1, الأولى
اكتب تعليقُا

“بابل” لدامْين شازيل… كرنفالات لسينما صامتة

في واحد من أهم الأفلام الصامتة، «تعصّب» (Intolerance، ١٩١٦)، لواحد من أبرز مخرجي هذه السينما في الولايات المتحدة، غريفيث (دون أن ننسى فيلمه العنصري The Birth of a Nation، ١٩١٥)، في الفيلم أربعة فصول، لأحدها عنوان هو “سقوط إمبراطورية بابل”، الذي يروي سقوط بابل لصراعٍ سبّبه التعصّب، بين أتباع إلهَين في بابل، عشتار ومردوخ. فيلم غريفيث مبني على فكرة هي التعصب، في فصوله الأربعة وقصصها المتوازية والمنفصلة سردياً.

فيلم الأمريكي دامْين شازيل، «بابل»، نقل حالة الصراع التي انسحب فيها الفيلم الصامت مقابل حلول الفيلم الناطق. أحال العنوان «بابل»، إلى فيلم هو من أساسات السينما الصامتة، وفيلم تشازيل يصوّر أفول هذه السينما ونجومها مقابل الصوت والضجة والموسيقى، مكرّماً الأول وساخراً من الأخير.

هوليوود في العشرينيات، في العصر الذهبي لاستديوهات لوس أنجلس ونجومها، يبدأ الفيلم هناك، في حفلة كرنفالية وماجنة، أقرب إلى استهلال ميوزيكالي استعراضي للفيلم الذي يقدم من خلالها شخصياته. لكن الفيلم، وجرعات كوميدية على طوله، لم يخرج كثيراً من حالته الكرنفالية، وإن كانت الميوزيكالية واحدة من ميزات شازيل صاحب La La Land (٢٠١٦)، لكنها كانت في «بابل» وبتجاور للكوميديا قليلة الانقطاع، على حساب تطوّر في سرد حكاية وتفاعلات شخصيات، ضمن سنوات حساسة في تاريخ السينما في العالم. حساسية تلك الأعوام، العشرينيات، تطلبت عناية في كتابة الحبكة أكثر منها في تصوير النّكات والحفلات، أو الصراع الطويل المليء بالصراخ المفتعَل، مع أفعى في الصحراء مثلاً.

الفيلم، بتصويره الحيوي، بكاميرا لا تهدأ في التقدّم والانسحاب، وبالكوميديا فيه، وبانعطافات الأحداث الحادة، كان مسلياً، ممتعاً في مستوى السطحية للمُشاهَد، لكنه، في تناوله لمسألة أفول السينما الصامتة، بهذا الأسلوب الكرنفالي، ثم بادعاءات يمكن أن يخمّنها أحدنا، للفيلم تجاه تاريخ السينما، ومحاولة هذا الفيلم اختصاره، في مَشاهده الأخيرة، هذا كلّه يجعل أحدنا متوجساً من التقديم الكرنفالي للأسف على أفول السينما الصامتة، وإن كانت السخرية من دخول الصوت إلى السينما، في مكانها، مع اتخاذ فيلم مثل Singin’ in the Rain (١٩٥٢) موضوعاً للسخرية.

يحكي الفيلم عن نجوم في هوليوود، بأداء كان حاملاً أساسياً للفيلم، لكل من براد بيت ومارغو روبي، الأول بدور نجم مكرّس، يتنقل في زيجاته ويتهاوى مع أفول السينما الصامتة التي كان أحد أوجهها، والأخيرة بدور امرأة تحولت بالصدفة إلى نجمة لهذه السينما، وصلت مهنتها على حافتها مع دخول الصوت إلى السينما، هي راقصة وممثلة ممتازة إنّما لا تحفظ كلاماً لا بد من التمثيل به مع دخول الصوت، ولا يتقبلها الجمهور بصوتها مقروناً بشكلها. تصل شخصيات إلى حتفها، كما هو حال السينما الصامتة، وأخرى استطاعت التكيّف مع التغييرات التقنية في عالم السينما، كان لها مآلات أقل تراجيدية، مهنية أو حياتية.

الفيلم هوليوودي بامتياز، لا في موضوعه وحسب، بل في تناوله البصري للموضوع، الذي يشوّش على تطوّر حكايةٍ كان لا بد أن تكون أكثر حذراً لحساسية المرحلة التي تتناولها، لكنها كانت، مع المنحى الاحتفالي للفيلم، تقديماً سطحياً في مضمونه واحتفالياً في شكله، إبهارياً في مَشاهده، ما حمّل الفيلم ادّعاءً يفوقه في كونه فيلم سينما، وهذا ما يحدّد من تقييم أحدنا للفيلم، إن جاءه من هذه الناحية.

أمّا ما يتطلبه فيلم كهذا، فهو الاستمتاع والضحك في سطح كل منهما، والخروج من الصالة من دون الالتفات إلى ثقل موضوعه، ولا إلى المشاهد الادعائية الأخيرة التي قدمت الفيلم، أو قدم الفيلم نفسه بها، استكمالاً أو تكريماً لتاريخ طويل من السينما يمكن التقاط لقطات له، في ذلك المشهد، من أفلام لآيزنشتاين وبيرغمان وفلّيني وغودار وآخرين لا يمكن لهذا الفيلم أن يضع نفسه بموازاتها، أو في حلقة تالية لها، وإن بمعنى التكريم.

هذا الكلام كله عن الفيلم لا يذم به بالضرورة، يمكن ببساطة الإبقاء على متعة المشاهدة، في سطحها، بانبهار في التصوير والكوريوغراف والأداء، تكون متعة استهلاكية وحسب.

 

«بابل» للأمريكي دامْين شازيل: كرنفالات لسينما صامتة

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.