1
اكتب تعليقُا

ضد “نتفلكس” ومع “كان السينمائي”

توجد ثلاثة مخارج رئيسية للفيلم الروائي يرى من خلالها النور، في عرضه الأول: المهرجان والصالة والمنصة. المهرجان السينمائي، وأفضل ثلاثة هي كانّ وفينيسيا وبرلين، يمكن له أن يعطي مكانة أوليّة وأعلى للفيلم ستكون، حاز جائزة أم لم لا، انطلاقةً تنالها الأفلام سعيدة الحظ في اختيارها أصلاً، وتحديداً للمسابقة الرسمية لأي من المهرجانات الثلاثة.

أما منصة البث وصالة السينما، فيمكن أن تكون للفيلم محطةً أولى، أو ثانية من بعد المهرجان. وتكون الأفلام التي ترى النور مباشرة من خلال المنصة أو الصالة، أقل حظاً من تلك التي اختارها المهرجان مانحاً امتيازاً لانطلاقتها الأولى، بما يرافق المهرجان من تناولات صحافية، ولوغو المهرجان على ملصق الفيلم. لهذا اللوغو أثر تسويقي هو أقرب إلى ختم الجودة على المنتَج.

كلامي هذا يخصّ العرض الأول للفيلم، لا عموم عرضه. فالأفلام التي تنطلق في مهرجان ستجد طريقها في التوزيع لاحقاً لتُعرض من خلال صالات سينما أو منصات بث. وهذا غير تلك التي تنطلق أساساً من خلال الصالات أو المنصات. لذلك اعتبارات عديدة، وليست أفلام المهرجانات أفضل جودةً بالضرورة من غيرها اختار أصحابها إطلاقها في صالات السينما أو المنصات. كلامي هنا لا علاقة له بجودة الأفلام، وإن امتازت أفلام المهرجانات، عموماً لا خصوصاً، عن غيرها. يمكن لأفلام ممتازة أن تختار الانطلاق من خارج أطر المهرجانات، أفلام أمريكية تحديداً لطبيعة الإنتاج والتوزيع السينمائيين هناك. توجد اعتبارات هي تسويقية بالدرجة الأولى، ترجّح قرارات منتجي هذا الفيلم أو ذاك في الكيفية التي يطلقون بها فيلمهم، وبالتالي أين ومتى وكيف ينتظرون الانطباع الأوّلي من قِبل الجمهور والصحافة، انطباع شديد التأثير على شباك التذاكر. ولهذا الشبّاك ثقلٌ في تحديد القرارات السينمائية الأمريكية.

العلاقات متشابكة، ولنحكِ أكثر عن المهرجانات. مهرجان فينيسيا السينمائي، وهو يقترب إذ ينعقد كلّ أيلول، معروف أكثر من غيره باستقبال أفلام أمريكية ستجد طريقها لاحقاً في منصات البث، لا مشكلة تحول دون هذا المهرجان والمنصات. لنضع جانباً صالات السينما، فمسار الأفلام إليها من قبل المهرجانات طبيعي، الصالة وأحياناً المنصة مرحلة تالية للفيلم من بعد ختام المهرجان. مهرجان برلين السينمائي كذلك لا تحول إشكالات بينه وبين المنصات، وإن كان خياراً يأتي بعد فينيسيا، لسببين رئيسيين أولهما الأهمية الأكبر للمهرجان الإيطالي، وثانيهما قرب المهرجان زمانياً من موسم محافل الجوائز نهايات العام وبدايات التالي (سيزار وبافتا وغويا ودوناتيلو والأكاديمية الأوروبية والغولدن غلوبز وانتهاء بالأوسكار، وغيرها).

لكن، يبقى للمهرجان السينمائي الأبرز، الأكثر مرغوبية لدى السينمائيين، المنعقد كل ربيع في مدينة كانّ المتوسّطية الفرنسية، يبقى له شروطه في ما يخص المنصات، حماية منه لدورة حياة الفيلم، وأساساً لصالات السينما، وللثقافة السينمائية في بلد معروف بالنِّسب العالية في الذهاب إلى الصالات، وقد تكون الأعلى عالمياً.

لذلك، لمهرجان كانّ السينمائي مشاكل مع منصة “نتفلكس”، فالمهرجان يشترط، للمشاركة في مسابقته الرسمية، أن يخرج الفيلم أولاً إلى صالات السينما وليس المنصات، أي أن الأفلام الصالحة للمنافسة في المهرجان هي تلك التي ستنال من بعد المهرجان عروضاً في صالات السينما وليس منصات البث. وهذا ما ترفضه “نتفلكس” التي تصر على أن تُعرض أفلامها حصراً أو أولاً في المنصة لا الصالات. لكن المهرجان الفرنسي وإن كان بشروط معيقة للمنصة الأمريكية، فإنه يحصر شروطه بالمسابقة الرسمية، أي أن للمنصة وغيرها إمكانية العرض إنما خارج المسابقة الرسمية، وهذا طبعاً قسمٌ أقل اعتباراً وقيمة من القسمين الرسميين في المهرجان: المسابقة و”نظرة ما”. فهذا العام عُرض لكن خارج المسابقة، فيلم من إخراج الممثل جون ترافولتا وستبثه منصة “أبل تيفي”، وإن لم يحرمه ذلك من مراسم السجادة الحمراء وبعض التناولات الصحافية، أقول بعض لأن معظمها يذهب إلى أفلام المسابقة الرسمية.

لهذا الشرط الكانيّ خلفية تسبق المنصات، تتعلق بتراتب وتمرحل الأفلام، وهي معروفة بفرنسا بقانون chronologie des médias، أي التسلسل الزماني لوسائل الإعلام، وهو قانون يعود إلى أواخر الثمانينيات، يخص عرض الأفلام وتوزيعها، يفرض فترات زمانية تفصل بين العرض في الصالات والعرض من بعدها، على أشرطة أو أقراص أو قنوات تلفزيونية أو أخيراً منصات البث. والغاية من ذلك حماية صالات السينما. ففي فرنسا، الفيلم الذي يخرج اليوم إلى صالات السينما، لا بد أن ينتظر ٩ أشهر كي يُتاح بثه على منصة “ديزني بلس”، و١٥ شهراً في حالة “نتفلكس”. أما لدى المنصات المجانية، “آرتيه” مثلاً، فينتظر الفيلم قرابة عامين ليُتاح بثه من بعد خروجه إلى الصالات. هذا في فرنسا حصراً، ففي ألمانيا ينتظر الفيلم ٤ أشهر، وفي الولايات المتحدة يمكن إتاحة الفيلم في المنصات بعد ٤٥ يوماً من عرضه في صالات السينما، أي يمكن أن يبدأ بثه في وقت لا تزال عروضه في الصالات قائمة.

يتمسّك مهرجان كانّ بشرطه، مع “نتفلكس” تحديداً، لسبب خارج حالة الاستثناء الفرنسي، خارجَ فرضِ ١٥ شهراً على المنصة لعرض الفيلم، لا من بعد عرضه في المهرجان بل من بعد عرضه في الصالات الفرنسية، أي أن الفيلم، بحسب شرط المهرجان، يمكن أن يعرض على المنصة بعد عامين من عرضه الأول في المهرجان، في وقت يمكن أن ينتظر ٤٥ يوماً فقط في الولايات المتحدة. أي، بحساب تقريبي، ينتظر الفيلم لعرضه في فرنسا ٧٠٠ يوماً زيادة عمّا يمكن أن ينتظره في الولايات المتحدة. هذا ما يجعل كذلك من المنصة متشددة في رفض الشروط الفرنسية والكانيّة.

أما السبب الخاص بالمهرجان وخارج الاستثناء الفرنسي، فهو لحادثة تجمع بين المهرجان والمنصة. ففي دورة العام ٢٠١٧، لأول مرة في تاريخه عرض مهرجان كانّ في مسابقته الرسمية فيلمين كانا معروضَين مسبقاً على منصة “نتفلكس” في فرنسا، هما “أوكجا” لبونغ جون هو، و”قصص مايرويتز” لنواه بوماك. ما طرح جدالاً واسعاً في حينه، ومع ظهور لوغو “نتفلكس” أثناء عروض المهرجان في مقدمة كل فيلم، كان الجمهور يصيح مندداً. ومن بعد هذه الفضيحة، في عرض المهرجان لفيلمين وبمسابقته الرسمية، كانا معروضين مسبقاً في المنصة، شدّد المهرجان من حالات تنفيذ شرطه في أن الأولوية تكون لصالات السينما من بعد المهرجان. أي أن الفيلم كي يُسمح له بالتسابق في المهرجان، يستوجب العرض من بعد المهرجان في صالات السينما وليس المنصات. وليُعرَض أينما شاء من بعد انتهاء عروضه في الصالات، الفرنسية تحديداً.

يتعلق ذلك بالعادة الفرنسية، أكثر منها في بلدان أخرى، في ارتياد صالات السينما، ففي ذلك حماية ثقافية واقتصادية لقطاع السينما في البلاد. لصالات السينما الفرنسية حال أفضل منها في باقي أوروبا بفضل هذه العادات والشروط. ففي العام الماضي سجلت الإحصائيات بيع ١٥٧ مليون تذكرة في صالات السينما، مقابل ٩٣ مليون في ألمانيا، علماً أن ألمانيا تفوق فرنسا في عدد السكان.

كما أن ذلك يتخطى فكرة الحفاط على عادة ارتياد صالات السينما، أي يتخطى الجانب الثقافي إلى الاقتصادي، بما يدعم عموم قطاع السينما في البلاد. فسعر التذكر الواحدة في فرنسا كما أنه يساهم مالياً في دعم صالة السينما، فهو يساهم كذلك في دعم حقوق الملكية وشركات توزيع الأفلام. كما أن منصات البث والقنوات التلفزيونية تخضع لنظام يجعلها داعمة بدورها للصناعة السينمائية الفرنسية، من خلال القوانين الناظمة لحركة إيرادات الأفلام، فكلما شغّلتْ مالاً أكثر في إنتاج الأفلام، قلّت المدّة التي تفصل ما بين عرض الأفلام في الصالات وإمكانية المنصة أو القناة في عرضها. أي أن المال الذي تضعه المنصة في الصناعة السينمائية يساعدها في تقليص مدة انتظارها عرض الأفلام على شاشتها.

المهرجان يحمي الصالة من المنصة. للمشاركة إذن في مهرجان كانّ السينمائي شرطٌ تتمسك به إدارة المهرجان، هو أن الفيلم كي يشارك هناك، لا بد أن يخرج من المهرجان إلى صالات السينما وليس إلى منصات البث. دعماً من المهرجان لصالات السينما. وبذلك هو دعم لثقافة الذهاب إلى الصالة، ومشاهدة الفيلم ضمن شروط هي غالباً أفضل من شروط المشاهدة البيتية. والمهرجان مدعوم في مواقفه هذه من قبل اتحادات صالات السينما وشركات التوزيع والفنانين وعموم العاملين والمختصين في الشأن السينمائي في فرنسا. و”نتفلكس” ترفض ذلك، وهذا ما يشرح غيابها هذا العام والأعوام الأخيرة عن المسابقة الرسمية، وهو كذلك ما يشرح حضورها الزائد في مهرجانات أخرى وتحديداً فينيسيا السينمائي، مشاركةً بـ ٣ أفلام في مسابقته الرسمية العام الماضي، غير تلك خارج المسابقة. وهو ما يرجّح عرض الدورة المقبلة من المهرجان الإيطالي مزيداً من الأفلام المنصّاتية، تحديداً مع الغياب التام لا لأفلام المنصات وحسب، بل لسينما هوليوود برمتها عن المسابقة الرسمية للمهرجان الفرنسي هذا العام.

في ضفة ثالثة.

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب مقالات في النقد السينمائي والثقافي. له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.