أرشيف رمان, الأولى
اكتب تعليقُا

الكويرية فلسطينياً… لمَ قد نهتم بالموضوع؟

سُئلت “لمَ قد تهتم رمّان بالموضوع؟” حين ذكرتُ لصديقةٍ نيّتي فتح هذا الملف. فتساءلتُ “لمَ قد تتساءل صديقة عن اهتمام رمّان بالموضوع؟” ولستُ أكيداً إن وجدتُ إجابة، بعد. لكن، على الأقل، أدركتُ بهذا التساؤل مدى العزلة والنفي الذي تعيشه المسألة الكويرية في ظل طغيان مسائل أخرى تسيّدت كلّ ما هو ليس وطنياً بالمعنى المباشر والمطْمَئن، وأحياناً السطحي، للكلمة.

وقلت “لأبدأ من هنا”.

لمَ قد لا يستغرب أحدنا اهتمام “رمّان” بموضوع المقاطعة والتطبيع، بموضوع النكبة والأرشيف؟ وبمواضيع أساسية أخرى، ثقافية وسياسية، لا تقل أهمية ولا تزيد، من حيث ضرورة الطرح والتناول والنقاش، عن موضوع حقوقي وحيّ في المجتمع الفلسطيني يتعلّق بكل مستضعَف اجتماعياً وثقافياً، كالنساء والفقراء وفئات أخرى من بينها، وبدرجة موازية لغيرها، الكويريون، أصحاب الميول والاختيارات والمصائر الجنسية والجندرية المختلفة عن “السّائد”.

ولا تخيب لغتنا في هذا التوصيف الدقيق لحالات كهذه، فـ “السائد” هو ما يسود على غيره، فارضاً وصايتَه/سلطتَه، والسائد هنا هو كذلك “الأغلبية الساحقة” الماحقة/المبيدة “للأقلية”، هو كذلك “الطاغي” القامع لما دونه.

لكني لن أقع في فخّ اللغة (التي تصيب مرة وتخيب في أخرى) لأتخذ “الأقلية” توصيفاً لفئة اجتماعية أحكي عنها، فقَول الأقلية/الأغلبية هو طبقي (عموديٌّ) مكرِّسٌ في لاوعْينا “الحقَّ” السائد لكل مَن هو ساحقٌ وطاغٍ، نافياً أصحاب الكينونة الفردية المختلفين المتمايزين عن “انسجامٍ” مزيَّف للمجتمع تتطلبه الوطنية المُفتعَلة، وهذا الانسجام وهذا التزييف هو كذلك للإبقاء على واقعٍ نحتاج (أنا وكل ما هو غير سائدٍ/ساحقٍ/طاغٍ) دائماً إلى تغييره، إلى الثورة عليه.

هي حاجة ملحّة وضرورية بالنظر إلى جميع الفئات المضطَهَدة، بما فيها الفئة المتعرّضة للاضطهاد لصفتها الشخصية، لفردانيتها، وعلى عدة مستويات. هؤلاء هم المثليات والمثليون (الكويريون عموماً) في المجتمعات الفلسطينية، أينما تواجدت.

لمَ قد نهتم بذلك؟ لأن المسألة إنسانيّة ووطنيّة، وحقوقية تامة، والحقوق لا تتجزأ. نهتم بها لأنّنا نهتم بكل مسألة فلسطينية عادلة، بكلّ مكوّنات العدالة الفلسطينية، ولا نفاضل بينها.

نفهمها كذلك متى فهمنا فلسطين، كقضية وكفكرة وكثقافة، كحاضنة متآلفة لكلِّ ما ومَن يحتاج المرورَ إلى عالم أقلّ ظلماً، ومن بعده أكثرَ عدلاً، لننال حريةً تكون في خيارات حياتية لا تنتهي، الجندر والجنس في أساسها.

في رمان ١٠/١٠/٢٠٢٠

This entry was posted in: أرشيف رمان،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.