم يكن مشوارها سهلاً. كان افتتاحها حالة نجاة.
ليست كراسي هذه الدور مريحة عادة، لا يهم. كما أن حجم الشاشة أصغر منه في معظم الدور الأخرى الكبرى، لا يهم. ولأن معظمها يكون في مبانٍ عتيقة، بعض الصالات تكون بمساحة صغيرة، ولا ترتفع فيها، عادة، المقاعد على مدرجات بل تكون بمستوى واحد أمام شاشة عالية، لا يهم. لعله في هذه الصالات قال جان لوك غودار مرة إنه “عندما نذهب إلى السينما فإننا نرفع رؤوسنا، وعندما نشاهد التلفزيون فإننا نخفض رؤوسنا. يمكن أن نضيف اليوم أننا عندما ننظر إلى التليفون فإننا نزيد من خفض رؤوسنا.
