1
اكتب تعليقُا

الأفلام الانتقالية الثلاثة في السياق الفلسطيني

قبل الحديث عن ثلاثة أفلام كانت انعطافية في تمرحل مسيرة السينما الروائية الفلسطينية، أي أنها كانت نقطة انتقالية تحوي عناصر من المرحلة السابقة ومن تلك اللاحقة مع غلبة لما تنتمي إليه، وهي ثلاثة أفلام، لنحكِ سريعاً عن المراحل التي تُشكل في مجموعها عموم المسيرة السينمائية الفلسطينية.

الحديث هنا عن السينما كعمل جماعي وواعٍ لذاته، من الناحية الصناعية لكن أساساً من الناحية الفنية، ما يحتّم تنحيةَ كل ما سبق سينما الثورة. هي أساساً فيديوهات أرشيفية وليست صناعة سينمائية. ويترسّخ هذا الكلام أكثر مع حصر الحديث بالسينما الروائية. منها مشاهد قصيرة جداً، إخبارية وغير محددة المعالم، تتعلق بالفلسطينيين أو أنجزها فلسطينيون، لكنها تجد من يرى فيها مرحلة سينمائية على طول هذه المسيرة، بل يقسّمها إلى أفلام ما قبل عام النكبة وما بعدها حتى سينما الثورة أواخر الستينيات. لكن المَشاهد هذه لا هي مرحلة ولا هي سينما، وليست جماعية ولا واعية لذاتها بكونها صناعة سينمائية، ولا تشكل مرحلة ضمن مسيرة بدأت، بوعي تام لطبيعة العمل السينمائي وهويته، في الثورة الفلسطينية. هي تسجيلات الصدفة والهواية والتوثيق والإخبار، ولها تاريخياً قيمة كبرى. أما الحديث السينمائي فشأن آخر.

المراحل إذن، كما أراها دائماً، هي: السبعينيات، سينما الثورة الفلسطينية التي امتدت من أواخر الستينيات مع تأسيس “وحدة أفلام فلسطين” بالتزامن مع الانطلاق المتدرّج للثورة، حتى أوائل الثمانينيات وأفول تلك الثورة ومعها سينماها. الثمانينيات والتسعينيات، العقدان مندمجان والمرحلة هي الأقل إنتاجاً فلسطينياً والمتغيّرة ما بين العقدين، ملامح انتفاضة الحجارة تلتها مخلّفات اتفاقيات أوسلو، مع حلول ظلّ هذه وتلك على أفلام من المرحلة، لتكون أفلام التسعينيات عموماً سينما أوسلوية. المرحلة الثالثة والممتدة إلى اليوم، هي ما بعد العام ٢٠٠٠، أفلام كثيرة ومتنوعة، من أسوأ حالاتها وطنياً وفنياً إلى أفضلها. وخلال السنوات الـ ٢٤ من عمر هذه المرحلة، لم يطرأ على أفلامها تغير جذري شكلاً ومضموناً، ما حال دون تقسيمها، ورجّح استطالتها.

أما الأفلام الثلاثة المتناولة هنا، فهي نقاط الانعطاف ضمن هذه المراحل، كما تشي مضامين هذه الأفلام وأشكالها. هي “عائد إلى حيفا” (١٩٨٢) لقاسم حول، و”حتى إشعار آخر” (١٩٩٤) لرشيد مشهراوي، و”عرس رنا” (٢٠٠٢) لهاني أبو أسعد.

لم تختم هذه الأفلام مراحل ولم تستهل غيرها، فلا مستوى فنياً ملحوظاً في أي منها، وإن كان فيلم مشهراوي أكثرها حساسية فنية واجتماعية، وفيلم أبو أسعد أكثرها رتابة. أما فيلم حوَل فقيمته محصورة في السيناريو المأخوذ عن رواية لغسان كنفاني، ولسياقه التاريخي وتفرّده في زمنٍ انقطعت فيه الصناعة السينمائية الروائية الفلسطينية.

تأخر “عائد إلى حيفا” في الخروج، وقد تأخرت عمليات الإنتاج له، لمحدودية الميزانية، ولسياقه التاريخي إذ كانت هذه العمليات في المراحل الأخيرة من خروج الفلسطينيين من بيروت، إثر حصار واجتياح جيش الاحتلال لبنان وعاصمته. لا ظرف موضوعياً ولا ذاتياً كان في صالح الفيلم. ثم من بعده، لم يحظَ بعروض للظرف الاستثنائي ذاته، ولعله، لذلك، من الأفلام الفلسطينية الأقل حظاً، وإن استحقّ استعادات تكريمية لاحقة تصل إلى اليوم. هو إذن امتداد من سينما الثورة، الروائية منها والنضالية. معالجته لقصته وإضافاته المشهدية والكتابية أتت في ظل المرحلة الثورية للفلسطينيين، في وقت نُشرت رواية كنفاني عام ١٩٦٩، أي أنها كُتبت مع بزوغ الروح الثورية من خلال العمل الفدائي والتنظيمي. لكن الفيلم كذلك، ولأسباب تعود للرواية أصلاً، قارب المسائل الإنسانية والقصص الفردية، في عائلة تزور حيفا فور احتلال الضفة الغربية، لتبحث عن ابنها الذي وجدته عائلة يهودية مهاجرة وربّته ليصير أخيراً جندياً. هذه المقاربة الإنسانية والفلسفية، والذاتية في الوقت ذاته الذي تكون فيه جمعية، هي من ميزات سينما المرحلة التالية، ما سنجد عناصر أساسية منها في فيلم مشهراوي. فكان الفيلم بذلك، مرحلياً ما بين السبعينيات وكان أقرب إليها، والثمانينيات.

خرج “حتى إشعار آخر” أخيراً متوسطاً انتفاضة الحجارة الممتدة لأعوام والمتفاوتة خلالها، واتفاقيات أوسلو التي كانت، في مراحل إنتاج الفيلم، قيد التحضير والتوقيع. لم يأتِ انعطافياً بين مرحلتين لأن الثمانينيات لم تتطور لتكون مرحلة، بل ضمن تحول تاريخي في السياق الوطني الفلسطيني وانعكاس ذلك على العمل السينمائي. أتى متوسطاً سينما الثمانينيات المحصورة بفيلم واحد لميشيل خليفي هو “عرس الجليل” (١٩٨٧) وسينما التسعينيات لخليفي ومشهراوي وإيليا سليمان، الأوسلوية، وإن خرج الأخير عن المرحلة أسلوبياً وليس موضوعاتياً. لكن “حتى إشعار آخر”  بقي فيلماً أوسلوياً مماثلاً لفيلم مشهراوي الآخر “حيفا” (١٩٩٦) وخليفي الآخر “حكاية الجواهر الثلاث” (١٩٩٥). ففي ثلاثتها انهزامية في النفسية، وخيبة ويأس، ظهرت من خلال القصة ومآلاتها، وحوارات الشخصيات، وهي لذلك أفلام منحت شخصياتها حقّ الهشاشة والضعف الإنسانيين. لكن يبقى في الفيلم آثار لنفسية المنتفضين كما ظهرت في فيلم خليفي الأول. ذلك من خلال شخصية أخٍ متخفٍّ دائماً، مقاوم بالسر هو ورفاق له، من نوع المقاومة الشعبية المحلّية التي عرفتها انتفاضة الحجارة وفصائلها. والفيلم يتناول حياة عادية لعائلة في بيتها ضمن حظر للتجوال يفرضه الاحتلال. فكان الفيلم بذلك، مرحلياً ما بين الثمانينيات، والتسعينيات وكان أقرب إليها.

كان “عرس رنا” تائهاً كما لم يكن غيره مما سبقه، هائماً على وجهه كما هي شخصيته تلف الشوارع راكضة تبحث عن حبيبها. وإن خرج الفيلم في عز انتفاضة الأقصى، مع أسباب كافية للتخطّي التام لمرحلة أوسلو وانعكاساتها السينمائية، إلا أنه فشل باستيعاب تلك الأسباب، حاملاً عناصر اجتماعية خائبة في شخصياتها، جعلته فيلماً أوسلوياً خامساً، لا فيلماً مزامناً لآخر لسليمان هو “يد إلهية” (٢٠٠٢). وهو كذلك بعيد عن العمل التالي والجيّد لأبو أسعد، “الجنة الآن” (٢٠٠٥)، المنتمي تماماً بل والمؤسس مع فيلم سليمان لملامح المرحلة التالية، لما بعد العام ٢٠٠٠. كان “عرس رنا” اجتماعياً يصوّر آمال الشخصيات وخيباتها في محلياتها، في وقت بدأت الأفلام الفلسطينية، بفعل الانتفاضة، تتخذ خطاً شديد السياسية بفعل فيلمَي سليمان ثم التالي لأبو أسعد، وما سيلحقهما لآن ماري جاسر ونجوى نجّار تحديداً. فكان الفيلم بذلك، مرحلياً ما بين التسعينيات وكان أقرب إليها، وما بعد العام ٢٠٠٠.

بمعزل عن التصنيف المرحلي أو النظر إلى سنة إنتاج فيلم أبو أسعد الروائي الأول، يجده المُشاهد، المتفحّص سينمائياً، أقرب إلى أفلام التسعينيات، في البعد الاجتماعي السلمي والاستسلامي للقصة، وفي تسليم الشخصيات بحالة الاحتلال، تسليم أوسلوي رافق أفلام تلك المرحلة قبل أن تتمرد، أو تحاول التمرد، الشخصيات الخيالية متأثرة بالانتفاضة الواقعية، عند أبو أسعد وغيره، في الأفلام اللاحقة.

لا تُمثل أفلام حوَل ومشهراوي وأبو أسعد الثلاثة نقاطاً انعطافية بوصفها واعية لحالة التمرحل لهذه السينما. هي أقرب إلى ما وصفه أنطونيو غرامشي بحالات مَرضيّة وهجينة، في حديثه عن التمرحل التاريخي، حيث يحتضر عالم سابق من دون أن يولد بعد العالم الجديد، لتشمل المرحلةُ عناصر من هذا وذاك. ولا يسيء ذلك إلى الأفلام بكل الأحوال. فهي أقرب لتكون ابنة سياقها المتغير، وأتت على أطراف المراحل السينمائية.

ليست الأفلام الثلاثة أعمالاً نموذجية لهذه المرحلة أو تلك، لتجاور عناصر المرحلتين، السابقة واللاحقة، قصةً وشخصيات تحديداً، في كل من هذه الأفلام. هي نقاط انعطاف سياقية على طول مسيرة السينما الفلسطينية، متأثرة بالتغيرات التاريخية على الواقع الفلسطيني، وممثلة لها.

الأفلام الانتقالية الثلاثة في السياق الفلسطيني

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.