1, الأولى
اكتب تعليقُا

“فأل”… الخرافات بلسان أهلها

تنقل السينما عموماً وجهة نظر صانع الفيلم تجاه موضوعه. وفي عموم التقابل الثقافي، أو الصدمة الثقافية بين شخصيتين، واحدة من إفريقيا والأخرى من أوروبا مثلاً، تُنقل وجهات نظر تكرّست مع الزمن لمرجعيات صانع الفيلم الغربية في عمومها. في فيلمنا هذا، اختلف الأمر قليلاً، وقصته تدور حول رجل إفريقي من الكونغو يعيش في بروكسل، يعود إلى بلده في زيارة مع صديقته البلجيكية البيضاء، لتدخل معه متاهة عادات شعبية وخرافات عتيقة. هذا كله كان هنا، وهو ما ميز الفيلم، من وجهة نظر أبعد عن أن تكون أوروبية.

الخلفية الثقافية لمؤلف العمل الفني تعطي فكرة مسبقة عن الموثوقية المتفرَضة من العمل، أولية ومفترضَة وليست نهائية أو ثابتة. فيلم “فأل” (بمعنى: نذير أو بشير، Augure، وبعنوان عالمي: Omen) يحكي عن زيارة كهذه، بصناعة البلجيكي من أصول كونغولية، الموسيقي ومغني الراب بالوجي، الذي قدّم فيلماً صوّر فيه خرافات شعبية تعرّض لها الشاب الذي اضطر إلى قص شعره الأفرو وتعلُّم السواحلية قبل زيارته، ما أمكن لها، الخرافات، أن تودي بحياته. عدا عن التروما التي ستسببها له ولصديقته الغريبة تماماً عمّا تعيشه في بلده.

الفيلم المشارك في مهرجان كان السينمائي بدورته الأخيرة ضمن تظاهرة “نظرة ما”، وفيها نال جائزة “الصوت الجديد” يصور تلك الزيارة والرعب الذي يعيشه الشاب وزوجته، بسبب فأل شر كان بقطرات دم سالت من أنفه على رأس طفل كان يحمله، ثم بولادة صديقته بالتزامن مع موت أبيه. هذا كله لحق رفض العائلة أساساً ارتباطه بامرأة كانت أوروبية بيضاء أو عربية.

تراث واسع من الأفلام الغربية يمكن المرور بها في تصوير خرافات في المعتقدات وغرائب في السلوك، لدى السكان الأصليين، من نيوزيلندا (“البيانو” لجين كامبيون، ١٩٩٣) وفيتنام (“القيامة الآن” لفرانسيس فورد كوبولا، ١٩٧٩) مروراً بإفريقيا والأمريكيتين، مع أفلام تطول لائحتها، اخترتُ منها فيلمين من بين الأبرز في موضوعهما. الحديث عن أفلام أساسية في تاريخ السينما في العالم، حيث يقترن حضور الثقافة المغايرة، من خلال شخصيات رئيسية في فيلم كامبيون، وكومبارس في فيلم كوبولا، في حضور سلوك يومي في الأول أو جو عام في الأخير، والمغايِرة هنا تعني النقيضة للحضارة الغربية الآتية إلى تلك الأرض “المُكتشَفة” إما بترميز البيانو، كأداة أساسية في الموسيقى الكلاسيكية الأوروبية في زمن الاستعمار، أو أشكال السلاح والسلطة المادية والمعنوية في الأخير، وهي الأداة الاستعمارية للرجل الأبيض في الفيلم.

هنا، في الفيلم الأقرب ليكون كونغولياً في مقاربته، لم تكن الثقافة المغايرة -رغم تصويرها بصدامية مع صديقة القادم من بلجيكا أولاً والمشاهدين (غير الأفارقة ربما) ثانياً، أي مع الجاهلين بمعاني وطقوس غريبة كهذه- لم تكن مفتعَلة بخرافة تسكن أذهان الخارجيّ، لم تكن مبالغاً فيها ولم تودِ إلى تراجيديا دموية مثلاً، كما يمكن أن توظَّف في فيلم يصعب مراوغة إغراءات أن تودي خرافات كهذه إلى تراجيديا يبني عليها الفيلم. الخرافات هنا كانت في طبيعتها، إن أمكن القول.

ليس الفيلم من بين أفضل ما قدّمه المهرجان، وإن ببرامجه الموازية، لكنه مختلف، وذلك تحديداً في زاوية نقل عادات ومعتقدات غريبة على المشاهد عموماً، وهو موضوع جذب العديد من المخرجين في العالم، إنما من خارج تلك الثقافات، مخرجين وصلوا إلى القصة وتصويرها من منطلق استشراقي فأتى الفيلم ليحقق تصوّرات مسبقة تسببت بها كتابات وأعمال فنية سابقة، أو من منطلق الباحث عن المثير سردياً وبصرياً، من منطق تجاري استهلاكي أساساً. هنا، بدا الأمر أكثر مصداقية لكونه صُوّر من ابنٍ لهذه الثقافة، وإن هاجر باكراً إلى بلجيكا التي كبر فيها. هذا ما يجعل، عموماً، السيرة الذاتية للمؤلف ضرورية في استيعاب العمل الفني. ليس في ذلك قوانين ومعايير، إنما ترجيحات مسبقة يمكن أن تفتح آفاقاً في استيعاب العمل الفني، كانت، في النهاية، لصالح هذا الفيلم.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.