لم يكن افتتاح مهرجان برلين السينمائي (وختامه) في شباط الماضي سياسياً سوى لأن الكلام تناول، بل انحصر في، فلسطين. وتفوُّه رئيس لجنة التحكيم آنذاك، فيم فيندرز، في الفصل ما بين الفن والسياسية، كان مقصوداً به عزل الفن عن غزة. قال ذلك في سؤال عن إدانة إسرائيل، وما كان ليقوله لو سُئل عن روسيا أو الصين أو حتى إيران.
هذا ما تخطته الأيام الأولى من مهرجان كانْ السينمائي. وكانت لجنة التحكيم هنا أكثر صراحة في بعض المحكّمين وأكثر حذراً في بعضهم الآخر. العالم كله بات يشعر، وبعضه يعي، بأن المسألة السياسية في المهرجانات الغربية، سينمائية وغيرها، هي مسألة فلسطينية. السياسة في الغرب اليوم هي فلسطين، قيل ذلك صراحة أم تلميحاً.
بخلاف المخرج الألماني، كان لرئيس لجنة التحكيم في مهرجان كانْ كلام آخر، غير ملوّث بالتاريخ والحاضر القاتمين لألمانيا. المخرج الكوري الجنوبي بارك تشان-ووك صرّح في المؤتمر الصحافي للجنة، بأنه من الغريب القول إن الفن والسياسة في حالة نزاع، والعمل الفني إن كان بمقولة سياسية فإن ذلك لا يعني أنه عدو للفن، وإن بدأنا بفرض الرقابة فإننا نقتل الروح الإبداعية.
هذا القول يحجّم الموقف الذي اتخذه فيندرز في البرليناله، وكان، سؤالاً وإجابة، لضرورة السياق، بموضوع فلسطيني. فالكلام العام عن السياسية هنا يمنح ممراً للكلام الفلسطيني. إذ تبقى المسألة الفلسطينية، دون غيرها، المسألة السياسية في المهرجانات الغربية. هي حالة استعمار شديدة السطوع في بيئة منحازة تاريخياً للمستعمِر.
المعيار في الكلام السياسي أوروبياً هو حصراً موضوع فلسطيني. ففي برلين وكانْ وفينيسيا، شهدنا في الأعوام الأخيرة حضوراً لشؤون سياسية أخرى مُتّفَق عليها عموماً من قبل المنظمين والضيوف، شؤون لا خلاف عليها أوروبياً، الموقف من إيران وروسيا والصين مثلاً. هنا لا يُعَد الكلام سياسياً بمعنى العلاقة ما بين الفن والسياسة. الكلام فيها يصب في انسجام عام في أوروبا، مقبول، بل محبّذ، هو سلسلة من المجاملات في حالة إجماع ريائية.
الكلام لا يكون سياسياً سوى بتعكيره للرأي العام المسيطر، سوى بالمساءلة حيال الموقف من المظلوم حين يكون التيار السائد داعماً للظالم. الكلام يكون سياسياً حين يزعج السائلُ المسؤول بسؤاله، وذلك يكون في أوروبا عن فلسطين، وحسب. السؤال في أوروبا عن عدوان روسي على أوكرانيا ليس كلاماً سياسياً، هو أقرب إلى علاقات عامة، وتبادل التحيات. كذلك الكلام عن تايوان في جو عام أوروبي معاد لكل ما هو في غير مصالحه، معاد له أو على الأقل متشكّك منه.
كاتب السيناريو الإيرلندي/الاسكتلندي بول لافرتي، عضو لجنة التحكيم، والشريك الدائم للسينمائي الإنكليزي كين لوتش في أفلامه، رفع السقف في تصريحاته السياسية إلى مستوى يصعب تَخيّل وصوله لغير الإيرلنديين، مستحضراً غزة مرتين، كأنه مصرّ على ذكرها متى استطاع الكلام، في تحدٍ لكل تعتيم مهرجاناتي لهذه القضية، مشيراً إلى عالم يشهد إبادة في غزة، يقود المجانينُ فيه العميان، مقتبساً من شيكسبير. وفي نهاية المؤتمر أكّد أن العار لهوليوود بوضعها ممثلين في “قائمة سوداء”، لمجرد كلامهم التضامني مع شعب غزة، مسمياً كلاً من سوزان سارندون التي تتصدّر ملصقَ هذه الدورة من المهرجان، وخافيير بارديم المؤدي لبطولة في فيلم بالمسابقة الرسمية، مؤكداً: إنهم أحسن ما فينا.
آخرين في اللجنة أضافوا في ضرورة الكلام السياسي سينمائياً، ليكون هذا المؤتمر النقيض لذلك الذي عقد في البرليناله، مصوباً مساراً حاول فيندرز حرفه عن الطبيعة السياسية الضرورية لأي عمل فني، من دون أن يكون بالضرورة، العمل، في موضوع سياسي، ومن دون أن يكون بالضرورة مرفقاً بمواقف سياسية لصاحبه. الفن سياسي بطبيعته، ورفضُ ذلك ليس سوى موقف سياسي، وهذا الموقف سيكون محصوراً بالموضوع المعني، وهو في البرليناله، وفي غيره أوروبياً، فلسطين.
تفادي الكلام السياسي ومحاولة تبرير ذلك لا يعني في المهرجانات سوى تفادياً للكلام عن فلسطين. القول في أوروبا إن الفن سياسي، يعني حصراً موضوعاً فلسطينياً. هنا فقط يكون الكلام سياسياً، هنا فقط، في أوروبا، يكون الفن متعلقاً، فعلاً، بالسياسة، متى أشار إلى فلسطين.
في رمان
