في سياقٍ سياسي واجتماعي، حيث الحالة في أشدّها توتّراً، كما في فلسطين وأي موقعٍ لحرب أو احتلال، تكثر القصص الإنسانية، تلك التي تحتمل تطرّفات في الحبكة وانعطافاتٍ يصعب تفادي جاذبيّتها عند المؤلفين، في السينما تحديداً حيث إنشاءاتٍ استعمارية مصوَّرة تكون احتمالاً لقيمة بصرية إضافية توازي القصة غير العادية في ظرفها غير العادي، في هذا كله، يمكن لعمل سينمائي أن يُنجَز بعناصر جاهزة في ترجيح العمل ليكون عالياً، فنياً وسردياً.
هذا ما كان متاحاً لفيلم «أميرة»، وقد اختار موضوعاً هو تهريب النطف من المعتقلات الإسرائيلية، لكنه اتّكأ على العناصر هذه، وخان موثوقيّة الحالة الواقعية، ليكون أخيراً أقرب إلى لخيال جانح، وإن وضع لقصّته شروطاً واقعية، إنّما رجّح التشويقَ السينمائي المبتعِد، لطبيعته الاستهلاكية، عن واقعٍ له حساسيته الإنسانية والسياسية الغنيّة بالقصص من ناحية، وغير الملائمة لأن تكون متّكأً لتحويلها إلى مادة استهلاكٍ سينمائي من ناحية أخرى، فكان الاستهلاكُ الهمَّ الأساسي في صناعة الفيلم من دون إدراك لتناقضات السياق السياسي والاجتماعي للقصة (وإن حضر الإدراك فالمصيبة أعظم).
الفيلم للمصري محمد دياب، كتابة وإخراجاً، ويحكي عن أسير فلسطيني يهرّب نطفة إلى زوجته، يكتشف الطيبب أن الأسير عقيم فيُثار سؤال نسبِ ابنته الأخرى اليافعة، أميرة، فتدّعي الأم بأنّها “خانت” زوجها مع صديق له، كي تحمي ابنتها من حقيقة أن النطفة المهرَّبة بدّلها السجّان الإسرائيلي بأخرى له، لتكون أميرة ابنةً بيولوجيّة للجندي الإسرائيلي، فتصبح فجأة وعند الجميع، في ميلودراما مبتذَلة، إسرائيلية غير مرغوب بها. هذا الخيال المفرط في جنوجه، الكاريكاتوري، ناقضَه الفيلمُ بعبارة انتهى بها تقول بنوع من الدفع بالبراءة من تفاهةِ التّناول، إنّ كل أطفال النطف المهرّبة “تمّ التأكّد من نسبهم”، في ختامٍ مقحَم، ومسخِّف لمضمون الفيلم.
«أميرة» تائه في نفسه، ممتلئ بإشكالات في السيناريو ضربت مصداقيته من عدة نواحٍ، وإن أتى بتصوير أحسنَ استخدام الإضاءة والظل، مُدارياً، بهما، أداءً متواضعاً للشخصيات برز مع صبا مبارك بدور الأم وامدّ إلى علي سليمان بدور الأب. لم يشوّش التصوير إيجاباً على الأداء، ولم يشوّش الأخير سلباً على الأوّل، والسبب أن عنصراً ثالثاً في الفيلم، كان لوطأته وفداحة الخطأ فيه، تشويشٌ شامل على باقي عناصر الفيلم. والفيلم في سياق كهذا لا يكون غير سياسي، لا يكون إلا سياسياً بالدرجة الأولى، والعناصر اللاحقة تكون مضافةً، تساهم إنما ثانوياً، في رفع الفيلم أو إسقاطه. الأساس في قصة كهذه وهي مبنية على عناصر بصرية استعمارية لإسرائيل (السجن والحاجز…)، كان ويكون دائماً مقاربةَ هذه القصة، وسلوك الشخصيات وحواراتهم، ضمن إطارٍ شامل لتلك العناصر البصرية. هنا، كان الفيلم كتلةً من الخطأ المعرفيّ والخطيئة الأخلاقية، ولا بأس في ذلك، إنّما كان الخطأ إساءة، والإساءة ليست زلّة كاميرا، بل مدروسة لتصل إلى الشكل الذي انتهت عليه.
الفيلم يَدخل في تعقيدات حسّاسة لها اعتباراتها المحلية، وأي محاولة لاستخراج مادة تشويقية منها، لصناعة فيلم تجاري، من دون وعي بتلك التعقيدات، بتفاصيلِها ومفاصلِها، سيودي إلى نتيجة أقرب للخرافة ضمن سياقٍ واقعي له شروطه وحقائقه وبديهيّاته، فيُبطل السياقُ الخرافة. أستثني من ذلك أفلام “الأبطال الخارقين” المبنيّة على ذلك الخلط. أمّا في «أميرة» الذي اتّخذ لنفسه سياقاً من تلك التعقيدات والحساسيات، فتتشابك الأمور ببعضها ويغرق الفيلم بالخطأ والخطيئة المذكورين، وبجهل سياسي فاضح يقضي على موثوقيّة الفيلم ومصداقيّته. إن كانت مصريةُ المؤلف/المخرج لا تبرّر له الجهل، فيقع لومٌ أوّلي على جهاتٍ فلسطينية شاركت في إنتاج الفيلم وفي الاستشارة له، لفداحة سيناريو كهذا.
وامتدّت الإساءة السياسية في سيناريو الفيلم إلى المبالغة الابتذالية للصورة فيه، كنجمة داوود مبخوخة بالأحمر على الباب حيث تختبئ أميرة التي شاع خبر أنّها من نطفة إسرائيلي، لقطةٌ استُعيرت من ذاكرة نازية تجاه يهود أوروبا، رابطاً برخصٍ دعائي بين اللاسامية في سياق أوروبي محض، وبين سياق سياسي وتاريخي فلسطيني هو حالة تحرّر وطني مقابل استعمار استيطاني.
امتلأ الفيلم بالحوارات المفتعَلة، بالقفز في الانعطافات، بالكتابة السطحية، فكانت الحوارات غريبة عن سياقها، بدت مبدلَجة في مضامينها، بدا الفيلم أجنبياً تماماً وغير متضامنٍ مع أصحاب القصة/القضية وشخصياتِها بالضرورة. وهذه السطحية وصلت حدّ الميلودراما، بعض المَشاهد بدت مأخوذة عن مسلسلات تلفزيونية عائلية بانفعالات غير مقنعة للممثّلين. مَشاهد كثيرة بدت كاريكاتورية، أثارت الضّحك لا الغضب ولا الحزن. أيّ تشويق فاشل هذا الذي يثير الضحك حيث تقصّد الغضب، والغضبَ حيث تقصّد الحزن؟ أمّا الإنهاء المثالي لميلودراما كهذه، فكان بمصير أميرة ورايةُ “شهيدة” المرفوعة بتفاهة مفرطة، في لقطةٍ ختامية بدت مفردةً أخيرة في مزحةٍ سمجة اسمها «أميرة».
