1
اكتب تعليقُا

“فلسطين ٣٦” لآن ماري جاسر… الفيلم يرمم السردية ويستعيدها

★★★★

يمكن للفيلم الرابع لآن ماري جاسر أن يواصل امتياز ما سبقه حاملاً السيرة السينمائية للمخرجة إلى سياق جديد، كما كان كل فيلم نقلةً مختلفة في سياقها عن سابقه. في “ملح هذا البحر” كان استعادةً رمزية وراهنة لحقٍّ ممتد منذ الانتداب، في “لما شفتك” كان عودة إلى بدايات الثورة في الستينيات، في “واجب” كان انتقالاً إلى دواخل الشخصية واستحضاراً للحكم العسكري من خلالها. في كل من هذه الأفلام نوع سينمائي يختلف عن سابقه في هذه السيرة، تكتشف فيه جاسر مساحة جديدة. في فيلمها الأخير، “فلسطين ٣٦”، استكشاف جديد لمرحلة لم تطرأها السينما الفلسطينية، من تاريخ هذا الشعب.

سينما جاسر هي الأكثر تنوّعاً في سيرة السينما الفلسطينية، الأكثر تفاوتاً في سياقاتها ومقارباتها. وكما ابتعدت جاسر في “لما شفتك” إلى مرحلة زمانية وكان اكتشافاً سينمائياً إذ لم يسبق الفيلمَ إليها فيلم روائي فلسطيني في موضوع رئيسي، كذلك كان فيلمها الأخير الذي استعاد مرحلة ثورية في تاريخ الفلسطينيين، تأسيسية لتاريخهم الحديث، ولم يسبقه إليها فيلم فلسطيني في موضوع رئيسي.

استَحضرت أفلام قليلة أو مشاهدُ من أفلام قصصاً من تاريخ الفلسطينيين، النكبة والحكم العسكري تحديداً، لكن الاستكشافي هنا كان تصويرَ حدث مفصلي وتأسيسي في هوية الفلسطينيين الحديثة، ما بين الحربين العالميتين، وليس قصة في التاريخ. في الفيلم ما هو أولاً مفصلي وثانياً أبعد من كل ما سبقه واصلاً إلى فعل فلسطيني مكافح هو افتتاحي لمسيرة الكفاح هذه المستمرة حتى اليوم.

لا تنحصر قيمة سينما آن ماري جاسر في جودتها وحسب، المتفاوتة بين الأفلام وآخرها هو أفضلها، بل كذلك في الحالة الاستكشافية من تاريخ الفلسطينيين في كل فيلم، ثم في الجرأة في هذا الاستكشاف، تحديداً في إصرارها على نقل الصورة التي يتفاداها كثيرون في فلسطين ويرفضها كثيرون في الغرب، هي صورة الفدائي والمجاهد، في زمن الفدائية أواخر الستينيات، حين بدأ الفلسطينيون يصنعون صورةً استطاعت التكرّس والتمدّد لأكثر من عقد، وفي زمن الجهادية، بأولى صور المقاومة التي أجهضها الاستعمار البريطاني في فلسطين، الممهّد لاستعمار استيطاني.

“فلسطين ٣٦” إذن إضافة نوعية لا إلى السيرة السينمائية لجاسر وحسب، بل إلى عموم السيرة السينمائية للفلسطينيين، والتي غاب عنها تماماً أي تناول لمرحلة ثورية تأسيسية في الهوية الفلسطينية، هي إضراب وثورة العام ١٩٣٦. الفيلم بذلك يتعدى قيمته الفنية إلى أخرى تاريخية من ناحية، لضرورة العودة إلى تجارب وحالات ثورية في تاريخ الفلسطينيين لا تزال متعلقة براهنهم، وبالتالي استعادتها بوصف الراهن امتداداً لها، وبالتالي تتعدى القيمةُ التاريخَ إلى حالة معاصرة تنعكس في هذا الفيلم والكفاح الثوري للشعب ذاته، الممتد بشكله المنظَّم والواعي إلى قرابة مئة عام، إذ أن ثورة ٣٦ هي أولى المراحل الكفاحية الجمعيّة والفاعلة والمؤسِّسة للشعب الفلسطيني.

كما كان المشهد الافتتاحي في “ملح هذا البحر” استعادة أرشيفية من التاريخ، من النكبة التي كان المشهدُ تفصيلاً فيها، خروجاً نكبوياً من يافا. كان المشهد الافتتاحي في “فلسطين ٣٦” كذلك استعادة أرشيفية من التاريخ، يوميات فلسطينية من واقع استعمار ما قبل النكبة. مَشاهد من الأرشيف البريطاني في فلسطين، صامتة لحياة الفلسطينيين آنذاك، تمّ تلوينها وترميمها ومُنحت صوتاً، ثم دُمجت مع الفيلم لتكون ممراً بين طبيعة الفيلم الروائي، والتاريخ الواقعي الذي يعود إلى الظرف الاستعماري البريطاني، والذي يعيش الفلسطينيون امتداداً له إلى اليوم.

في ذلك نرى تقصّداً من المخرجة في الانطلاق من مشاهد أرشيفية، واقعية، لتبني قصصها عليها، لا لمنح هذه القصص سياقاً تاريخياً ممتداً زمانياً، وحسب، بالقول إن لهذه القصة أصل في تاريخ هذا الشعب، فيكون الربط بين الوثائقي والروائي، أو الأرشيفي والخيالي، بل بإحالة الراهن، الواقعي منه والروائي، للفلسطينيين، إلى ذلك التاريخ الكفاحي، لأن في ٣ من أفلام جاسر إرادة للمقاومة وممارسة لها. بذلك يربط الفيلم بين الأرشيف والرواية من ناحية، وبين التاريخ والواقع من ناحية أخرى. هذا بحد ذاته قيمة عليا ونادرة في السينما الفلسطينية، أما أن يكون بجودة فنية كما هو حال “فلسطين ٣٦”، فهذه قيمة عالية مضافة. لم يكن، إذن الترميم محصوراً بالصورة، لم يكن تقنياً، بل كذلك وبربطه بالفيلم الروائي، كان الترميمُ سردياً، رمَّم الفيلمُ السردية الفلسطينية بوصل طرفَيها: أرشيف ما قبل النكبة بكاميرات بريطانية، موصول بمونتاج “فكري” مَعني بالأثر الإدراكي الذي يمكن أن يناله المُشاهد، بحسب أيزنشتاين، موصول مع صناعة تصويريّة اليوم، ما بعد النكبة، لتكمّل هذه تلك وينزع الفيلمُ الواقعَ المستعمَر في الأرشيف معيداً صياغته في سردية وطنية، بلسان فلسطيني، للحدث المفصلي ذاته، الثورة.

إضافة إلى المشهد الافتتاحي، للختامي إحالة كذلك. فكما كان المشهد الختامي في “لما شفتك” لطفل يركض نحو فلسطين، تتوقف عنده الكاميرا في تجميد لذلك الزمن من دون مدّه، مدِّ الزمن الثوري من خلال مدِّ مسار الطفل الراكض، كان المشهد الختامي في “فلسطين ٣٦” كذلك لطفلة تركض وبامتداد لمسارها، لا تجميد للقطة والزمان هنا. تركض لينتهي الفيلم بها مبتعدة، في ما بدا استمرارية للمجاهد المغدور، للثورة والإضراب المطاح بهما، إطاحة مهّدت لنكبة هذا الشعب المنهَك، بعد أقل من عقد. تركض الطفلة لأن استمرارية للثورة هنا نجد مآلاتها بأشكال مختلفة في غزة والضفة. وتثبيتاً لهذه الاستمرارية، بشكل أقل رمزية وأكثر صراحة، كان مشهد ما بعد ختامي للفيلم، المجاهدون ينطلقون محلّقين على خيولهم في البرّية، وآخَر يعزف على مزمار القربة لحناً ممتداً، بأنفاس طويلة، للثوار، في ما بدا تحية ثانية لأيرلندا، كانت الأولى إشارة لضابط إنكليزي محذراً من أيرلندا ثانية في فلسطين.

الفيلم المشارك في مهرجانات منها “تورونتو” و”لندن”، وشاهدناه أخيراً في مهرجان الدوحة السينمائي، هو حالة سينمائية فلسطينية خاصة تستلزم العودة إليها، إلى ما بين مشهدَيه الامتيازيين، الافتتاحي والختامي. استهلال أرشيفي ممتد على طول الفيلم، ماهى ما بين الواقع المأرشَف والسرد الروائي، واختتام حمل ذلك التماهي، واقعاً وخيالاً إلى استمرارية تخطت زمن الحدث، زمن الثورة والإضراب، إلى زمن الفيلم، اليوم، ليقول إن الثورة، كما هي النكبة، كذلك مستمرة.

في موقع مؤسسة الدراسات الفلسطينية.

https://www.palestine-studies.org/ar/node/1658315

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.