1, الأولى
اكتب تعليقُا

أورسون ويلز والبحث عن الفيلم الضائع

في عام ٢٠٠٨، عُثر على النسخة الكاملة من أحد أهم الكلاسيكيات، فيلم «Metropolis» (١٩٢٧)، للنمساوي فريتز لانغ، في متحف في الأرجنتين. وكان ذلك إعادة إحياء لواحد من أهم الأفلام لواحد من المخرجين المؤسسين لتاريخ السينما. هذا العثور، يستعيده أحدنا عند قراءة خبرٍ هذه الأيام يفيد بنيّة مخرج أفلام وثائقية السفر إلى البرازيل للبحث عن النسخة الكاملة لفيلم الأمريكي أورسون ويلز «The Magnificent Ambersons» (١٩٤٢)، ولهذا الفيلم قصّة، إنّما، لنبدأ أولاً بالخبر الجديد.

مخرج أمريكي شاب أعلن نيته الذهاب إلى البرازيل للبحث عن النسخة الضائعة من فيلم ويلز، وأنّه سيصوّر وثائقياً لهذه الرحلة لإحدى المحطات الأمريكية. بهذا نكتفي من الخبر لننتقل إلى سياقاته، نكتفي بأمل أن نقرأ خبراً آخر، بعد سنة أو أكثر، يفيد بعرض مرتقب، لهذه النسخة من الفيلم التي أرادها ويلز، وليس شركة الإنتاج، وهذا يقودنا إلى السياق المذكور.

الفيلم، بنسخته الحالية، هو ما قامت شركة الإنتاج RKO بمنتجته مقتطعةً ٤٣ دقيقة من فيلم ويلز، فجاء بنسخته الحالية في ٨٨ دقيقة. وهو ما لم يكن ويلز راضياً عنه، وكان ذلك مثار خلاف بينه وبين الشركة. لكن، يبقى الفيلم ضمن التصنيفات لأفضل الأفلام في التاريخ، لدى مجلة «سايت & ساوند» مثلاً، إذ احتل المرتبة ٨١.

الفيلم مأخود عن رواية للأمريكي بوث تاركينغتون بالعنوان ذاته (١٩١٨)، الحائزة جائزة بوليتزر، والمنقولة قبل ويلز إلى فيلم صامت، وبعده إلى مسلسل تلفزيوني. لكن، يبقى لفيلم ويلز أهمية هذا المخرج الأمريكي، صاحب أفلام عظيمة أهمها «Citizen Kane» و«The Trial» و«Touch of Evil» و«Othello» و«The Lady from Shanghai»، وغيرها من الأفلام التي يكفي واحد منها لجعل صاحبها واحداً من أبرز الأسماء في السينما كفنٍّ وصناعة.

الفيلم الذي يحكي عن أفول ثروة عائلة أمريكية، في مرحلة انعطافية من تاريخ البلاد الاجتماعي، والذي قام ويلز كذلك بكتابة السيناريو له، قامت شركة الإنتاج بحذف ما يحلو لها من النسخة التي منتجَها ويلز، وجعلت النهاية سعيدة، لتلائم الحاجة التجارية والجماهيرية التي سعت إليها الشركة، نافيةً البواعث الفنية التي على أساسها اشتغل ويلز على فيلمه.

هذا كله يعيدنا إلى السؤال حول الفيلم السينمائي كعمل فني أو مادة استهلاك تجارية، وأيهما يحسم أمر المونتاج النهائي، وأيهما يحدد هوية الفيلم وهوية مالكه، ونحن نحكي هنا عن ويلز ما بعد نجاحه الباهر في «Citizen Kane» (١٩٤١) الذي أنجزه قبل هذا بعام، والذي لحقته روائع أخرى لويلز. هذا كلّه لم يشفع له ولم يجعل النسخة الضائعة، حتى اليوم، تظهر بأي شكل، وهذا ما يجعل الوثائقي المنتظَر، وسيكون بعنوان «The Search for the Lost Print: The Making of Orson Welles’ The Magnificent Ambersons» ليُعرَض العام القادم، مقدّمةً لأملٍ في إيجاد النسخة التي أرادها ويلز، والمرشّحة لأن تكون بروعة فيلمه الأهم «Citizen Kane».

لويلز عدة أفلام غير منجَزة. في ٢٠١٨ شاهدنا فيلمه «الجانب الآخر من الريح» الذي تمت منتجته (كتجربة نقيضة تماماً لقصة فيلمنا هنا) بما يمكن أن يكون ويلز ذاته، الذي أخرج مَشاهده، قد رغب. وكان فيلماً ممتازاً حافظ على اللمسة الويلزية بقدرٍ ما.

لائحة معتبَرة من الأفلام غير المكتملة لويلز (لأسباب عديدة أهمّها ماليّة) يمكن الإشارة إليها كأعمال يمكن، يوماً ما، أن يستكمل أحدهم شغلَ ويلز عليها لتظهر بالمستوى الجدير باسم ويلز، فتُنجَز بناء على أسلوب ويلز السينمائي والمونتاجي، قد يكون أهم تلك الأفلام هو «Don Quixote» الذي عمل ويلز عليه في فترات متباعدة. أو، وهذه استعادة جيدة، يمكن صناعة وثائقي مبني على اللقطات المصوّرة، المواد الخام، إذ يكون الوثائقي استكمالاً بحثياً للروائي غير المنجَز، المثال في ذلك هو فيلم «L’enfer d’Henri-Georges Clouzot» (٢٠٠٩) الذي تتبّع، بسرد روائي وغاية وثائقية الفيلمَ غير المُنجَز، للفرنسي آنري جورج كلوزو «L’enfer» (١٩٦٤).

بالعودة إلى ويلز، وبحسب الخبر الجديد، فإن النسخة التي منتجَها ويلز لفيلمه، أي الجاهزة بحسبه كي تخرج إلى الصالات، قد نقلها معه إلى البرازيل حين ذهب، بعد الانتهاء من الفيلم، لتصوير فيلمه التالي «It’s All True»، وهو فيلم غير مكتمل كذلك، وكذلك أُنجز وثائقي عنه هو «It’s All True: Based on an Unfinished Film by Orson Welles».

قد لا يكون هنالك أمل في العثور على النسخة الكاملة من الفيلم عن عائلة أمبرسون، خاصة أنّ شركة الإنتاج آنذاك قد حاربت ويلز الذي قال في مقابلة، في مرحلة متقدمة من عمره، إنّه لم يشفَ أبداً من أذى تلك الشركة. لكن، بكل الأحوال، وُجد الفيلم أم أن لا، تبقى قيمة ويلز خاصة في عالم السينما، ومكانته تبقى من بين الأعلى سينمائياً (عالمياً وتاريخياً). وتبقى، مع فنانين كويلز، إمكانية رفع هذه المكانة متاحة، مع أعمال ضائعة قد يُعثَر عليها، بصدفة حسنة، يوماً ما.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.