All posts filed under: أرشيف رمان

مها حاج: تركت النكبة أثراً نفسياً فينا كلّنا

يفتتح “أيام فلسطين السينمائية” دورته التاسعة بفيلم مها حاج «حمى البحر المتوسط». الفيلم الذي نال جوائز استهّلها بـ “أفضل سيناريو” في تظاهرة “نظرة ما” ضمن مهرجان كان السينمائي بدورته الأخيرة، والذي سيمثل فلسطين في ترشيحات الأوسكار، هو الروائي الثاني لصاحبته، بعد «أمور شخصية» الذي استحق كذلك استقبالاً نقدياً عالياً كما هو حال فيلمها الأخير الذي تابعت فيه رسم خط سينمائي فلسطيني خاص بها. هنا تحكي لنا مها عن صناعة فيلمها الأخير وكتابته وتمويله، وعن شخصياته وقصته.

الذاكرة والقصة والموسوعة

جزء أساسي من القصور في علاقة الفلسطينيين بسرديتهم والتمكن منها وإيصالها، أو إتاحتها إلى العالم، تكمن في مصادر هذه السردية، والقطع ما بينها وبين الفلسطينيين الساعين إلى التمكن منها وإلى إيصالها. هذه المصادر وهذا الأساس هو المادة الأرشيفية، المواد الدراسية الخام الواصلة من ذلك الزمان، والحديث هنا عن أزمنة تسبق عام النكبة وأخرى تلحقه، حتى ١٩٨٢، عام الخروج من بيروت وفقدان كميات هائلة من الأرشيف المطبوع والمصوّر. بعدها بأعوام، استدرك الفلسطينيون ضرورة التوثيق والسعي إليه، وقد انتبهوا إلى مرحلة الهزيمة التي دخلوا فيها، فكان لا بد من حفظ ما تبقى، ما لم يُفقَد أو يُنهَب.

رسالة كان السينمائي… رأس المال في فلسطين

الحديث عن الأفراد والمؤسسات والجمهور، في السينما الفلسطينية، يجرّ، في علاقة هذه المسائل ببعضها، إلى حديث عن رأس المال الفلسطيني. هنا يكمن جانب أساسي في أزمة السينما الفلسطينية يتعلق، من ناحية، بالتمويل، وهو قلق أساسي لدى صنّاع الأفلام، ومن ناحية ثانية، بإنشاء دور سينما فلسطينية تكون حاضنة تلقائية لهذه الأفلام وتؤسس لتلك العلاقة اللازمة بينها وبين جمهورها.

رسالة كان السينمائي… الجمهور في فلسطين

في الحديث عن مشاكل في السينما الفلسطينية، وقبل أن يجرّنا الحديث إلى تشعبات في هذه المشاكل، نتعثر، بداية، في المفردة ذاتها، مرجّحين استبدال “أزمات” بـ “مشاكل”، فلا الحديث محدود بما هو طارئ، ولا هو مقتصر على مثال أو اثنين أو عشرة، وحسب، من هذه السينما.

رسائل كان السينمائي… المساحة والهوية

وصلتُ أمس إلى مدينة كان ومهرجانها السينمائي، لسبب واحد هو مشاهدة فيلم «حمى البحر المتوسط» لمها حاج، والإخبار عنه، في “رمّان”. تساءلتُ في الأيام الأخيرة عن السبب في ذلك. أمكن لي أن أشاهده في مكاني، أينما كنت، والكتابة أو التحرير عن الفيلم وحوله. لكني لم أجد سوى إجابة واحدة ولم أبحث من بعدها عن غيرها، كافية لتحريكي وإشغالي ثلاثة أيام لأجل فيلم واحد لي فيه توقّعات.

العقابُ دوستويفسكيّاً

لعلّها العبارة الأشدّ حضوراً إن فكّر أحدنا بسببٍ ونتيجته، بضرورة النتيجة متى حلّ السبب، لاختصارها في كلمتين مباشرتَين كالطّلقتَين لا تأويل فيهما، عنواناً لرواية بضخامة «الجريمة والعقاب»، ضخامة في معناها قبل أن تكون في حجمها، وفي تفرّعاتها أدباً وسينما وتحليلاً نفسياً، الممتدة إلى ما يزيد عن قرن ونصف، منذ ظهرت الرواية عام ١٨٦٦.

“أيام فلسطين”… الجنود في الجوار والعرض مستمر 

قبل العرض والحفل الختاميّين، لمهرجان “أيام في فلسطين السينمائية” بساعات، اقتحم، الإثنين، جيش الاحتلال الإسرائيلي رام الله وتمركزت جيبات عسكرية عند أبواب مبنى قصر رام الله الثقافي. انتشرت صور لجنود الاحتلال في محيط المبنى لحظتها، كما انتشرت فيديوهات لشباب يرمون جيبات بالحجارة وسط رام الله. نشر المنظمون للمهرجان الصور على وسائل التواصل وأكّد مدير مؤسسة “فيلم لاب فلسطين” المنظِّمة للمهرجان، حنا عطالله، أنّ العرض الختامي سيبقى على موعده.

رسالة “عمّان السينمائي”: حالةٌ تأسيسيّة

يمكن لمهرجانِ سينما عربيٍّ أن يوظّف إمكانياته في استثمارِ شهرة أفلام منجزَة حضرت هنا وهناك، نالت جوائز أو أثارت إشكالات أو تكرّر حضورها في السوشيال ميديا كإعلانات الخوارزميّات الملحَّة. فلا يأتي المهرجان بجديد، ويكون، بذلك، منصَّةً تسويقيةً أخرى لما هو مُنجَز، لما هو مكرَّس، لما يمكن أن يضمن للمهرجان خطَّة تسويق وترويج فاقعة. لا بأس في ذلك إن اختار المهرجان لذاته أولويّات تكون تسويقيّة للمؤسَّس مسبقاً، لا تأسيسيّة، ويكون بذلك أقرب لأمسيات علاقات عامة.

رسالة “عمّان السينمائي”: منحى جديدٌ في الثّيمات العربيّة

يمكن، في برمجة أي مهرجان سينمائي (ولنخصّ حديثنا بالمهرجانات العربية)، الاطلاع على الحالة السياسية والاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات الآتية منها الأفلام المشارِكة، وبتحديدٍ أكثر أقول: حالتها اليوم، في السنوات الأخيرة، إذ لا تكون الأفلام قديمة. هنالك دائماً انتقائية طبيعية في الاختيار، تتعلق بتوافق الأعمال المقدَّمة مع معايير المهرجان في الجودة والمضمون والثيمة والأسلوب. لكن، تبقى الأفلام نافذةً واسعة و”موثوقة” للدخول إلى إدراكٍ (أوّلي في حدوده الدنيا) لحال مجتمعاتنا العربية.

رسالة “عمّان السينمائي”: عن الصّناعة والثقافة

قد لا يستوي القول إنّ مهرجان “عمّان السينمائي الدولي – أوّل فيلم” مهرجانٌ سينمائي عربي آخر. الـ” الآخر” هذه نجدها في مهرجانات اتّخذت لنفسها منطق الكرنفالات وفساتينها، لا منطق الأفلام.

لكنّ الثورة كذلك مستمرة

لم يعد، اليوم، الخامسُ عشر من أيار، ذكرى للنكبة وحسب، أو تذكيراً باستمراريتها، زماناً مكاناً، ولم يعد مناسبةً لاستعادة حكايات سلب البيوت، المستمر والمتوزّع على كامل الأرض، وتهجير أهلها، المستمر والمتوزّع على كل الأرض.

حسين الباحث في السّماء عن نوافذ يخرج منها

فتحَ حسين طاقةً في جدارٍ عظيم راكمت حجارتَه وعمّرتْه رواياتٌ لكنفاني وحبيبي وجبرا وآخرين، جدار أعلاه شعرُ درويش، وآخرين، ونثرُه. بين هؤلاء البنّائين، كان أصغرُهم سنّاً، أشدُّهم حداثة، أكثرُهم غرابةً واغتراباً، يحفرُ، مستعجلاً وقد ارتأى أمامه رحيلَه الباكر، في الجدار، طاقةً بكلّ عدّته: الشعر والنثر، الرواية والقصيدة والأغنية والفلسفة والنقد. يكتب بأيادٍ تحيطه، تملأ فضاءه، لا تهدأ، كإلهة الحرب الهندية، دورغا، التي تعارك بعشرة أذرع، أكثر أو أقل، في كلَّ الاتجاهات من حولها. كان حسين يعارك مرضَه في كلّ اتجاهات الكتابة، وكان يعارك اتجاهات الكتابة الفلسطينية ذاتها، بكل طاقاته اللغوية والفكرية. وهو، بعدّته تلك، تقصّد ذلك أم لم يفعل، فتح في الجدار العظيم منفذاً لضوء، لنسمّه أزرقَ، استحضاراً لكتابته ولسمائه العالية.

جبرا مؤسِّساً للذاتية في الأدب الفلسطيني

في الحديث عن الركائز الأدبية (النّثرية) الثلاث فلسطينياً، يأتي جبرا إبراهيم جبرا أخيراً، بعد غسان كنفاني (الآتي أولاً) وإميل حبيبي. ولهذا الترتيب معيار غير أدبي، هو متعلّق بالسياقات التي أتى فيها هؤلاء، وموقع كل منهم ضمن الحالة الفلسطينية أنذاك، وقد تشارك الثلاثة زمنَ الثورة الفلسطينية المعاصرة، التي تسيّدت، لسطوَتها الآسرة، معنى الفلسطيني وهويّته، وهو ما تعدى السياسة والاجتماع إلى الأدب، فكان كنفاني الروائي الفلسطيني الأوّل، وإن لم يكتب روايات بالمعنى “المُعجمي” وكذلك المَلحمي للكلمة، وقد خطفتْه من ذلك كتابةُ القصة والمسرحية والمقالة والدراسة الأدبية والسياسية والفكرية، عدا عن التحرير والرسم، فتنوّع إنتاجُه ويبقى أهمّه الروايات القصيرة، ومنها «أم سعد» و«عائد إلى حيفا» و «رجال في الشمس». وكنفاني اغتيل في عمر مبكّر، وهو ابن ٣٧ عاماً، فلم يُعطَ الفرصة ليكون روائياً “مكتملاً” كحبيبي وجبرا، لكنّه عضو المكتب السياسي “للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”، ومكانته القياديّة، كوطني ويساري ومثقف، جعلته، في السياق الفلسطيني المتسيّد، وفي زخم الثورة المعاصرة، الأوّلَ ضمن ثلاثة، وركيزةً سردية فلسطينية أولى، دون أن يُنقص ذلك أو يزيد من قيمته الأدبية العظمى بكل الأحوال.

الكويرية فلسطينياً… لمَ قد نهتم بالموضوع؟

سُئلت “لمَ قد تهتم رمّان بالموضوع؟” حين ذكرتُ لصديقةٍ نيّتي فتح هذا الملف. فتساءلتُ “لمَ قد تتساءل صديقة عن اهتمام رمّان بالموضوع؟” ولستُ أكيداً إن وجدتُ إجابة، بعد. لكن، على الأقل، أدركتُ بهذا التساؤل مدى العزلة والنفي الذي تعيشه المسألة الكويرية في ظل طغيان مسائل أخرى تسيّدت كلّ ما هو ليس وطنياً بالمعنى المباشر والمطْمَئن، وأحياناً السطحي، للكلمة.

وزارةُ منعِ الثقافة الفلسطينية

قد يعتقد أحدنا أن المنع إن أتى من جهة حكومية -منع فيلم مثلاً وهو موضوعنا هنا- يكون دائماً لأسباب تتعلق بفهم وإدراك الجهة المانعة للفيلم، فتمنعه لتناقضه مع سياستها في شأن ما، مصرّحةً بحجّة هي غالباً “وهن عزيمة الأمّة”، ولهذه حالات عدّة في الدكتاتوريات العربية، وهذ دكتاتوريات لها دولتها العميقة وسلطتها القامعة ضمن حدود الدولة. أمّا فلسطينياً، فالسلطة الحاكمة بأمر الاحتلال والمغلوب على أمرها، ماتزال ذلك القزم الطموح للتمثّل بالدكتاتور العملاق في الجوار (شمالاً وجنوباً) وهذا ينعكس على ممارسات متفاوتة في مجالاتها ومستوياتها، لدى هذه السلطة ووزاراتها، قد يكون آخرها المنعُ الذي طال فيلم آن ماري جاسر «حي»، وهو -بما يمكن أن يتوقّعه أحدنا من هذه الوزارة في فترتها الأخيرة، وبتوافق مع رغبة عارمة لقزمٍ طموح- هو منعٌ لم يأتِ لإدراك هذه الوزارة للفيلم، الذي قد يوهن عزيمة الفلسطينيين، منعٌ لم يرتق إلى فهمِ ما يُمنَع، ولو للفضول، ولو للتمثّل -بشكل أكثر احترافية على الأقل- بدكتاتورية تمنع فيلماً لأنّها فهمت تناقض محتواه مع سياستها. وزارتنا الفلسطينية لم تحتَج، كي تمنع فيلماً، لأن تفهمه.

المقابلة: ألبرتو مانغويل

التقيناه مساءً في بهو فندق “لْوي الثاني” في حيّ دور النّشر والمكتبات في باريس، وكان أوّل ما قاله “نادني مانغيل، بدون مستر”. أجرينا المقابلة التي خرجت بمعظمها عن الأسئلة المعدّة مسبقاً لها، وامتدّت لساعة تناولت فيها القراءة والمكتبات والمنفى وفلسطين ودرويش… شاركت في إجراء المقابلة وترجمتْها عن الإنكليزية ياسمين حاج.

المكتبة في بيتك

ليس من الكليشيّة القول إن المكتبة البيتية جزء من شخصية صاحبها، من ذاته، من تكوينه، من ذكرياته، بل -للدقة- هي جزٌ لا يكشف عنه غيُرها. ما إن يدخل أحدنا إلى بيت آخر، ويجد مكتبة، إلا ويبدأ بتفحّصها، كمن يتكشّف على ذلك الجزء، أو يكتشف أن هنالك، في الآخَر، ذلك الجزء وهو الآن معروض -لايڤ- أمامه. دونها، لا أقول إنّ ذلك الجزء مخفيّ، بل أقول: منفي، غائب، غريب…

تريد عرضاً فولكلورياً… معاليك!

يحزن أحدنا حين… أو لا. يغضب أحدنا حين يسمع عن منع عرض لفرقة في رام الله بسبب ملابس أفرادها. والأسباب أشدّ إثارة للغضب من القرار ذاته. بائس هذا الحال، ونحن نتكلّم عن مجال الفنون والثقافة، بائسة هي وزارة الثقافة الفلسطينية التي تمنع عرضاً لفرقة فلسطينية لأنّه -العرض- “لا يناسب الذوق العام”.

المقابلة: إيليا سليمان (٢/٢)

الجزء الثاني من المقابلة… هنالك إذن عملية الخلق، هي في كتابة الملاحظات والسيناريو والتصوير… ليس الملاحظات. هذه أكتبها أثناء الجلوس في مقهى، أو هنا في البيت أحلم وأقول “قد يكون ذلك مثيراً للاهتمام” أو ترى في الخارج شيئاً ما وتقول “آه هذا مضحك”. وتبدأ بكتابة الملاحظات. بعدها أرتّب هذه الملاحظات، هنالك أقسام: باريس مثلاً، أضع الملاحظات حول المدينة، بتاريخ ومكان محددين، كأنّها دفتر يوميات. بعدها تتخيل إن كان هنالك احتمال ليتحقق ذلك أو ليتم مسخه إلى بعدٍ فنّي أو سينمائي، فتبدأ في الحلم بها. ويمكن أن تجد ملاحظتين متقاربتين فتقول “آه هذه تشبه تلك، أو بين هذه الملاحظات صلة ما، بالتالي، سنرى إن أمكن وضعها في الصورة ذاتها”. ثمّ تبدأ بتركيب الصور. تركّب إلى أن يصير هنالك ثقل ما في المشهد، كي لا يبقى على مستوى النوادر أو القصص المتفرقة. لا بد أن تشعر بأن هذا المشهد صار لوحة بحد ذاته، صار فيه أجسام كمقدّمة وخلفية وجانبية. عندي دائماً الطموح بأن أحدهم حين يشاهد أفلامي ويشاهدها مرة أخرى، أن يكون كما يذهب إلى متحف لمشاهدة لوحة ما، يزوره عدة مرات ليعود إلى اللوحة ويرى أشياء …

المقابلة: إيليا سليمان (١/٢)

لا مقدّمات تُكتب لمقابلة مع إيليا سليمان…   السؤال الأوّل هو الأكثر توقّعاً، لم انتظرتَ عشر سنين بين «الزمن الباقي» و«إن شئت كما في السماء»؟ الإجابة بسيطة، أولاً لأنّي كسول. هنالك أسباب موضوعية وهنالك تلك التي لا جواب لها، وهنالك أسباب تبقى -لنقُل- نوعاً من الأعذار، أو لستُ متأكداً من أنّها أسباب فعلاً، لكن لها “مشروعية” ما. مثلاً،  هنالك فترة ليست قصيرة بين كل فيلمين من أفلامي، ٧ أو ٨ سنين. لكن لكونها ١٠ الآن، يمكننا السؤال “لمَ؟”. أنا لا أصنع أفلاماً روائية/سردية ولا مبنية على كتب، لا أكتب سيناريوهات عن شخصية متخيّلة. كل ما تراه في أفلامي هي أمور مأخوذة من حياتي الشخصية، أو قد تكون ملاحظاتي/مراقباتي لما يحصل حولي، أو تأمّلات لمسائل داخليّة. فإن أراد أحدنا أن يصنع فيلماً، لا بدّ أن يعيش، يعيش ليرى ما حوله. أحياناً يكون أحدنا متنبّها وأحياناً لا، تكون سارحاً أحياناً قد تكون في حلم يقظة ما، وأنت جالس على كرسي، كما أفعلها مراراً، أو حين تكون في الشارع وترى ما حولك وتدوّنه. وهذا لا يكون كل الوقت، ذلك يستغرق سنيناً. تجمّع هذه الملاحظات إلى أن تثقل وتجد أنّه …

«الحياة الحلوة»… الأدب يأتي أخيراً

من بين لائحة الأفلام التي بطلها روائيٌ، وأحبّها وأحبّ اقتراحها، هو هذا الفيلم الذي لم أدرجه هناك لتكون له مساحته الخاصة هنا، أحكي فيها عن تصوير هذا الفيلم لشخصيّة الروائي، عن نموذج لصورة الرّوائي في السينما، وإن لم تكن “روائيته” موضوعاً أساسياً، وذلك في أحد أفضل أفلام أحد أفضل المخرجين لديّ. «لا دولتشي ڤيتا» قد لا يلاحط أحدنا أن الشخصية الرئيسية في فيلم الإيطالي فيديريكو فلّيني روائيٌ، فهذا تفصيل يُذكر عرَضاً ثلاث مرّات، ضمن مَشاهد مزدحمة بالأحاديث، كأن يسأله أحدهم أين وصل في كتابه فيجيب بكلمتين لا تشيران إلى أي تقدم به، أو يقول كذلك سريعاً ورداً على سؤال آخر إنّه سيترك الصحافة وكذلك الأدب. فمارتشيلّو صحافي، وهذه المهنة أساسية هنا في حكاية الفيلم وفي شخصية بطله. الأدب لديه فعلٌ ثانوي إذ لا نراه حتى جالساً على كرسي يكتب إلا في مشهد واحد، في ترّاس مطعم تحت الشمس جالساً إلى طاولة أمام آلة كاتبة. لكن، وكما أن الأدب في الفيلم يأتي أخيراً بالنسبة لبطله المشغول بالنساء والسّهر، فالكتابة (في المطعم) أتت أخيراً إذ نراه يحاول الاتصال تليفونياً أو الانشغال بما حوله متفادياً الكتابة، أو متهرّباً …

الرّوائي في السينما… ٥ أفلام أحبّها

أفتتحُ بهذه المقالة ملفّاً سيكون عزيزاً، لتزامنه مع دخول المجلّة عامها الرّابع، ولموضوعه وهو العلاقة بين السينما والأدب، وللمشاركات التي ستتوالى بعد هذه، ولكل منها مقاربة متمايزة لتلك العلاقة، تتناول الأدب في السينما، والسينما في الأدب، وموضوعات تجمعهما. وكي نعطي للملف أبعاداً  أكثر من مجرّد نصوص تُقرأ، اخترتُ أن تكون افتتاحية الملف اقتراحات لأفلام تناولت الأدب، فيستطيع القارئ لمقالات هذا الملف أن يكون كذلك مشاهداً لأفلام أقترحُها، وقارئاً لروايات تقترحها مقالات أخرى نبدأ بنشرها اليوم. حاولت أن أحدّد اختياراتي قدر الإمكان كي لا أملأ الصفحة بالأفلام، فاخترت لقائمتي هذه أفلاماً لمخرجين أحبّ أعمالهم، يكون بطلُها روائياً. لم أحاول التنويع في بلد الإنتاج وسنته، ولم أتقصد البحث عن أفلام ليست غربية أو تكون لمخرجات نساء (سعياً لإحداث توازن ما) فالمعيار الوحيد في اختيارها هو إعجابي بها (قبل غيرها) كأفلام أحبّ اقتراحها للمُشاهدة، أما التفاوت في شخصيات الروائي في الأفلام الخمسة فهي صدفة حسنة. كما كان لا بد من تنحية أفلام أحبّها (وأحبّ اقتراحها) لأنّ بطلها كاتب سيناريو وليس روائياً كـ Contempt (١٩٦٣) لجان لوك غودار، و .Sunset Blvd (١٩٥٠) لبيلي ويلدر و Broken Embraces (٢٠٠٩) لبيدرو ألمودوڤار. كما …

«استراتيجية المقاطعة» عن “المركز العربي”… هذه ساحتُنا

نعرف أنّ أساليب المقاومة للاحتلال، كفلسطينيين، تتباين زمانياً ومكانياً، تبعاً للظروف الموضوعية والذاتية التي تحكم الفرد والجماعة منّا، وهذا ما جعل المقاومة، كفعل جماعي للفلسطينيين، تتراوح بين البقاء في (والإبقاء على) البيت، مروراً بقصيدة، في زمن سابق داخل الأرض المحتلة، إلى الكلاشْنِكوڤ في زمن لاحق، وقد خرج، وخرجت به الثّورة، من المخيّمات. أسلوب مقاومة واحد يمكن القول إنّه جمع الفلسطينيين، وقد نضج اليوم، واتّضحت معالمه وبان تأثيره ومدى إزعاجه، عميقاً، لدولة الاحتلال وأصدقائها. هو، تحديداً، المقاطعة. مقاطعة الاحتلال بالمدى الواسع الذي يمكن لهذه الكلمة -لهذا الفعل- أن تشمله، لا كتنظيم ولا مؤسسة، بل كفعلٍ هو جماعي تماماً كما هو فردي. بدراسات امتدّت موضوعاتُها تاريخياً وتفاوتت جغرافياً وتنوّعت اختصاصياً، إنتخبَ “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات” من أوراق البحث لمؤتمر «استراتيجية المقاطعة في النضال ضد الاحتلال ونظام الأبارتهايد الإسرائيلي: الواقع والطموح»، وأصدرها في كتاب بالعنوان ذاته (ديسمبر ٢٠١٨/ ٤٤٨ صفحة) بمقدّمة شاملة لمدير المركز، عزمي بشارة. إذ يوفّر الكتاب أرضيّة ثابتة لإدراك أهميّة وضرورة فعلٍ كالمقاطعة، اليوم تحديداً، كامتداد راهن وجامع لعموم التراث المقاوم للفلسطينيين. في مقدّمته، يفصّل بشارة في التنويع داخل فعل المقاطعة ذاته، المتعلّق -كما كان …

رسالة “كان” الأخيرة… على هامش المهرجان، وفي متنه

ستكون هذه الرسالة، الأخيرة، على شكل نقاط، فتعلّقها معاً بالدورة ٧٢ من مهرجان كان السينمائي لا يبرّر تجاورها لتكون مقالة منسجمة. الحقيقة أنّ هذه الرسالة كتبتها من باريس، فقد انتهى المهرجان وعاد كلٌ إلى بيته. الرسائل السابقة تعلّقت بالحضور الفلسطيني في المهرجان، والمتمثل في الوفد الفلسطيني وأنشطة “مؤسسة السينما الفلسطينية”، وفي فيلم «أمبيانس» الذي نال الجائزة الثالثة في تظاهرة «سينيفونداسيون»، والحدث الأهم فلسطينياً سينمائياً (سيكون دائماً الفيلم الجديد لإيليا سليمان) وهو “ظهور” فيلم «إن شئت كما في السماء» ونيله تنويهاً خاصاً (هي جائزة) وكذلك جائزة الاتحاد الدولي للنقاد “فيبريسي”. ونشرنا أكثر من مادة عن كل من الموضوعين الأول والثاني، ومازال ملفّ “إيليا سليمان” قائماً حتى الأسبوع القادم. للمحكّمين دائماً منطقهم وأذواقهم، وهذا ما جعل أفلاماً عظيمة في تاريخ المهرجان (وغيره) لا تنال السعفة الذهبية ولا غيرها، وهذا ما أخرج أسماء كبيرة من هذه الدورة دون سعفات تتظلّل بها، كالإسباني بيدرو ألمودوفار. وطبيعة فيلم سليمان، شكلاً ومضموناً، مقولةً فنّية وسياسية، تجعله أكثر تعقيداً من أن ينال سعفة يريد -غالباً- محكّموها لها خيارات آمنة، وهذا كذلك ما جعله ينال جائزة النّقاد دون غيرها. نعود إلى ألمودوفار، هو أحد …

رسائل “كان”: «إن شئت كما في السماء»

نوعيّة الحدث يجعله جديراً أم لا، بالانتظار لعشر سنين، وفيلم إيليا سليمان الأخير هو أولاً حدث، سينمائي أولاً وفلسطيني ثانياً، وهو ثانياً جدير بهذا الانتظار. لم يكن عليّ مشاهدة الفيلم في مهرجان “كان” قبل يومين لأتأكد من ذلك، فكثير من المؤشرات العامة والخاصة برّرت لي توقّعاتي بفيلم عظيم ينتظرنا، لكن لا تجدر الكتابة عنه دون المشاهدَة، وكان ذلك وتأكّدَ كلّ شيء: الفيلم ناقد جداً، ساخر جداً، فلسطيني جداً، عالمي جداً، والأهم: سليماني جداً، واستحقّ تصفيقاً قارب ثلث ساعة، وأكثر من الجائزتين اللتين نالهما (جائزة النقّاد: FIPRESCI والذِّكر الخاص: Special Mention). ليست أسطري هذه مراجعة عن الفيلم بل إشارات سريعة له، إذ يحتاح حديثاً طويلاً سأعود إليه، قد يكون أكثرها إلحاحاً هو عنوان الفيلم، وهو أساساً بالإنكليزية، وهذه واحدة من استسهالات الصحافة العربية حسنة النّية، إذ يعتمد أحدهم ترجمة فورية بغض النظر عن جودتها (أو لباقتها بالعربيّة)، لتتناقل إلى ما لا نهاية. العنوان العربي الصحيح والذي بحث عنه إيليا وأراده لفيلمه هو «إن شئت كما في السماء» وهو ليس ترجمة للعنوان الإنكليزي ولا ضرورة لأن يكون كذلك أساساً، وقد أتى من الصلاة: “أبانا الذي في السموات. ليتقدس …

رسائل “كان”: «أمبيانس»

قبل أعوام قليلة قلنا إنّ من المفرح أن يكون في فلسطين كليّة لتدريس صناعة الأفلام هي “دار الكلمة”، قبل أيام قليلة فرحنا لترشّح فيلم «أمبيانس» لأحد طلاب الكلية، وسام الجعفري، لمسابقة “سينيفونداسيون” للأفلام القصيرة التي تقدّمها مدارس السينما. أمس فرحنا لنيل الفيلم الجائزة الثالثة في المسابقة. هذا هو التطوّر الطبيعي لتأسّس بنية سينمائية في أي بلد، إذ تنحو السينما لتكون صناعة جمعيّة إضافة لكونها أعمالاً فردية، وفي فلسطين، حيث ظروف الإنتاج السينمائي تفوق معظم ما في دول العالم، صعوبةً، لأسباب كلّنا يعرفها، وهذه ثيمة أساسية في «أمبيانس» بالمناسبة. طالب من مخيم الدهيشة درس في كليّة فلسطينية ونال جائزة في مهرجان كان السينمائي، لا يمكن إلا التوقّف عنده، عند المبدعين الشباب المستحقين لكل رعاية تساندهم في الانطلاق بمشاريعهم السينمائية، وعند الطموح الكبير لكلية محليّة وصلت بطلّابها إلى المهرجان العالمي. ليس التقدير الذي يناله الجعفري وفيلمه والكلية التي درس فيها مبرّره الأوّلي هو الخروج من تلك الظروف المعيقة وأوّلها الاحتلال الإسرائيلي، بل جودة الفيلم فكرةً وتنفيذاً. يحكي الفيلم عن شاب من المخيم لا يجد مكاناً لتسجيل عزفه على الكمنجة، منذ استيقاظه حتى آخر الليل، الضجّة التي يسببها …

رسائل “كان”: نهيمُ على وجوهنا

لسنا مكاناً، لسنا حدوداً، لسنا دولةً، لكنّنا حاضرون، ومعنا تحضر ثقافتنا وفكرتنا عن الوطن والانتماء إليه، لم يعتد الفلسطينيون مكاناً خاصاً بهم، مكاناً يدخلون إليه. نحن خارجون دائماً، لا نجدُنا سوى خارجين عن أمكنتنا، مبعثرين في أمكنة الآخرين. جُملة درويش صارت شعاراً ينكر به الفلسطينيون الحالة القائمة في أنّ “وطني حقيبة” بنفيها، لفظياً، شعرياً، مجازياً، لأنّ الوطن، فلسطينياً، حقيبة. كان كذلك وما يزال. هو الراهن المستنسِخ لذاته، للفلسطيني منذ الخروج الكبير عام النكبة، منذ الترحال الأوّل. متى وجدنا مكاناً يجمعنا، يتلاشى كالغبار. نُبقي حقائبَنا على ظهورنا، نهيم على وجوهنا. كذلك كان الفلسطينيون في مهرجان كان لهذا العام، لا مكان يجمعهم، لا جناح يأويهم كالخيمة، أشبه بحالهم التي تعوّدوها، حقائبهم على ظهورهم، متنقّلين بين أمكنة الآخرين، أصدقاء لهم وغرباء عنهم. تعوّدُ هذه الحال ليس حسناً، ليس اختياراً، التكيّف مع الترحال ليس امتيازاً، لكنّ فلسطين هي الفلسطينيون (وفنّهم)، هي أين تواجدوا، هي الفكرة التي يشكّلها هؤلاء بحضورهم أين كانوا، هي كلّ هؤلاء معاً، بفنونهم، هذا ما شعرتُه في المهرجان الكئيب من ناحيته الأخرى، كأنّ عرساً عالمياً يمتدّ لأيّام، ينتشر الفلسطينيون فيه، حقائبهم على ظهورهم، يحكون بمشاريعهم وأفلامهم عن …

رسائل “كان”: الفلسطينيون رُحّل المهرجان

في كل مناسبة، مهرجان، حدث، حيث أعلام تمثّل بلداناً، ترتفع أعلى منصّات تحكي شيئاً ما عن تلك البلاد، عن ثقافتها، عن نتاجها الفنّي، أمرّ باحثاً عن علم فلسطيني، مفترضاً، دائماً، حضوره، وهو ما كان العام الماضي في مهرجان كان السينمائي (ووجدتُه)، وإن لم يحضر العلم أواصلُ البحث متأمّلاً، لا مفترِضاً، غياب العلم الإسرائيلي. وحضور العلم أو غيابه لا يتعلّق بقطعة قماش ملوّنة بقدر ما يتعلّق بما تقدّمه تلك المنصّة، ذلك الجناح، أسفل العلم. في مدينة كان المتوسّطيّة، في مهرجانها السينمائي، مررتُ صباح أمس بالمكان الذي شغله جناحُ فلسطين السنة الماضية، كان خالياً، ليس كقرية مهجّرة في البلاد، فهذا توصيف ينحصر بالنّكد الفلسطيني، كان خالياً وحسب، كملعبٍ -لنقُل- إثر انتهاء اللعبة. وكانت السماء أعلاه خالية كذلك من علمنا (بألوانه غير المتناسقة). ليس بعيداً عنه كان الجناح الإسرائيلي، الواسع، بالكراسي والطاولات المبعثرة في باحته كالمستوطنات، بحضور يستمع إلى متحدّث يقول، ولم أسمع سوى تلك الكلمات أثناء مروري: في أفلام الأنيمايشن، لدينا حرية أكبر في الخيال. للإسرائيليين دائماً منصّاتهم التي يحكون فيها “بحرية أكبر في الخيال” عن نتاجهم الفني، عن ادّعاءاتهم الثقافية والسياسية والأخلاقية، منصّات تعلوها أعلامهم لتُظهر …

النكبة مستمرّة… بالثورات المضادة

لم نكن، كفلسطينيين، أقل رغبة في إسقاط الأنظمة من الشعوب التي حكمتها تلك الأنظمة، في سوريا ومصر تحديداً، ولسنا، الآن، معنيين أقل من السوريين والمصريين في نيل مطالبهم الأولى، لسبب فلسطيني بحت، يتعلّق بالنّكبة واستمراريتها، هو لحظة الأمل التي تألّقت في دواخلنا مع الاندلاعات الأولى في الشوارع السورية والمصرية، وهي من بين الأكثر تأثيراً على تاريخنا وحياتنا ومآلنا كفلسطينيين، لحظة الأمل بأنّ كل ما كانت عليه قضيّتنا، منذ اللحظات الأولى للنكبة، منذ سُميِّيت كذلك، وقد استمرّت بأشكالها إلى اليوم، بأنّ كلّ ذلك سيتغيّر في لحظة تاريخية يعيشها الفلسطينيون كما السوريين والمصريين. إسقاط النظامين العربيين كان يعني، لنا، تحريراً فلسطينياً منتظَراً ومنظوراً، تماماً كما قالها الراحل سلامة كيلة: “من أجل تحرير فلسطين نريد إسقاط النّظام.” لذلك، وقد نهضت الشّعوب وأُخمدت، نهضت مجدّداً ومجدداً لتتنظّم مقابلها ثورةٌ مضادة في كلا البلدين، في سوريا كانت استدراكاً لحال النّظام الأمني القائم وفي مصر كانت انقلاباً عسكرياً. فلسطينياً، عنى ذلك انطفاءً لذلك التألّق، واستعادة دولة الاحتلال اطمئنانَها، وتلاشي فكرة التّحرير لدينا، كفعلٍ قابل للتحقّق يتعلّق، دائماً، بثورات الشعوب المحيطة على أنظمتها الحامية، شكلاً ومضموناً، جملةً وتفصيلاً، سراً وعلانية، لإسرائيل. نكبتنا، …

العودة… خيالٌ في الخيال

العودة بما تعنيه فلسطينياً، ليست إلا جماعية، مباغِتة، بالكاد ”يُعيد“ أحدنا معه ما يستطيع حمله، تماماً كما خرج جيل سابق، من فلسطين، ولا تكون إلا من نقاط تجمّع وانطلاق هي المخيمات، فتنزل الجموع الفلسطينية من حلب إلى حمص، ومن المدينتين إلى دمشق، في مخيّمات هذه المدن، متّجهين إلى الجولان، ولا يكون ذلك إلا في باصات جماعية، وسيّارات، ومشياً على الأقدام لمن استطاع. وكذلك هو الحال في مخيّمات لبنان، إذ ينزل النّاس من طرابلس إلى بيروت، ومن مخيّمات المدينتين إلى صيدا، متّجهين إلى الجليل. فلسطينيون، وسوريون ولبنانيون، جموع تملأ حتى طرفيْها الأفق، شعوب آتية من كل المدن والقرى والمخيمات في سوريا ولبنان، ومن الأردن جنوباً، يسرعون راكضين متى اقتربوا من الحدود، المسنّون منهم يعرجون على عكاكيزهم، لا أحد يسقط، لا أحد يمشي على مهل، لا أحد لا ينظر أمامه. هذه هي الصّور التي تتشاركها أذهان الفلسطينيين، بتغييرات خفيفة، فلكلٍّ نسخته منها، زاوية التقاطه لهذه الصّورة وتلك، تركيزه على وجوه دون غيرها، على قصص تفصيلية ولقطات مقرّبة، على حذاءٍ تُرك لوحده خلف الجموع، حَطّةٍ مستقرة على التراب، كيسٍ ممتلئ أعاق أحدهم عن سباق الآخرين فأفلته من يده …

قلقُ الذكريات المُستعارة

لأنّي ضد التصنيفات، وجدتُها فرصة حين عرفت أن للورقة التي سأقدّمها موضوعٌ هو “ملامح الرواية الفلسطينية المعاصرة”، فرصة كي أقول أنّ ليس هنالك ما يمكن تصنيفه بالرواية الفلسطينية المعاصرة، ببساطة لأنّ الكلمة الإشكالية -الأكثر إشكالية- في العبارة هي “فلسطينية”، فـ”الرواية” لها معالم واضحة تطوّرت واتّسعت لأشكال نصّية عديدة، و”المعاصرة” مفردة أقل إرباكاً من “رواية”، أمّا “فلسطيني” فهي كتصنيف، يصعب تحديدها، يصعب اختصارها بنماذج من الرواية التي يكتبها فلسطينيون معاصرون، وذلك يعود ببساطة لكون الفلسطينيين مجتمعات منفصلة، ومنها ما هو داخل مجتمعات أكبر فتتقاطع معها، ومجتمعاتنا هذه غير متجانسة، لأفرادها تجارب وحيوات لا صلة لها ببعضها، وكل ذلك تطوّر واتّخذ أشكاله منذ عام النكبة، وكل ذلك يحول دون تعميمٍ يكون دقيقاً نسبياً، مهما أُتيح له أن يكون واسعاً، يُطلِق صفة “وطنية” هي “فلسطيني” على مجموعة من الروايات. سأجدني، إذاً، عاجزاً، عن تناول عموم الرواية الفلسطينية وملامحها لسببين: أولهما أنني غير مقتنع أن التجارب الروائية الفلسطينية المعاصرة متجانسة، فلا ملامح واضحة لها يمكن اختصارها في ورقة، ولا أرى ذلك عيباً فيها بل غنى يزيد بمواضيعه المتفاوتة (من رواية تعيش شخصياتها في حيفا إلى أخرى في مخيم اليرموك …

فلسطينيو سوريا في أوروبا… على أطراف المجتمعات

اليوم، بعد سبعين عاماً على احتلال فلسطين وتهجير نصف شعبها، وبالتالي تقسيمه، من سنتها، ١٩٤٨، إلى مجتمعين أحدهما داخل البلد والآخر خارجه، صار الفلسطينيون أكثر تشتّتاً، زمانياً ومكانياً، وصار المجتمعان مجتمعات. وخلال السبعين عاماً هذه، تعاظم عدد الفلسطينيين ليصير من ١,٩ مليون، عام النكبة، تهجّر منه ٧٥٠,٠٠٠، إلى ١٢,٤ مليون داخل فلسطين وخارجها، فخلقت هذه الأرقام مجتمعات متفاوتة، وساعدت السبعون عاماً على تكريس هذا التفاوت وبالتالي خلق مجتمعات فلسطينية في منافيها، هي فلسطينية بقدر ما هي ابنة المجتمعات المحليّة، وقد تكون أقل. لكل من المجتمعات الفلسطينية هذه عناصر يمكن أن تمايزها عن الأخرى، ما يباعد بين كلّ منها، وبين ما يمكن تسميته بالمجتمع الفلسطيني بالعموم، فهذه بالأساس تسمية افتراضية، تلاشت منذ عام النكبة، وحلّ محلّها ”الشعب الفلسطيني“ للدلالة على عموم هذه المجتمعات، داخل البلد وخارجه، في المدن والقرى، في المخيمات والشتات. فكانت -الشعب الفلسطيني- عبارة سياسية أكثر منها اجتماعية، أو كانت الإشارة الوحيدة للفلسطينيين عامة، كأصحاب قضية واحدة تجعل منهم شعباً واحداً، وإن بمجتمعات متباينة متداخلة بمجتمعات أخرى يمكن أن تحمل لنفسها تسمية ”المجتمع الواحد“. داخل فلسطين، هنالك الأرض المحتلة من البلد عام ٤٨، والأرض …

«آخر الشهود»… آخر الكلمات

لطالما قال الفلسطينيون إنّ مأساتنا/نكبتنا هي الأكبر في التاريخ المعاصر (على الأقل)، ليلحقهم السوريون و”ينافسونهم“ على ذلك قائلين إنّ مأساتنا الرّاهنة تخطّت كل ما سبقها. لم أضع ”مأساتنا“ في الادّعاءين أعلاه بين علامتَي تنصيص لأنني (لحسن حظّي أو لسوئه) أجدني ضمن هؤلاء وأولئك، فـ ”نا“ المتكلّم تعود، لسوء حظّي وحسب، عليّ كذلك. على كلّ حال، لم تسحرني يوماً تلك المنافسة على مَن تألّم أكثر، أو فجع أكثر، ولو عاد الأمر لي لاخترتُ أن أكون من بين الخاسرين، أوائل الخاسرين، ألّا أجدني يوماً واحداً من ”آخر الشّهود“ لمأساتيْنا. اطّلاعي المتواضع -فعلاً- على مآسي شعوب أخرى منحني -نعم، بكل وقاحة- ارتياحاً بأنّنا، كفلسطينيين وسوريين، شركاء مع آخرين كثر في مآسي هذا العالم، آخرين كثر حكوا كثيراً عن مآسيهم. ونحن، ما لم يحكِ أحدنا، أو كلٌ منّا، عن مأساته الفردية ضمن سياقها الجمعيّ، لبقيت تتآكل في ذاكرتنا، نحن الضحايا. ”لماذا رويتُ لكِ هذا؟ الآن أشعر برعب أكبر من ذلك الوقت. ولهذا أنا لا أستعيد الذكريات…“ هذا ما قالته إحدى الشّهود لسفيتلانا أليكسييفتش في «آخر الشهود»، متفادية الحديث عمّا حصل. جمّعت الكاتبة البيلاروسية (نوبل للأدب ٢٠١٥) شهادات عديدة، وهي …

ستبقى زاويتك في مكانها يا سلامة

ليس من السهل الكتابة، هنا، حيث كان سلامة حاضراً دائماً، عن غيابه. بدأت المجلّة به، في انطلاقتها، واستمرت مقالاتُه في حضورها بشكل منتظم، طوال أكثر من سنتين، لتتقطّع أخيراً بسبب المرض، وتنقطع مساء أمس، مرة وإلى الأبد. ليس من السهل أن يكون سلامة ذاتاً في المجلّة ثم يتحوّل إلى موضوع فيها، أن يكون بانياً أساسياً لخطّها السياسي والفكري، ويتحوّل، في ساعة واحدة، إلى مرجع نهائي له مواقف ونصوص يمكن الاتكاء عليها لتفسير وإدراك ما يحصل بعدها، دون موقف راهن ومباشر ومكتوب منه، أو محادثة سكايب. الصّورة التي استطاعت هذه المجلة تكوينها، بمواقفها السياسية والأخلاقية، تعود بالدرجة الأولى إلى سلامة، إلى مقالاته وأحاديثه، وقد أخبرتُه بأنّ رمّان استطاعت أن تكون مجلّة يساريّة بفضله أولاً، لحضوره بأفكاره وتحليلاته وآرائه السياسية والثقافية والفكرية. لن أرثي هنا سلامة، فهو باق بنصوصه، بمقالاته وكتبه وحواراته. ليس الرثاء ما يتمناه سلامة، بل مواصلة المشوار، على النهج الذي شكّله هو للمجلّة. لن نرثي سلامة بل سنَعدُ بأن نبقى على الطريق، سأعده دون أدنى فكرة لديّ إن كان سيصله ذلك أم لا، إن كان سيطّلع على هذه الأسطر أم لا، سنعده لأنفسنا أوّلاً وله …

”المخطوطات لا تحترق“

هذا ما قاله الشيطان، فولند، إلى المعلّم، وهذا ما حصل فعلاً، إذ أنّ الأوّل طلب من مساعده، القط بيغيموت، أن يحضر له المخطوط الذي أحرقه المعلّم إثر كتابته، فوثب القط عن الكرسي الذي كان/صار سحراً ”رزمة سميكة من المخطوطات“. هذا في حصل في رواية الرّوسي ميخائيل بولغاكوف «المعلّم ومرغريتا»، هذا ما حصل في خيال المؤلّف الذي كان قد أحرق هو بنفسه مخطوطات سابقة له، منها نسخة أولى من هذه الرّواية التي ستصير واحدة من أهم الكلاسيكيات الأدبية في القرن العشرين. أما سبب الإحراق هنا فهو الخوف مما يمكن أو يؤدي إليه المخطوط من اعتقال، أو ”اختفاء“ كما هو الحال في الرواية وكما هي الصورة الأصلية التي انعكست عنها حكاية الرواية، والحديث هنا عن الاتحاد السوڤييتي الستالينيّ في ثلاثينيات القرن الماضي، فقد أحرق كل من المعلّم في الرواية وبولغاكوف في الواقع مخطوطه خوفاً من السلطة وأتباعها من المثقّفين والنّقاد، في موسكو. لكن في الثلاثينيات كذلك، كان هنالك نوع آخر من الإحراق، في مكان آخر تماماً، حيث تمّ إحراق ما تمّ ”تبجيله“ في المكان الأوّل، وذلك في برلين النازيّة، إذ حمل العديد من الطلّاب الألمان آلاف الكتب …

عامان على رمّان… نريد مكتبنا في حيفا

تكمل رمّان اليوم عامها الثاني، سريعاً، وقد أوجدت لنفسها مكانة خاصة في الصحافة الثقافية العربية، متمسّكةً بنوعيّة ما تقدّمه، مع تفاوت نسبي بين مادة وأخرى، ومتمسّكةً بتقديم جمالي للمادة المكتوبة، تحرص عليه، وباستقلاليتها وحرية كتّابها وجرأة محتواها. في العام الأوّل كانت رمّان تتأسّس وتوسّع مساحةً لنفسها بين المواقع الإلكترونية والصحف العربية العديدة. في العام الثاني واصلت المجلّة مرحلة التأسيس والتطوّر، واستطاعت -رغم ميزانيتها المتواضعة- أن تنال الثّقة من قرّائها لتقدّم محتوى بمسؤولية أكبر -يدل على ذلك عدد القراءات وقبله اهتمام الكتّاب/القرّاء بالنّشر في المجلة- واستطاعت بذلك نيل ثقة العديد من المؤسسات والمهرجانات فكانت إمّا شريكاً إعلامياً وحيداً لها كما هو الحال مع ”جناح فلسطين“ في مهرجان كان السينمائي، وكما هو الحال مع حدث فنّي هام سيُنظّم قريباً، أو شريكاً إعلامياً مجاوراً لمؤسسات كبرى من صحف وتلفزيونات كما هو الحال مع «دار النمر» في بيروت و«مهرجان رام الله للرقص المعاصر» و«معرض الكتاب في فلسطين» وغيرها… وكان يمكن للمجلة أن تكون شريكاً إعلامياً في أحداث ثقافية أخرى إنّما طبيعة تلك الأحداث التي تتطلّب حصراً حضوراً في المكان، حدّ من إمكانية تغطية موسّعة للمجلّة وإن لم يمنع ذلك نشرَ …