1
اكتب تعليقُا

 أيّ مخيال جمعي بدأت ترسمه سينما باريس وهوليوود؟

تعيش السينما هذه الأعوام حالة لايقين لما سيكون عليه مآلها في المستقبل القريب، ولا أقول ذلك تبعاً لمخاطر الذكاء الاصطناعي، فهذه مسألة تامة بحد ذاتها، مثيرة للقلق بمعزل عما تتناوله هذه المقالة، مع إمكانية التحرّك للحدّ منها. قلقٌ آخر أجده أشدّ وقعاً، لتموضعه في بنية عملية الإنتاج والتوزيع السينمائيين، وهي استحواذ شركات على أخرى، فيتراكم القرار السينمائي بيد أقلية. أشير هنا إلى مسألتين: شراء شركة “باراماونت” لشركة “وورنر بروذرز”، من بعد التنافس في عملية الشراء هذه مع “نتفلكس”.

هذا في الولايات المتحدة، أما في فرنسا فمسألة مماثلة نجدها في إعلان شبكة “كانال +” الفرنسية شراء أكبر سلسلة لصالات السينما في فرنسا، UGC. والشبكة يملكها أحد أقطاب اليمين المتطرف الإعلامية في البلاد. وفي كلا الحالتين، في الولايات المتحدة وفرنسا، برزت حراكات ونداءات لفنانين وعاملين في السينما ضد عمليتَي الاستحواذ، أو للدقة: الاحتكار.

استحواذ الشركات السينمائية لبعضها البعض ليس جديداً، هو حاضر في تاريخ هوليوود مثلاً، بل يتعدى الشركات السينمائية إلى غيرها، كأن تستحوذ شركة “كوكاكولا” على شركة “كولومبيا” للإنتاج عام ١٩٨٢ وتمنع من بعدها أي ظهور لعلامة “بيبسي” في أفلامها. هذا مثلٌ بسيط على القرارات التي تتخذها الشركات المالكة للاستديوهات. بسيط لأنه لا يؤثر على طبيعة العمل السينمائية، إذ تبقى محصورة ضمن علاقات تجارية بين الاستديوهات وبين غيرها من الشركات. أي ظهور لكيس “ماكدونالدز” مثلاً في أي مشهد يكون بثمن مدفوع، فهذه مساحة إعلانية، وكذلك الحال لأي نوع لنظارات أو ملابس أو سيارات أو أي سلعة. هذه مشكلة لكن ليست كارثية على الصناعة السينمائية، فسينمائيون جادون دخلوا في هذه المعادلات، سبايك لي وستيفن سبيلبرغ وآخرون. هي تبقى في عالم التنافس التجاري وتسليع الأفلام في حملات التسويق لها.

الأثر الكارثي يكون في شراء شركات إنتاج سينمائي لشركات إنتاج سينمائي أخرى، هنا تخرج العلاقة من الترويج أو الاحتواء التسويقي إلى الاحتكار، إلى المصادَرة السينمائية. وهذا ما تشهده الصناعة السينمائية حديثاً ومجدداً، في فرنسا والولايات المتحدة.

لا يقتصر الاحتكار على الإنتاج السينمائي، بل يمتد إلى اللائحة السوداء. ففي فرنسا وقّع قبل أسابيع مئات العاملين في السينما بياناً ضد تنامي نفوذ فينسان بولوريه في قطاع السينما، فقامت “كانال +” التي يملكها الملياردير المقرَّب من اليمين المتطرف، وهي أكبر جهة خاصة تمول إنتاج الأفلام الفرنسية، بإعلان قطع علاقتها مع كل الموقّعين، أي أنها لن تموّل أفلاماً قادمة لهم.

في البيان رفضٌ للتوغّل المتزايد لليمين المتطرف في قطاع السينما عبر بولوريه، وهذا الأخير يسعى إلى الاستحواذ الكامل على مجموعة UGC، بعدما اشترت شركته ٣٤% من أسهمها في سبتمبر الماضي، مع نيتها السيطرة الكاملة عليها ابتداءً من عام ٢٠٢٨. ويحذّر البيان لا من توحيد الخطاب السينمائي لصالح اليمين المتطرف وحسب وإفقار تنوع الأفلام، بل من السيطرة الفاشية على المخيال الجمعي.

التخوّف يتخطى المسألة الثقافية في سيطرة ستظهر وتترسّخ تراكمياً، لمضامين موالية لسياسات اليمين المتطرّف، إلى ما هو في صلب الصناعة السينمائية، أي أن طرفَي دورة الحياة الأولى للفيلم، التمويل والتوزيع، سيكونان محكومين، في نسبة كبيرة من عموم الإنتاج السينمائي الفرنسي، بيد رأسمالية متحالفة مع الفاشية، أي ما بين الجهة المنتجة للفيلم وهي “كانال +” والجهة الموزعة له أي سينما UGC. هذا ما يشمل تهديداً لعموم السينما الفرنسية، وبأثر أكبر على مستقبلها.

أمر مماثل تشهده الولايات المتحدة، فكذلك خلال الفترة الأخيرة انتشرت بيانات ومقالات تندد بشراء شركة “بارامانوت” لشركة “وورنر بروذرز” بعد تنافس خسرت فيه “نتفلكس” التي حاولت الفوز في عملية الشراء. بيان وقّع عليه ما يزيد عن ألف من العاملين في السينما الأمريكية، ولسبب مماثل للرفض في الحالة الفرنسية، وإن اختلفت المضامين والسياقات، فجاء الرفض هنا لما ستسببه الصفقة من تركيز المِلكيّة في مشهد شديد التركّز أصلاً، مما يقلص المنافسة بين شركات الإنتاج، ويضيّق حيّز العمل على الشركات الصغيرة أو المستقلة. ويمكن لهذه الصفقة أن تضيف إلى أزمات عاشتها هوليوود في السنوات الأخيرة، من جائحة كوفيد إلى إضرابات نقابات العاملين في هوليوود، إضافة إلى تهديدات شركات التكنولوجيا في تغيير معالم الصناعة، وتَغيّر عادات المشاهدة لدى الأفراد مع توغّل أكبر لمنصات البث التدفقي.

هذا كله أثّر سلباً على الصناعة السينمائية المحصورة بإنتاجاتها الضخمة بأيدي شركات معدودة، والتي، مع هذا الاستحواذ، سيقلّ عددها ليصير ٤ فقط، ويجعل من “باراماونت” أشد وقعاً ووطأة وفي طريقٍ لاحتكار كلّي لاستديوهات هوليوود. ويشير البيان إلى أن ذلك سيعني فرصاً أقل للعاملين ووظائف أقل في مختلف مراحل الإنتاج، وتكاليف أعلى وخيارات أقل أمام الجمهور في الولايات المتحدة والعالم.

لكل ذلك، إن استحكمَ وتوسَّع كأيّ مشروع رأسمالي، أثره على السينما في العالم، علينا نحن مشاهدي هذه الأفلام من بعيد. فباريس وهوليوود موقعان مركزيان في سينما العالم، ومختلفان تماماً في إنتاجهما شكلاً ومضموناً. التخوّف الجوهري ليس من آثار احتكار الصناعة السينمائية في كل منهما على المدى القصير، وإن كان لذلك آثار فورية، لكنه، وله حالاته الأسوأ، تخوّفٌ من الآثار المتراكمة، وعلى المدى البعيد، في ما ستكونه محصلة الإنتاج السينمائي في كلا البلدين بعد أعوام من الآن. وقد تكون، بذلك، السينما الفرنسية والأمريكية في معظمهما، في مضامين هذه السينما وأشكالها، محكومة بقرارات رأسمالية احتكارية تصادر الآراء الأخرى وتصيغ لوائح سوداء بها، كما صادرت فرصَ آخرين في الصناعة السينمائية. هي، في حالة هوليوود دعاية لسياسات الولايات المتحدة، من ثقافة الاستهلاك إلى شنّ الحروب. وهي، في حالة فرنسا سيطرة لسياسات فاشية في مجال كان ولا يزال رأس حربة ثقافية في مكافحتها. بعد كل هذا، أيّ مخيال جمعي بدأت ترسمه سينما باريس وهوليوود؟

في ضفة ثالثة.

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب مقالات في النقد السينمائي والثقافي. له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.