1
اكتب تعليقُا

“خطاة”… سردية مضادة لهوليوود البيضاء

★★★★

هو فيلم يجمع ذاكرة هوليوود، إنما مقلوبة، ينقلب الفيلم بسرديته البديلة، على تراث طويل من السينما الأمريكية، بأنواعها، فنحن هنا أمام فيلم عصابات الوسترن، وكذلك فيلم رعب على نمط الزومبي، لكنه دائماً قصة حب، وتاريخ العنصرية الأمريكية، والمجازر بحق السود خلال الحرب الأهلية وبعدها، وغيرها، كأن يكون فيلماً عن موسيقى الجاز وتطورها من نغمات عمال زراعة القطن إلى الجاز اليوم، لكن، ولعله ليس أخيراً، هو فيلم تعيش فيه شخصيات أعماراً لا متناهية، كمصاصي الدماء، حيث لا بد من الاختفاء قبل طلوع الشمس.

تراث كامل من سينما هوليوود جمعها هذا الفيلم، مانحاً إياها لوناً أسود، كأنه إعادة صياغة لذلك الإرث الأبيض للسينما الأمريكية والغربية عموماً، من وجهة النظر الأخرى، المغيَّبة، السوداء، من وجهة نظر مزارعي القطن، ومخترعي موسيقى البلوز والجاز، مع أفراد عصابات في الغرب الأمريكي ببشرة سوداء، قبل أن يتحولوا إلى مصاصي دماء واصلين، منذ أحداث الفيلم، في المسيسيبي من ثلاثينيات القرن الماضي، إلى اليوم، من ساحة للرقص آنذك إلى نادي جاز اليوم. حيث شاب صغير في زمانها يحب العزف على الغيتار في اللحظات الأولى التالية للحرب الأهلية حيث لا تزال العنصرية دموية في الولايات المتحدة، سيصير عازف غيتار الكتروني بعد عقود طويلة.

فيلم “خطاة” (Sinners) للأمريكي ريان كوغلير، ينقل هذا التاريخ، الإرث، بصوته، بأصوات سوداء بديلة للسردية الرسمية لهوليوود البيضاء، جامعاً أنواعاً سينمائية في فيلم واحد لا نوع واضحاً له، يمكن القول عموماً إنه فيلم رعب، لكن يمكن الجدال في ذلك، لكونه كذلك فيلم عصابات، يمكن لأحدنا أن يخصص في الرعب فيقول إنه فيلم مصاصي دماء، آخر يناقش في أنه أقرب إلى قصص الأموات الأحياء، بمشاهد زومبية تملأ الفيلم. آخر يجد فيه قصة حب مثالية وعابرة للألوان، بين أسود وبيضاء. آخر غير أخير يجد فيه فيلماً عن تاريخ الولايات المتحدة البغيض والمجازر بحق السود.

الفيلم هذا كله مجتمعاً، لا شيء هنا ينفي الآخر بل يكمله وصولاً إلى الفيلم بصيغته النهائية. أما الجدوى من ذلك، أساساً، فهي إعادة صياغة السرديات الهوليوودية، بقبضة واحدة، بضربة قاضية، من هذا الفيلم موجهة إلى عموم التراث العنصري للسينما الأمريكية، الأقرب إلى قصص الرعب، لمصّ دماء السود، ومحو هويتهم، الموسيقية والراقصة تحديداً. نحن هنا أمام سردية نقيضة لإرث هوليوود.

لكن، هذه السردية النقيضة، هذا المضمون، كانت كذلك بشكل سينمائي عالٍ، بأداء مزدوج لبطله، مايكل جوردان، في دور توأمين، بتصوير ليلي، لساحة الرقص تحديداً، وللنّقل الزماني في مشهد لأغنية في الفيلم كان شريطاً سريعاً لتطوّر موسيقى الجاز من ساحة الرقص حيث يستريح السود بعد عناء العمل أو في الإجازات، إلى امتهان الموسيقى في نوادي الجاز. تلوين للصورة بالأصفر والأحمر جعل للفيلم هوية بصرية حادة، حامية، هي بحدة الأحداث وحرارتها المتواصلة على طوله. الكثير من القتل، الكثيف من الدماء، وهذا كله يفضي في النهاية إلى شر واحد، هو أساس ما حصل، العنصرية البيضاء التي أودت إلى تلك المجزرة بحق السود أثناء رقصهم.

في الفيلم توأمان يعودان إلى منطقتهما بعد غياب، رجلا عصابات ببشرة سوداء، يشتريان بيتاً واسعاً لتحويله إلى نادي جاز ليلي، للأكل والشرب والرقص والغناء وما يمكن للعمال والمزارعين السود أن يفرحوا به. يهجم زومبيون بيض عليه، ومجزرة وتحصل بالتدريج، في ليلة كارثية، تحيل مباشرة إلى عصابات KKK الإجرامية المنادية بالتوفق الأبيض، والتي تأسست في النصف الثاني من القرن التاسع عشرة وارتكبت مجازر لا تحصى بحق السود.

لا تمر دقيقة من دون تشويق في هذا الفيلم، كأن تشكيلة الأنواع المختلفة، من الرعب إلى العصابات وغيرها، منحت الفيلم مداخل ومخارج لا تنتهي في انعطافات وتموضعات للقصة، لأحداثها التفصيلية، واحدتها تلاحق الأخرى، من دون التقاط للأنفاس، بذلك استطاع الفيلم أن يستثمر عناصر من أكثر من نوع سينمائي، لجعل السرد الدموي، على كفّ متوتّرة لا تهدأ ارتجافاتها، حتى المشاهد الأخيرة التي حملت الفيلم من سياق واقعي إلى آخر لاواقعي، من التاريخ إلى السينما. الفيلم مسار طويل لتاريخ الولايات المتحدة ولتاريخ سينما تلك البلاد، بدءاً من العنصرية وليس انتهاء بغيرها.

في القدس العربي.

فيلم «خطاة» … سردية مضادة لهوليوود البيضاء

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.