1
اكتب تعليقُا

استعادة فرنسية لجاك تاتي: الطفولة بوصفها سخرية لاذعة

في تاريخ السينما أسماء لمخرجين مؤلفين باتوا أعمدة له، بمسيرة فيلميّة تراكمت لتكون فصلاً كاملاً من هذا التاريخ. لكن لا يعني ذلك أن هذه الأسماء أسّست أو مثّلت بالضرورة تياراً أو أسلوباً خاصاً صار له مريدون. فعظمَة الإنتاج لا تعني بالضرورة استمرارية الأسلوب لدى تابعين لاحقين.

لكن، إلى جانب ذلك، شهد التاريخ ذاته مخرجين مؤلفين استطاعوا أن يكونوا روّاداً أو مجدّدين في أسلوب بعينه، من دون أن يكونوا بالضرورة أعمدة وأساسات لهذا التاريخ. لهم امتيازهم في الأسلوبية وتناسخِها وبالتالي استدامتِها، وانتشار تأثيرها في عموم التاريخ السينمائي. الفرنسي جاك تاتي يجمع بين هؤلاء وأولئك، ليكون من خلال مسيرته عموداً أسلوبياً في هذا التاريخ.

في السينما العربية، يُذكر جاك تاتي في أحاديث عن المخرج الفلسطيني إيليا سليمان، بل تحضر هذه الإحالة لدى الفرنسيين أنفسهم، إذ سمّت مجلةٌ قبل أعوام سليمان بـ “تاتي الناصرة”. وإن لم يكن تاتي مؤسساً بل مجدد، إذ سبقه في هذا الأسلوب الأمريكي بستر كيتن، لكن تاتي، وكذلك حال سليمان في طبعته الفلسطينية، منح طبعةً فرنسية ابنة زمنها، في الربع الثالث من القرن العشرين، حيث السلوك الاستهلاكي والرأسمالية المنفلتة، في أوجها.

عاد جاك تاتي إلى الواجهة في شهر تموز/يوليو الجاري، بثلاثة مسارات إذ عُرضت أعماله الكاملة، وهي ستة أفلام مرمَّمة حديثاً ولأول مرة بجودة 4K، في كل من مهرجان لاروشيل الفرنسي، بدورته الرابعة والخمسين، وبرنامج العروض الاستعادية في السينماتك الفرنسية، ومن بعد المهرجان والسينماتك وصلت الأفلام الروائية الطويلة الستة التي أنجزها تاتي بين عامي ١٩٤٩ و١٩٧٤ إلى الصالات الفرنسية.

تاتي فريد في تاريخ السينما بما يُعرف بالكوميديا الجسدية (السلابستيك أو التهريج)، بمَشاهد تعتمد في الإضحاك على الحركة والإيماءة (البورليسك)، وفيها يكثر سوء الفهم الجسدي والسقوط والتعثّر، ولا حوارات. هو فريد لأن التهريج هنا أنيق ولبق، لا عنف فيه كما هو الحال مع تشارلي تشابلن وبستر كيتن مثلاً. وهو سينمائي شديد الانتقاد، بخفّة، للرأسمالية، وبما يبدو سذاجة شعرية، كسلوك طفل يسخر من قوانين الكبار واعتباراتهم، كأن ضحكة الطفل مجاز. وكما أن كل ذلك يعتمد أساساً على الصورة، فإن للتأثيرات الصوتية المركَّبة في أفلامه، دورٌ سردي وانتقادي تماماً كما للصورة والحركات. شكّل تاتي مرحلةً جديدة لهذا النوع السينمائي. كان، لصمته أساساً، مراقباً للتحولات الرأسمالية في بلاده في زمن ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث غزت البضاعة والثقافة الأمريكيتين، السوقَ والسلوكَ الأوروبيين. هي ليست مراقبة المتفرّج بل الساخر المستهزئ.

يلعب تاتي على التفاصيل لهذا المجتمع الحداثي، بل يلعب فيها، ويحدق في هذا التحوّل بعين مرحة لطفل يضحك على ما لا يفهمه. ولأفلامه، الأقرب إلى المعلّم الأول لهذا الأسلوب بستر كيتن، طابع هندسي مدهش، كل إيماءة محسوبة في تصميم كوريوغرافي يملأ كامل إطار الصورة، كأنه قائد أوكسترا موسيقية أمام آلات لا تكون موسيقية بل الكترونية وكهربائية، وأثاث وأزياء وسيارات ومبانٍ، تحديداً كما في ثلاثيته الرؤيويّة والمتكاملة: “خالي” (١٩٥٨)، “وقت اللعب” (١٩٦٧)، “مرور” (١٩٧١).

نال تاتي جوائز عديدة، من بينها جائزة سيزار شرفية عن مجمل أعماله عام ١٩٧٧. لكن ما يدوم فعلاً، وما يتخطى هذه التكريمات، هي مكانته التأسيسية لأسلوب سينمائي يجعل من الصمت حالة انتقاد لاذعة، ويجعل من السخرية سلاحاً لتفكيك ماكينات عملاقة استحدثها المجتمع الصناعي، المتقدّم كقطار ساحق شاقاً طريقه، وذلك منذ أول أفلامه “عطلة السيد هولو” (١٩٥٣).

في الستينيات، في فيلمه “وقت اللعب” تحديداً، سخر تاتي من السياحة الجماعية، من مجتمع الترفيه، ومن عولمة الناس والمجتمعات في ثقافة أمريكية استهلاكية. وفي آخر أفلامه قدّم خاتمة لهذه السخرية، كأن فيلمه “عرض” (١٩٧٤)، كان مزاحه الأخير المهادن، المتعب، متواضع إذ لا طاقة لتاتي، كأن الفيلم إشارة منه إلى أن النكتة تفكِّك في حينها، إنما الاستهلاك أقوى من السخرية، الرأسمالية أقوى من السينما. العولمة الأمريكية أقوى من ساعي البريد على دراجته الهوائية، وأسرع.

أفلام جاك تاتي الستّة

الأفلام الستة المرمّمة حديثاً والتي استعادت تاتي في فرنسا هذه الأيام، هي “يوم العيد” (JOUR DE FÊTE)، أول فيلم روائي طويل له، وأول تحفة له في الكوميديا الهزلية، أنجزه بين أصدقائه في إحدى القرى الفرنسية. ينقل الفيلم تغيُّر الحياة الهادئة القروية مع وصول أصحاب الملاهي المتنقلة، وهم ينجحون في إقناع ساعي البريد بأنه بطيئ، وبات عليه أن يسرّع وتيرة عمله وأن يقوم بجولته “على الطريقة الأمريكية”. الفيلم نوع من “الواقعية الجديدة” الفرنسية غير المكتملة، إذ انطلقت “الموجة الجديدة” بعده بعشرة أعوام، وغيرت عالم السينما برمّته. نال جائزة أفضل سيناريو في مهرجان فينيسيا السينمائي.

يليه فيلم “عطلة السيد هولو” (LES VACANCES DE M. HULOT)، وفيه الظهور الأول للشخصية المحورية في عمل تاتي، السيد هولو، خلال عطلته على شاطئ البحر. السيد الحذر واللبق واللطيف جداً، والعفوي، يتسبب لسماته هذه بمفارقات مربكة إنما طريفة. للمؤثرات الصوتية والموسيقى في هذا الفيلم مكانة مركزية، لها دور في سرد النكتة، تأخد مكان الحوار في فيلم صامت بمعظمه. نال أوسكار أفضل فيلم بلغة أجنبية، وقبلها جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان كان السينمائي.

ومع فيلم “خالي” (MON ONCLE) انطلق تاتي إلى مرحلة جديدة في مسيرته. هو أول أفلام تاتي بالألوان، وفيه يعبّر عن تعاطفه مع الطفولة والكلاب والأحياء الشعبية مقابل حداثة الكبار البرجوازيين، ساخراً من الفكرة البرجوازية الاستهلاكية لشكل النجاح الاجتماعي، في عالم لا يكف عن التحوّل والهدم والبناء. في الفيلم يزور السيد هولو شقيقته وزوجها وابنها، في بيتهم المعقَّد وفائق الحداثة. التناقضات تبرز مع مكان سكنه، في الطابق الأخير من مبنى متهالك في ضاحية باريسية. بالنسبة لهم، عليه إيجاد وظيفة حقيقية وزوجة حقيقية وبيت حقيقي.

أما فيلم “وقت اللعب” (PLAYTIME)، فهو الأكثر نضوجاً من بين أعماله، وفيه يدفع الحدود الإنتاجية إلى أقصاها، من مدة التصوير إلى كلفة الديكورات وحتى خسائره المالية، من أجل ابتكار أشكال استثنائية لتصوير مراقبته لهذا العالم المتهاوي، حيث العولمة متفشية والهويات متماهية. في هذا الفيلم اندلاع للصوّر والخيال في تأسيس العالم المستقبلي، إلى درجة جعلت من السينمائي فرانسوا تروفو يصفه بكونه “أول فيلم مريخي في تاريخ السينما”. نال جائزة أفضل إخراج في مهرجان موسكو السينمائي.

في فيلمه “مرور” (TRAFIC) يكمل السيد هولو مغامراته مع الحداثة، أو يكمل تاتي سخريته منها، وذلك في سياق معارض السيارات والشوارع المزدحمة، السيارات بأشكال وألوان، بوصفها سلعاً توائم أذواق مستهلكيها. سيقدم السيد هولو هنا نموذجاً أولياً لعربة تخييم من تصميمه، إلى معرض سيارات، وتندلع المفارقات. يصور تاتي هنا “مجتمع السيارة” بوصفه مسرحاً ميكانيكياً، وذلك بعد ٤ أعوام من المشهد التاريخي للاختناق المروري الهائل في فيلم “ويك-إند” لجان لوك غودار. فيلم ينحاز إلى الطرق المتعرجة والمسالك الجانبية، لا الشوارع المعبّدة والخطوط المستقيمة.

ينهي تاتي مسيرته بفيلم “عرض” (PARADE)، بالعودة إلى هواه الأول، حلبة السيرك وقاعات العروض. الفيلم البسيط صُوّر في سيرك ستوكهولم ولصالح التلفزيون السويدي، باستخدام كاميرا فيديو، مبني على عروض الإيماء التي صنعت شهرةَ تاتي بوصفه سينمائياً. هنا قدّمها في عرض، نقية من عمليات الإنتاج السينمائي، حيّة وتلقائية حقيقية من دون مؤثرات. هنا في ختام مسيرته، يعيدنا إلى بداياته، الإيماءات الطفولية للسيد هولو، مداركه الساذجة، أفعاله الطريفة. هنا احتفاء ختامي بالخيال الخلّاق والملوّن والطفولي، الساخر دائماً.

في ضفة ثالثة.

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب مقالات في النقد السينمائي والثقافي. له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.