1
اكتب تعليقُا

مارلين مونرو: عن خضوع الأسطورة لنظام الاستديوهات

في وهلة أولى، بالكاد يتذكر أحدنا اسم مخرج لأي من أفلام النجمة الأمريكية مارلين مونرو، وبقليل من الجهد قد يتذكر اسم فيلم أدت البطولة فيه، لكن من دون تفاصيل تدخل بالضرورة في طبيعة الدور. في وهلة أولى، حالما يُذكر اسم مارلين مونرو، لا يخطر في بال أحدنا سوى صور للمرأة ضاحكة متموضعة أمام الكاميرا، تكون خارج أطُر السينما أم داخلها، من يكترث؟ كانت في لقطة تتخذ فيها مونرو شخصية كتبها آخرون أم في تجسيد لنفسها بنفسها أمام الكاميرا، من يكترث؟

هذا التماهي بين مونرو الممثلة، وبينها كشخصية سينمائية، أزاح جانياً ضرورةَ الالتفات، من الوهلة الأولى، لاسم مخرج مهما كبر، مثل بيلي وايلدر، أو لعنوان فيلم مهما انتشر، مثل “البعض يفضلونها ساخنة”. تبقى مونرو متخطية، بوصفها أيقونة سينمائية، كل ما عداها أينما حضرت. هذا التماهي هو ما وصفه الفيلسوف الفرنسي إدغار موران، في كتابه “النجوم” (الترجمة العربية: نجوم السنيما) بالقول إن النجوم يصيبون الشخصيات التي يؤدونها بالعدوى، وإن الشخصيات تصيب النجوم كذلك بالعدوى، فتدخل هذه بتلك ولا ندرك أيهما هذه أو تلك. وهذا ما يجعل من النجم، لدى موران، أسطورة.

هو ما يؤكده آخرون، في حالة مونرو، التي غطّت نجوميتُها شخصياتَها، فلم تكن تمثّل بالفعل، بل تتصرّف وتتكلّم كما تفعل خارج موقع التصوير، هذا ما يحبه الجمهور، أو الرجال منهم على الأقل. وقد عبّر عن ذلك مخرجون كبار عملوا معها تاركين لها حريّة التصرّف بالشخصية، أو اضطروا لذلك، منهم فريتز لانغ الذي قال إنها كانت تعرف تماماً تأثيرها على الرجال، وهذا كل ما في الأمر، وجون هيوستن الذي قال إنها، ببساطة، لم تكن تمثّل، أو حتى زوجها المؤلف المسرحي آرثر ميلر الذي قال إنها هي نفسها في كل ما تفعله. لم تكن مونرو إذن تؤدي الشخصيات في أفلامها بل كانت الشخصيات ذاتُها تتكوّن أثناء التصوير في أداء مونرو العفوي ذاته.

تخلّدت مونرو، تأسطرت، وذلك لأن الأفلام أبدية، وإن لقي النجم حتفه، مارلين التي انتَحرت عام ١٩٦٢، أو انتُحرت، في أوج حضورها عن عمر ٣٦ عاماً. الأفلام أبدية ومونرو التي حامت أفلامُها حولها بوصفها نجمة، بوصفها مارلين لا الشخصية السينمائية، صارت، بهذا التماهي، أبدية. تحولت بها مونرو إلى أسطورة عمّرتها تلك الأفلام، غير العظيمة سينمائياً بكل الأحوال لكن من يكترث؟ كما عمّرتها السيرة الشخصية والجدالية لمونرو، كأيقونة جنسية ورأسمال رابح للاستديوهات، كما يكشف الوثائقي الطويل المعروض على قناة ARTE عن النجمة، المزامن لمعرض استعادي شاسع افتتحته السينماتيك الفرنسية أوائل نيسان/أبريل.

في الوثائقي كما في المعرض، نتعرّض إلى النجمة السينمائية بوصفها سينمائية بالدرجة ذاتها التي نتعرض إليها بوصفها امرأة عاشت دوّامات شخصية ومهنية، منذ طفولتها المتقلّبة إلى علاقاتها المتواترة وصولاً إلى حالات استغلالية خضعت لها ضمن نظام الإنتاج الذكورية والرأسمالية الاستهلاكية لدى استديوهات هوليوود. لكنها بقيت، مونرو، مدركة لما تريده بخلاف ما قررته الاستديوهات. سعت، مثلاً، دائماً، إلى أن تمثّل في أفلام درامية لتثبت لنفسها قبل محبيها أنها “ممثلة جيدة”، لكن صورتها كرمز جنسي طغت عليها، من بعد تشقيرها وتلبيسها أدواراً لامرأة تجمع بين الغباء والجمال، وبالتالي الإغراء المجاني لمنتجين ومدراء تنفيذيين رجال، ولمستهلكين متفرّجين رجال كذلك. لم تصل مونرو أخيراً إلى ما أرادته، لم نعرفها في سينما درامية بل انحصرت في كوميديات، لسطوة النظام القائم في هوليوود. لكن، مع الزمن تخطّت مورنو بتحوّلها إلى أسطورة، ذلك النظام بأفلامه وأدوارها المفروضة فيها، ليذكر أحدنا اسمها من دون التفات ضروري للمخرج، ومن دون أي التفات لأي مدير تنفيذي في تلك الاستديوهات وذلك النظام، وحتى، من دون تذكّر، من الوهلة الأولى، لعنوان أي عمل، إذ لا تكون تلك الوهلة سوى للنجمة الأسطورة، لوجه مارلين مونرو بإغماضة خفيفة لعينيها وانفراجة خفيفة لشفتيها. هي صورتها ذاتها، متماهية مع أدوارها، فالأدوار التي تتغير لا شكل مونرو الأيقوني، بصورتها التي تحوم أعلى من رؤية مخرج أو منتِج لشخصية في دَور اختيرت مونرو لتأديته. بلحظة ستصير الشخصية مارلين، بلحظة تالية سيصير الفيلم لمونرو.

في معرض السينماتك الفرنسية المقام بمناسبة مئويّة مونرو، وله اسم النجمة، صورٌ لها بقدر ما فيه من مشاهد سينمائية، ومجلات وكتب ونصوص تناولتها، وفساتين ومقتنيات، وما أمكن أن يجعل من الأسطورة آدمياً تضمنت حياتُه مأساة داخلية فاقت بأثرها الانتحاري ما أحيطت به من بذخ وأضواء وكاميرات. ما جعل عبارة تلخّص مسيرتها الفنية، قالتها على لسان شخصيتها في فيلم “الرجال يفضلون الشقراوات” (١٩٥٣) لهوارد هوكس: “يمكنني أن أكون ذكية عندما يكون ذلك مهماً، لكن معظم الرجال لا يحبون ذلك.”

هذا ما سارت عليه في مسيرتها المهنية، خاضعة لنظام الاستديوهات وبخلاف رغبتها، لقرابة عشرين عاماً، فكانت نجمة استعراضية لأصحاب قرار من الرجال، تدرّ المال، واللعاب، بخلاف ما أرادته من صورة الممثلة الجادة في تراجيديات، تؤخذ لأدائها لا لعينيها وشفتيها وشقارها المُقترَح عليها. فكان أن وجّه المعرضُ تلك الصورة في سياق امرأة حيث لنظام الاستديوهات الهوليوودي وتشابكاته، الكلمة الأولى والأخيرة في رسم مسارها المهني، في اتخاذ المرأة الصورةَ المرغوبة ذكورياً، تلك التي تجعل من الفيلم منتَجاً مربحاً، تجعل منها هي لهم رأسمالاً مربحاً.

في ضفة ثالثة

https://diffah.alaraby.co.uk/diffah/agenda/2026/5/7/%D9%85%D8%A7%D8%B1%D9%84%D9%8A%D9%86-%D9%85%D9%88%D9%86%D8%B1%D9%88-%D8%B9%D9%86-%D8%AE%D8%B6%D9%88%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%B7%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%AA%D9%88%D8%AF%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.