اختيار أحدهم أن يحمل الملحمة الشعرية الإغريقية “الأوديسة” إلى شاشة السينما، هو انتقاليٌّ بحدَّة، إما أن يكون سقطة، أو ارتقاءً وهي حالتنا هنا. فهذا أعظم فيلم إلى اليوم تناول الملحمة أو أياً من مفاصلها وفصولها. وأمرٌ كهذا كان ينتظر مخرجاً مثل البريطاني/الأمريكي كريستوفر نولان، صاحب أفلام سابقة كان كلٌّ منها امتيازاً خاصاً بذاته، وإن تفاوتت.
كي ندرك، أفضل، مكانة العمل الجديد لنولان، “الأوديسة” (The Odyssey)، أقول إنه وإن أتى من بعد “أوبنهايمر” (أوسكار أفضل فيلم، ٢٠٢٤) و”دنكيرك” و”إنسبشن” و”إنترستيلار”، إضافة إلى ثلاثية “باتمان”، فإنه أوّل فيلم عظيم لنولان، وإن ما سبقه كان تمهيداً لهذا الفيلم الذي قطع الشكّ في التداول حول العمل الأكثر استحقاقاً في تاريخ السينما لملحمة هوميروس اليونانية الإنسانية العظمى.
هذه المكانة للفيلم لم تأت منقطعة عن السيرة الفيلمية لنولان، نصّاً وتقنيّة. ونحن وإن كنّا أمام قصة شعرية، ملحمية، فإن تحويلها إلى فيلم يمنح جانباً أعلى للتأثيرات البصرية والمؤثرات الخاصة، للتصوير البانورامي الشاسع، للمونتاج الموازي ما بين ذلك التصوير بلقطاته الهادئة التأملية في طبيعة سماواتيّة، وبين الحروب والمعارك بلقطاتها المتقاطعة. وهو مونتاج يوازي بين كل ذلك، كذلك، وبين السرد وهذا ما يحيلنا إلى الجانب الآخر من المكانة العالية لهذا الفيلم، فالسرد هنا كذلك لم يأت منقطعاً، بل بدا نولان يتدرّب في أفلامه السابقة ليصل إلى أسلوب سردي بالكلام والمونتاج، تتقاطع فيه الذكريات والأحلام والاسترجاعات، والحدث الراهن. العالم مبهور ببصريات هذا الفيلم، تحديداً بمشاهدته على شاشة IMAX (ويا ليتها بشاشة IMAX 70mm) لكونه صُوّر بكاميرا هذه التقنية، بل هو أول فيلم يُصوَّر كاملاً بهذه التقنية، لكن الإبهار الموازي كان كذلك في أسلوب السرد المتقاطع، المحتوي بعضه لبعضه الآخر.
نحن هنا في زمن راهن لأوديسيوس (مات ديمون) أسيراً لدى الساحرة كاليسبو (تشارليز ثيرون) التي تريده خالداً معهاً مستلذاً، وهو يصرّ على العودة إلى ملكته ومملكته. يحكي لها، ولنا، كيف وصل إليها تائهاً، نسمعه وكذلك نشاهد ما حصل، لكننا كذلك نشاهد ما كان يحصل في مملكته، إيثاكا، بالتزامن مع حكيه للساحرة. خلال هذا التزامن سيبحث ابنه عنه أو عن جثته، أبحر إلى إسبرطة وهناك سيقول إنه لم يعرف برحلته هذه أين أباه لكنه عرف من هو، وذلك من خلال قصص كذلك سنشاهدها. هذه خطوط سردية مبعثرة زمانياً وستلتقي عند عودة أوديسيوس (أو بالترجمة العربية: عوليس) إلى إيثاكا متنكراً قبل أن يكشف عن هويته، ليستعيد مملكته من الخطّاب الذي يحومون كالضباع طلباً ليد زوجته وبالتالي العرش.
أحلام وذكريات واسرتجاعات تمرَّن عليها نولان في أعماله السابقة لتكون في هنا في قمتها، لعبٌ مرنٌ بالزمن، بطريقة التعبير عنه كلامياً وبصرياً. هذه مهارة لنولان وهو من بين الأفضل في الموازاة، في الوقت ذاته وبالدرجة ذتها، بين جماهيريته لأفلامه ذات الميزانيات والإيرادات الضخمة، هو البعيد تماماً عن المهرجانات السينمائية، وبين فنّيته إذ وضعَ في أفلامه هويته التي نمت مع كل فيلم لاحق، ليكون كذلك وتماماً مخرجاً مؤلفاً لأفلام لم تحُل تقنياتُها العالية وجماهيريتُها الشاسعة دون علوٍّ فنّي وسردي. وهذا الكلام يخصّ فيلمه الأخير تحديداً. وبتخفيف منه يكون ملائماً في الحديث عن أعماله السابقة. نحن هنا، رغم جوائزه كلها، أمام أوّل فيلم عظيم لنولان.
يبدأ “الأوديسة” بمجسم خشبي للحصان منغمساً على شواطئ طروادة، مجسم بارع وهائل، ناهض على قدمين وليس كاريكاتورياً واقفاً على دواليب كما صورته السينما إلى حينه، حصار خشبي بهيئة تمثال هائل من الرخام. الحصان حاضر في مشاهد موزّعة على طول الفيلم، مع غيرها جعلت جميعها من الفيلم سلسلة لا تنتهي من مَشاهد متصلة منقطة كلٌّ منها إبهار بحد ذاته. الحصان في أول مشاهد الفيلم كما في إنزال المقاتلين منه في منتصفه كما في تحطّمه حرقاً خلال احتلال مدينة طروادة من بعد حصار لعشر سنين.
لا تكفي هذه الأسطر لسرد “فداحة” مشاهد كهذه، بمعزل عن ربطها فيما بينها، أما الربط فهو واحد من أسباب علوّ هذا الفيلم وامتيازه. وإن حفظناه عن ظهر قلب، يبقى المشهد الأخير عند كشف أوديسيوس عن هويته، حابساً للأنفاس، هو كذلك في عموم الأعمال السينمائية والتلفزيونية التي تناولت هذه الملحمة، وذلك بسبب التصاعد التراجيدي الذي أوصل إليها، بعد غياب لعشرين عاماً عن مدينته إيثاكا وزوجته بينلوبي (آن هاثواي) التي بقيت تنتظره، وكان هنا، مشهد العودة، في أرقى تمثيلاته. العودة هذه هاجس سينمائي لدى نولان، نراه في أفلامه المذكورة أعلاه، عودة من بعد رحلات ملحمية، من بعد حروب ملحمية، من بعد غياب شبه أبدي.
في الفيلم مشاهد مفصلية كانت أقرب إلى فصول بحد ذاتها، المواجهة مع السيكلوب، المرور من أمام جزيرة الساحرات، الحضور المواسي والحامي لأثينا (زيندايا)، والمرور ببيت الساحرة سيرسي التي ستحوّل رجاله إلى خنازير في مشهد مريع بقدر روعته، ثم، وعلى الأخص، نزول أوديسيوس إلى عالم الموتى ومخاطبتهم. وغيرها ما جعل من الفيلم الممتد لثلاث ساعات ملحمة لا تهدأ، بكثافتها السردية والبصرية، بعظمةِ المصوَّر. لكنه، لطبيعة الأمور، كان لا بد للفيلم من اختصار مراحل من الملحمة أو تحجيمها، كالتفادي السريع للدوامة البحرية والتخطي بدقائق وحش سكيلّا المنقضّ على سفن أوديسيوس ورجاله، أو تحديداً تهميش صراعات الآلهة والإشارة إليها عرَضاً، فجزء أساسي من مأساة أوديسيوس كانت لغضب من بوسيدون إله البحار، وهذا يمرّ معلومةً وحسب هنا.
ما كان للفيلم وهو بثلاث ساعات، أن ينتهي لو لم يقم بتلك الاختصارات، بل أحسن بتخطي تفاصيل وشخصيات من الملحمة وتقليل غيرها مركّزاً على صلب قصّتها بشخصية أساسية لها، مع إبراز ما يخدم ذلك من شخصيات ضرورية. ومن بين هذه التوسعة والتضييق في المساحات لمفاصل الملحمة، كان لنولان وهو كاتب السيناريو كذلك، إضافته الخاصة، ما يبدو أنه أمدّها من فيلمه “أوبنهايمر”، يشي بعبثية الحروب، بندمٍ لدى العبقري مخترع القنبلة الذرية بعد إسقاطها على هيروشيما وناجازاكي. هو كذلك ندم العبقري أوديسيوس صاحب فكرة الخدعة باقتحام مدينة طروادة من خلال الحصان الخشبي على أنه هدية لأثينا تعبيراً عن طريق السّلم الذي فتحه اليونانيون مع المملكة الصغيرة، إخفاء لواقع رغبةٍ أزلية من اليونانيين لاحتلال المدينة لأسباب تجارية واقتصادية (وليس انتقاماً لخطف هيلين). خدعة أودت إلى مجزرة واحتلال. سيدخل المحتلون المدينة ويقطعون رأس ثمالٍ لأثينا، ويحرقون البيوت فوق أنهار من الدماء.
الكلام عن هذه الملحمة، ومعها مكمّلتها “الإلياذة”، لا ينتهي، بل يتناسخ، وكانت مغامرة كبرى من كريستوفر نولان أن ينقلها إلى السينما. كان يمكن أن يكون استراحة بين فيلم ممتاز سبقه بعامين وآخر لاحق. لكن هذه المغامرة، وهي كذلك في ميزانية الفيلم (٢٥٠ مليون $) وهي الأعلى من بين جميع أعمال نولان، كانت مغامرةً تامة في صالح نولان الذي استثمر منجَز أفلامه كلّه، سردياً وبصرياً، في عمله الأخير، الملحمي باستحقاق، المستمد عظمته أولاً ودائماً من هوميروس، الشاعر الإغريقي الذي أسّس بعمله هذا لمعنى التراجيديا الإنسانية، لذلك نُسحَر بأي عمل سينمائي أو تلفزيوني مستمد من الملحمة، رغم معرفتنا بما حصل وما سيحصل فيه. وثانياً لنضوج التجربة السينمائية لنولان إلى درجة سمحت له بخوض هذه المغامرة كما لم يفعل غيره في تاريخ السينما والتلفزيون، فلا يكون فيلمه هذا تناولاً آخر لقصة نعرفها، بل كان التناول، بأل التعريف، لهذه القصة. لم يُضف نولان إلى الملحمة بفيلمه هذا، بل أضافها هي إلى نفسه.
في القدس العربي.
