الكاتب: Saleem Albeik

نفيُ الشّر في «لا وجود للشيطان»

قد لا يكون انتقاد الشر، أو نقضه ونفيه، أكثر جلاءً من حالة أو سياق أو قصة تكون في جزئياتها أبعد ما يمكن عنه، تكون إنسانية، عادية، روتينية، رتيبة ربما، بلا مفاصل سردية تفتح للشر منافذ يدخل منها، حالة يعيشها أحدنا في يومه العادي، الخالي من أي تدرّجات يمكن أن تصل، أخيراً، إلى لحظة شر، أو لحظة لا تكون الحالة (السياق/القصة) بعدها ما كانته قبلها.

“أيام فلسطين السينمائية”… فلتستمر العروض ولو بمشاهدٍ واحد

هنالك عند الكثيرين إصرار على مواصلة الحياة الثقافية بالشكل الممكن والحد الأدنى لمواجهة اجتياح العادات الجديدة التي رافقت جائحة فيروس كورونا، عادات ثقافية شملت الفضاءات العامة حيث للعمل الفني مساحة لتلقّيه تكون جماعيةً، من معرض فنّي إلى صالة سينما إلى ساحة رقص وخشبة مسرح.

فرانز كافكا وأورسون ويلز… نقرأ أولاً أم نشاهد؟

يشاهد أحدنا أكثر مما يقرأ. يصحّ ذلك أكثر متى حصرنا المشاهدة بالأفلام والقراءة بالكتب. سيصعب هنا الخوض، وتفصيلاً، في كل أسباب تقدم المشاهدة على القراءة، لكن يمكن لمفردات أن تشي ببعضها كالتكاسل، التسلية، الترفيه، الإتاحة، التشاركية، وغيرها.

لويس بونويل… السريالية في فانتازمات نهاريّة

هنالك تيارات في السينما، لها رموزها، روّادها ومن ثمّ المتأثرين بهم. وهنالك لويس بونويل، الإسباني الذي كان بمفرده تياراً، ودون متأثرين أو مريدين ينسخون، بأساليبهم، سينماه لخصوصية هذه السينما ربما وصعوبة نسخها. لكن، لهذه الخصوصية كذلك ولتمايز سينماه عن غيرها، يسهل إحالة مَشاهد هنا وهناك، بسياقات منفصلة، إلى أفلامه التي صار الكثير من مَشاهدها مرجعيات -وإن عصيّة- لغيرها.

الكويرية فلسطينياً… لمَ قد نهتم بالموضوع؟

سُئلت “لمَ قد تهتم رمّان بالموضوع؟” حين ذكرتُ لصديقةٍ نيّتي فتح هذا الملف. فتساءلتُ “لمَ قد تتساءل صديقة عن اهتمام رمّان بالموضوع؟” ولستُ أكيداً إن وجدتُ إجابة، بعد. لكن، على الأقل، أدركتُ بهذا التساؤل مدى العزلة والنفي الذي تعيشه المسألة الكويرية في ظل طغيان مسائل أخرى تسيّدت كلّ ما هو ليس وطنياً بالمعنى المباشر والمطْمَئن، وأحياناً السطحي، للكلمة.

مَشاهد فلسطينية في أفلام لا علاقة لها بفلسطين

أي حديث عن “السينما الفلسطينية” يحيلنا تلقائياً (وليست الإحالة دقيقة) إلى صنّاع الأفلام الفلسطينيين، المنتمين بهويّة مطبوعة إلى هذا البلد. وبانفتاح أكبر على ما يمكن أن تعنيه “السينما الفلسطينية”، أو أي انتماء لهذه الصفة (الفلسطينية)، في مجال السينما مثلاً، وهو مبحَثنا هنا، يحيلنا الحديث عن هذه السينما إلى أفلام ينجزها غير فلسطينيين تكون فلسطين، كموضوع، حاضرة أساسية فيها.

قلق الروائي من قارئه… كالڤينو وأوستر ودوستويفسكي

يسمع الكاتب عبارات تأتي كتعليقات على نصوصٍ كتبها، روائية تحديداً، تتعلق بتفسير أصحابها للمكتوب، بتوقعاتهم لما كان “يُتفرض” أن يكونا مكتوباً، أو بعلاقة هذا المكتوب بمعارفهم وأمزجتهم وواقعهم. لنتفق بداية على إمكانية أن يكون النص الروائي مفصولاً عن مؤلفه، فهو عملٌ مكتمل بذاته متى نُشر. وكاتبه لا مكانة له، إزاء النص، سوى كعارف -ربما- أكثر من غيره بمعاني النص وسياقاته، يقدمها خارج إطاره ودون أن تكون له سطوة على قراءات آخرين للنص المكتمل. لكن كذلك دون حاجة القارئ لاستفراد النّاقم/المنتقم بالنص بعدما أعلن الفرنسي رولان بارت “موت المؤلف” في كتابه «هسهسة اللغة».

النساء كقوّامات في مسلسل “مارتشيلا”

لكثرة الأفلام والمسلسلات التي تتناول عمليات تحقيق في جرائم متسلسلة، مدخلةً في ذلك الجانب الحركي كالملاحقات والمداهمات، والجانب السيكولوجي كتحليل بواعث العمل الإجرامي واستقراء القادم منها، والجانب التشويقي الدامج بين الجانبين السابقين والممتد على طول الحكاية معتمداً على الصوت والصورة كما هو على الحوارات والسيناريو، لكثرة هذه الأفلام والمسلسلات وتشاركها في الجوانب الثلاثة، بنسب متفاوتة، تتفاوت في التناول وتتفاوت في الجودة كذلك، لا بد أن يتساءل أحدنا عن الجدوى من عمل جديد يمكن بسهولة أن يكون تناسخاً آخر بين هذه الأعمال وبين بعضها، لا بد أن يتساءل إن كانت هنالك رغبة مستمرة في مشاهدة مسلسل ممثال لآخر نال إعجابه.

النكبة كموضوع “غير مفضّل” للسينما الفلسطينية

في نقاش السردية الفلسطينية ومدى ندّيتها للسردية الإسرائيلية في الأعمال الفنية (أدباً وسينما…)، ومدى استحقاقها لهذه الندية، ونحن أمام ماكينة صناعية وترويجية ضخمة يمتاز الاحتلال بها عنا، يأخذنا الحديث مباشرة إلى السينما الفلسطينية، حيث لا بد من حكايات تستقوي بها السردية، وحيث لا بد أساساً من حكاية النكبة، الأصل الذي تحوم حوله كل القصص الصغيرة المساهمة في صناعة هذه السردية.

البورتريه الذاتي وحالاتُ ڤان خوخ المتطرّفة

“البورتريه هي شيء قديم -قد قول البعض- لكنها أيضاً شيء جديد تماماً”. هذه العبارة للرسام الهولندي ڤينسنت ڤان خوخ، المكثر من البورتريهات، وهو الذي قال كذلك إن “البورتريه مسألة مشاعر”، وهو من ذلك -وإليه- مكثر في مشاعره، كثرة نراها في لوحاته التي تموج فيها المشاعر كالغربان والرياح والسنابل (في لوحاته)، ونقرأها في رسائله إلى أخيه تيو، ونعرف عنها من سيرته.

الخيال الذاتي في أفلام فرانسوا تروفو

الخلط لدى مشاهدي أفلام الفرنسي فرانسوا تروفو في بدايات تعرّفهم إليه، بينه وبين الممثل جان بيير ليو، لا يقتصر عليهم كمشاهدين متلقّين من بعيد (كعربٍ مثلاً) رأوا وجهين متشابهين، بنتيجةٍ لهذا التشابه هي شخصية أنطوان دوانيل، التي كتبها و أخرجها الأوّل وأدّاها الأخير.

فلنحرق “دليل تركيب الفيلم الفلسطيني”

قد يكون في ما فعلته مؤسسة “فيلم لاب: فلسطين” مع صنّاع أفلام فلسطينيين إيقاعاً لهم في إغراء استسهال صناعة فيلم بخمس دقائق، وفي مدّة “أوّلية” هي أسبوع. هو إغراء من ناحية، تبيّن ذلك في استسهال العديد من هؤلاء في “إخراج” الدقائق الخمس هذه، وهو تحدٍّ من ناحية أخرى بان كذلك في أفلام قليلة من بين الأفلام الثلاثة عشر التي أطلقها موقع المؤسسة على ثلاث مجموعات (منعت وزارة الثقافة الفلسطينية ما كان يفترض أن يكون فيلماً رابع عشر).

«ملح الدموع»… الحب كمسألة تفصيلية

ينقل الفرنسي فيليب غاريل في أفلامه الأخيرة حكايات تبدو متسلسلة، شكلاً ومضموناً، فهي مصوّرة بالأبيض والأسود، بأسلوب مايزال مخلصاً فيه غاريل “للموجة الجديدة” الفرنسية، بتصوير واقعي، في الشوارع ومع الناس، وباريس حاضرة دائماً، بميزانية صغيرة وممثلين غير نجوم. هذا شكلاً، أما موضوعاً، فهي قصص، أو مجتزآت من قصص حب، علاقات تنتهي وتبدأ، تتداخل وتتعدد، والتعدد هذا حاضر في أفلامه الأخيرة في أكثر من قصّة/فيلم.

«ترامواي في القدس» للإسرائيلي عاموس جيتاي

لعاموس جيتاي أفلام عديدة متراوحة بين الوثائقي والروائي، وهي سياسية في عمومها. أتى فيلمه الأخير ليدمج بين الوثائقي والروائي، وكان سياسياً تماماً. أما السياسة فيه فكانت استمراراً لمواقف جيتاي الرمادية المتخللة أفلامَه السابقة، وأما الدمج فكان لخلو الفيلم من حكاية، فكان أشبه بتثبيت كاميرا في عربة ترامواي يقطع القدس بين شرقها وغربها لتوثيق ما يدور فيها، فندخل في أحاديث ركاب العربة «المتنوعين»!

السينما الروائية الفلسطينية… حكايات ناقصة

في الحديث عن السينما الروائية الفلسطينية، وكما يغلب التفاؤلُ التشاؤمَ في جوانب، يغلب التشاؤمُ التفاؤلَ في غيرها، وهذه سينما تتقدّم في ما يُعرف بسينما المؤلف، وإن بنسب متفاوتة، لكنها تتأخر في مسائل أخرى تتعلق بالشّق الروائي منها: الكتابة/السيناريو/الحكاية.

السينما الفلسطينية… من الأفراد إلى المؤسسات

المسائل المطروحة للنقاش حول السينما الفلسطينية لا تنتهي، وأقول إنّ لدينا سينما فلسطينية وليس أفلاماً وحسب، وهذا بذاته موضوع نقاش، لكن الكم والنوع يسمحان بذلك القول، أما الأهم في هذا السّماح فهو تماثل الموضوعات، هو الهوية الموضوعاتية، ونوعاً ما البصرية، وكذلك الأسلوبية إن أشرنا إلى إيليا سليمان وتأثيره أسلوبياً على آخرين.

لا بالإخفاء ولا بالاحتفاء… كيف نتلقى الأعمال الفنية المسيئة؟

قرأنا قبل أيام خبر حذف فيلم «ذهب مع الريح» من منصّة HBO، تزامناً مع التظاهرات التي رافقت مقتل جورج فلويد والمنادية بشعار “حياة السود مهمة”، وذلك للمحتوى العنصري لهذا الفيلم. بعدها بيوم قرأنا خبراً بأن الفيلم ذاته، إثر انتشار الخبر الأول، قد قفز إلى الأعلى مبيعاً في موقع “أمازون”. أخيراً، قرأنا خبراً عن إعادة المنصّة للفيلم إنّما مرفقاً بفيلمين توضيحيَّين ونقاشيَّين يتناولان البعد العنصري فيه.

فيلم آخر عن حرب فيتنام… من وجهة نظر السود

ليس المخرج الأمريكي سبايك لي في صف المخرجين العظام، كفرانسيس فورد كوبولا وستانلي كوبريك وبنسبة أقل مايكل تشيمينو، والحديث هنا عن مخرجين لأفلام تناولت الحرب الأمريكية في فيتنام. لكنّه حاور هؤلاء وغيرهم في الزاوية التي نظر من خلالها إلى تلك الحرب، وكانت ضرورةً سردياً لكل تلك الحكايات في أفلام هؤلاء، وإن أتى الفيلم بمستوى أقلّ سينمائياً.

البيت والطريق إليه في «إجرين مارادونا» لفراس خوري

ليس من السهل حمل فكرة فلسطينية، ترسّخت في الذهن الفلسطيني، إلى فيلم قصير أبطاله أطفال ومجاله كرة القدم. كأي عمل فني، يمكن قراءة فيلم «إجرين مارادونا» للفلسطيني فراس خوري بتأويلات عدة، بإحالات يمكن (جداً) أن لا يكون للسياق الفلسطيني أي حضور فيها، وإن احتوى الفيلم على أغنية من الثورة الفلسطينية تقول: ثوري ثوري يا جماهير الأرض المحتلة، أغنية ثورية صارت جزءاً من التراث الفلسطيني الحديث. هي جدّ فلسطينية لكنّها أتت لترافق تصويراً وقصّةً لا “فلسطينةَ” جاهزة فيهما.

«الهدية» لفرح نابلسي… عاديّة الشّر في المرور بحاجز إسرائيلي

تتكرّر السياقات في أفلام لها منشأ واحد، أو مسألة واحدة، وأخصّ حديثي هنا للسياق الفلسطيني، وإن كان هنالك تنوع ضمن هذا السياق يتكرّر على أساس المكان والمجتمع الذي يتناوله الفيلم. القسم الأكبر من الأفلام الفلسطينية يحكي عن أفراد داخل فلسطين، فيتلقى المشاهدُ تكراراً في السياقات التي تُروى له ضمنها الحكاية، وهي سياق أرض محتلة. يبقى الشغل الأكبر لصنّاع الأفلام في تنويعٍ جاذبٍ ومُغنٍ ضمن هذا التكرار، ويكون هذا التنويع، غالباً، محصوراً بعاديّة يعيشها الفلسطينيون، بالروتين اليومي الذي يصعب استثناء مَشاهد محدّدة منه، كحاجز إسرائيلي يؤثر على (بل يُشكّل) عاديّة ويومية الفلسطيني إن كانت الحكاية في الضفة الغربية.

«أيار» لمها حاج… حيفا التي في حالة انتظار

كيف يمكن صناعة فيلم بمدة خمس دقائق؟ متى تكون هذه الدقائق الخمس فيلماً، ومتى تكون “ڤيديو”، وهذه الـ “ڤيديو” تتراوح بين تشغيلٍ للكاميرا في أيّ إطار وأيّ صوت -مؤثرات كانت أم كلاماً- وتسجيلِ الدقائق الخمس بمنطق “كيفما أتت فلتأتِ”، وتصويرٍ يكون أكثر تقريرياً أليَق بالتلفزيون منه بالسينما.

وزارةُ منعِ الثقافة الفلسطينية

قد يعتقد أحدنا أن المنع إن أتى من جهة حكومية -منع فيلم مثلاً وهو موضوعنا هنا- يكون دائماً لأسباب تتعلق بفهم وإدراك الجهة المانعة للفيلم، فتمنعه لتناقضه مع سياستها في شأن ما، مصرّحةً بحجّة هي غالباً “وهن عزيمة الأمّة”، ولهذه حالات عدّة في الدكتاتوريات العربية، وهذ دكتاتوريات لها دولتها العميقة وسلطتها القامعة ضمن حدود الدولة. أمّا فلسطينياً، فالسلطة الحاكمة بأمر الاحتلال والمغلوب على أمرها، ماتزال ذلك القزم الطموح للتمثّل بالدكتاتور العملاق في الجوار (شمالاً وجنوباً) وهذا ينعكس على ممارسات متفاوتة في مجالاتها ومستوياتها، لدى هذه السلطة ووزاراتها، قد يكون آخرها المنعُ الذي طال فيلم آن ماري جاسر «حي»، وهو -بما يمكن أن يتوقّعه أحدنا من هذه الوزارة في فترتها الأخيرة، وبتوافق مع رغبة عارمة لقزمٍ طموح- هو منعٌ لم يأتِ لإدراك هذه الوزارة للفيلم، الذي قد يوهن عزيمة الفلسطينيين، منعٌ لم يرتق إلى فهمِ ما يُمنَع، ولو للفضول، ولو للتمثّل -بشكل أكثر احترافية على الأقل- بدكتاتورية تمنع فيلماً لأنّها فهمت تناقض محتواه مع سياستها. وزارتنا الفلسطينية لم تحتَج، كي تمنع فيلماً، لأن تفهمه.

«ذا شاينينغ»: الفيلم الذي سلب الروايةَ حكايتَها

توجد علاقة دائمة الحضور في السينما، تكون بين الفيلم والرواية المنقولة عنها حكايةُ الفيلم، والفيلم ليس تصوير الرواية. هو ليس النقل “المخلص” للرواية إلى الشاشة، ولا هو نقل “خائن”. العلاقة أكثر تشابكاً بين الاثنين لسبب أساسي هو أننا نحكي عن عالمين مختلفين، عن وسيطين فنّيين لكل منها أدواته وأساليبه ومعاييره، وإن كانت الحكاية التي تصل متلٍقّيها بالصور أو الكلمات، هي ذاتها.

لنبنِ دور سينما في فلسطين

لا تنتهي الأسئلة متى بدأت حول السينما الفلسطينية، لأسباب تتعلّق أولاً بالصّناعة والتوزيع ودور السينما والجمهور، وبطبيعة كلٍّ من هذه الجوانب، وثانياً، وبشكل مقابل، بكمّية ونوعيّة الإنتاج السينمائي الفلسطيني الأفضل حالاً مما ذكرتُه في “أولاً”.

المقابلة: ألبرتو مانغويل

التقيناه مساءً في بهو فندق “لْوي الثاني” في حيّ دور النّشر والمكتبات في باريس، وكان أوّل ما قاله “نادني مانغيل، بدون مستر”. أجرينا المقابلة التي خرجت بمعظمها عن الأسئلة المعدّة مسبقاً لها، وامتدّت لساعة تناولت فيها القراءة والمكتبات والمنفى وفلسطين ودرويش… شاركت في إجراء المقابلة وترجمتْها عن الإنكليزية ياسمين حاج.

عن الأفلام بعد الحَجر… بين الصالة والصالون

صالات السينما كانت من أوائل المتأذّين وستكون آخر المتعافين. ولا إشارة إلى ما سيستغرقه هذا التعافي ليعود إلى حالة ما قبل الحَجر الذي نعيشه اليوم. في فرنسا مثلاً، يخرج النّاس إلى المرحلة الأولى من حالة ما بعد الحجر في ١١ مايو/أيار، مع تأخير صالات السينما والمسارح والحدائق وفضاءات عامة أخرى إلى مرحلة ثانية قد تكون في أوائل حزيران/يونيو، علماً بأنّ صالات السينما كانت قد أُقفلت قبل البدء الرسمي بحالة الحجر في البلد في ١٨ آذار/مارس. فرنسا مثال يمكن إسقاطه على العديد من دول العالم، مع فارق أن حال السينما وامتلاء صالاتها في هذه البلد أفضل من غيره، وأن استطلاعاً أجري خلال الحَجر يقول فيه الفرنسيون إنّ ثاني أكثر ما يفتقدونه هو الذهاب إلى السينما (بعد المطاعم والمقاهي).

«ذي إيدي» قصة نادي جاز في باريس من خلال موسيقييه

هذا مسلسل آخر جيّد، يستحق المتابعة، على شبكة نتفلكس الممتلئة بالمحتوى المكرّر لذاته والخالي من الابتكار. وليس الجديد في هذا المسلسل هو الابتكار وحسب، بل الأسلوب في الإخراج (تصويراً ومونتاجاً) وقبله في السرد. ومسلسلنا هذا يأتي مخرجوه من خلفيات سينمائية، بل هم أصحاب أفلام جيدة وممتازة، فكان مسلسلهم بهذه الجودة ضمن بحر من المسلسلات المتماثلة في سطحيتها على الشبكة ذاتها.

المكتبة في بيتك

ليس من الكليشيّة القول إن المكتبة البيتية جزء من شخصية صاحبها، من ذاته، من تكوينه، من ذكرياته، بل -للدقة- هي جزٌ لا يكشف عنه غيُرها. ما إن يدخل أحدنا إلى بيت آخر، ويجد مكتبة، إلا ويبدأ بتفحّصها، كمن يتكشّف على ذلك الجزء، أو يكتشف أن هنالك، في الآخَر، ذلك الجزء وهو الآن معروض -لايڤ- أمامه. دونها، لا أقول إنّ ذلك الجزء مخفيّ، بل أقول: منفي، غائب، غريب…

تريد عرضاً فولكلورياً… معاليك!

يحزن أحدنا حين… أو لا. يغضب أحدنا حين يسمع عن منع عرض لفرقة في رام الله بسبب ملابس أفرادها. والأسباب أشدّ إثارة للغضب من القرار ذاته. بائس هذا الحال، ونحن نتكلّم عن مجال الفنون والثقافة، بائسة هي وزارة الثقافة الفلسطينية التي تمنع عرضاً لفرقة فلسطينية لأنّه -العرض- “لا يناسب الذوق العام”.

المقابلة: إيليا سليمان (٢/٢)

الجزء الثاني من المقابلة… هنالك إذن عملية الخلق، هي في كتابة الملاحظات والسيناريو والتصوير… ليس الملاحظات. هذه أكتبها أثناء الجلوس في مقهى، أو هنا في البيت أحلم وأقول “قد يكون ذلك مثيراً للاهتمام” أو ترى في الخارج شيئاً ما وتقول “آه هذا مضحك”. وتبدأ بكتابة الملاحظات. بعدها أرتّب هذه الملاحظات، هنالك أقسام: باريس مثلاً، أضع الملاحظات حول المدينة، بتاريخ ومكان محددين، كأنّها دفتر يوميات. بعدها تتخيل إن كان هنالك احتمال ليتحقق ذلك أو ليتم مسخه إلى بعدٍ فنّي أو سينمائي، فتبدأ في الحلم بها. ويمكن أن تجد ملاحظتين متقاربتين فتقول “آه هذه تشبه تلك، أو بين هذه الملاحظات صلة ما، بالتالي، سنرى إن أمكن وضعها في الصورة ذاتها”. ثمّ تبدأ بتركيب الصور. تركّب إلى أن يصير هنالك ثقل ما في المشهد، كي لا يبقى على مستوى النوادر أو القصص المتفرقة. لا بد أن تشعر بأن هذا المشهد صار لوحة بحد ذاته، صار فيه أجسام كمقدّمة وخلفية وجانبية. عندي دائماً الطموح بأن أحدهم حين يشاهد أفلامي ويشاهدها مرة أخرى، أن يكون كما يذهب إلى متحف لمشاهدة لوحة ما، يزوره عدة مرات ليعود إلى اللوحة ويرى أشياء …

المقابلة: إيليا سليمان (١/٢)

لا مقدّمات تُكتب لمقابلة مع إيليا سليمان…   السؤال الأوّل هو الأكثر توقّعاً، لم انتظرتَ عشر سنين بين «الزمن الباقي» و«إن شئت كما في السماء»؟ الإجابة بسيطة، أولاً لأنّي كسول. هنالك أسباب موضوعية وهنالك تلك التي لا جواب لها، وهنالك أسباب تبقى -لنقُل- نوعاً من الأعذار، أو لستُ متأكداً من أنّها أسباب فعلاً، لكن لها “مشروعية” ما. مثلاً،  هنالك فترة ليست قصيرة بين كل فيلمين من أفلامي، ٧ أو ٨ سنين. لكن لكونها ١٠ الآن، يمكننا السؤال “لمَ؟”. أنا لا أصنع أفلاماً روائية/سردية ولا مبنية على كتب، لا أكتب سيناريوهات عن شخصية متخيّلة. كل ما تراه في أفلامي هي أمور مأخوذة من حياتي الشخصية، أو قد تكون ملاحظاتي/مراقباتي لما يحصل حولي، أو تأمّلات لمسائل داخليّة. فإن أراد أحدنا أن يصنع فيلماً، لا بدّ أن يعيش، يعيش ليرى ما حوله. أحياناً يكون أحدنا متنبّها وأحياناً لا، تكون سارحاً أحياناً قد تكون في حلم يقظة ما، وأنت جالس على كرسي، كما أفعلها مراراً، أو حين تكون في الشارع وترى ما حولك وتدوّنه. وهذا لا يكون كل الوقت، ذلك يستغرق سنيناً. تجمّع هذه الملاحظات إلى أن تثقل وتجد أنّه …

«الحياة الحلوة»… الأدب يأتي أخيراً

من بين لائحة الأفلام التي بطلها روائيٌ، وأحبّها وأحبّ اقتراحها، هو هذا الفيلم الذي لم أدرجه هناك لتكون له مساحته الخاصة هنا، أحكي فيها عن تصوير هذا الفيلم لشخصيّة الروائي، عن نموذج لصورة الرّوائي في السينما، وإن لم تكن “روائيته” موضوعاً أساسياً، وذلك في أحد أفضل أفلام أحد أفضل المخرجين لديّ. «لا دولتشي ڤيتا» قد لا يلاحط أحدنا أن الشخصية الرئيسية في فيلم الإيطالي فيديريكو فلّيني روائيٌ، فهذا تفصيل يُذكر عرَضاً ثلاث مرّات، ضمن مَشاهد مزدحمة بالأحاديث، كأن يسأله أحدهم أين وصل في كتابه فيجيب بكلمتين لا تشيران إلى أي تقدم به، أو يقول كذلك سريعاً ورداً على سؤال آخر إنّه سيترك الصحافة وكذلك الأدب. فمارتشيلّو صحافي، وهذه المهنة أساسية هنا في حكاية الفيلم وفي شخصية بطله. الأدب لديه فعلٌ ثانوي إذ لا نراه حتى جالساً على كرسي يكتب إلا في مشهد واحد، في ترّاس مطعم تحت الشمس جالساً إلى طاولة أمام آلة كاتبة. لكن، وكما أن الأدب في الفيلم يأتي أخيراً بالنسبة لبطله المشغول بالنساء والسّهر، فالكتابة (في المطعم) أتت أخيراً إذ نراه يحاول الاتصال تليفونياً أو الانشغال بما حوله متفادياً الكتابة، أو متهرّباً …

الرّوائي في السينما… ٥ أفلام أحبّها

أفتتحُ بهذه المقالة ملفّاً سيكون عزيزاً، لتزامنه مع دخول المجلّة عامها الرّابع، ولموضوعه وهو العلاقة بين السينما والأدب، وللمشاركات التي ستتوالى بعد هذه، ولكل منها مقاربة متمايزة لتلك العلاقة، تتناول الأدب في السينما، والسينما في الأدب، وموضوعات تجمعهما. وكي نعطي للملف أبعاداً  أكثر من مجرّد نصوص تُقرأ، اخترتُ أن تكون افتتاحية الملف اقتراحات لأفلام تناولت الأدب، فيستطيع القارئ لمقالات هذا الملف أن يكون كذلك مشاهداً لأفلام أقترحُها، وقارئاً لروايات تقترحها مقالات أخرى نبدأ بنشرها اليوم. حاولت أن أحدّد اختياراتي قدر الإمكان كي لا أملأ الصفحة بالأفلام، فاخترت لقائمتي هذه أفلاماً لمخرجين أحبّ أعمالهم، يكون بطلُها روائياً. لم أحاول التنويع في بلد الإنتاج وسنته، ولم أتقصد البحث عن أفلام ليست غربية أو تكون لمخرجات نساء (سعياً لإحداث توازن ما) فالمعيار الوحيد في اختيارها هو إعجابي بها (قبل غيرها) كأفلام أحبّ اقتراحها للمُشاهدة، أما التفاوت في شخصيات الروائي في الأفلام الخمسة فهي صدفة حسنة. كما كان لا بد من تنحية أفلام أحبّها (وأحبّ اقتراحها) لأنّ بطلها كاتب سيناريو وليس روائياً كـ Contempt (١٩٦٣) لجان لوك غودار، و .Sunset Blvd (١٩٥٠) لبيلي ويلدر و Broken Embraces (٢٠٠٩) لبيدرو ألمودوڤار. كما …

«استراتيجية المقاطعة» عن “المركز العربي”… هذه ساحتُنا

نعرف أنّ أساليب المقاومة للاحتلال، كفلسطينيين، تتباين زمانياً ومكانياً، تبعاً للظروف الموضوعية والذاتية التي تحكم الفرد والجماعة منّا، وهذا ما جعل المقاومة، كفعل جماعي للفلسطينيين، تتراوح بين البقاء في (والإبقاء على) البيت، مروراً بقصيدة، في زمن سابق داخل الأرض المحتلة، إلى الكلاشْنِكوڤ في زمن لاحق، وقد خرج، وخرجت به الثّورة، من المخيّمات. أسلوب مقاومة واحد يمكن القول إنّه جمع الفلسطينيين، وقد نضج اليوم، واتّضحت معالمه وبان تأثيره ومدى إزعاجه، عميقاً، لدولة الاحتلال وأصدقائها. هو، تحديداً، المقاطعة. مقاطعة الاحتلال بالمدى الواسع الذي يمكن لهذه الكلمة -لهذا الفعل- أن تشمله، لا كتنظيم ولا مؤسسة، بل كفعلٍ هو جماعي تماماً كما هو فردي. بدراسات امتدّت موضوعاتُها تاريخياً وتفاوتت جغرافياً وتنوّعت اختصاصياً، إنتخبَ “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات” من أوراق البحث لمؤتمر «استراتيجية المقاطعة في النضال ضد الاحتلال ونظام الأبارتهايد الإسرائيلي: الواقع والطموح»، وأصدرها في كتاب بالعنوان ذاته (ديسمبر ٢٠١٨/ ٤٤٨ صفحة) بمقدّمة شاملة لمدير المركز، عزمي بشارة. إذ يوفّر الكتاب أرضيّة ثابتة لإدراك أهميّة وضرورة فعلٍ كالمقاطعة، اليوم تحديداً، كامتداد راهن وجامع لعموم التراث المقاوم للفلسطينيين. في مقدّمته، يفصّل بشارة في التنويع داخل فعل المقاطعة ذاته، المتعلّق -كما كان …

رسالة “كان” الأخيرة… على هامش المهرجان، وفي متنه

ستكون هذه الرسالة، الأخيرة، على شكل نقاط، فتعلّقها معاً بالدورة ٧٢ من مهرجان كان السينمائي لا يبرّر تجاورها لتكون مقالة منسجمة. الحقيقة أنّ هذه الرسالة كتبتها من باريس، فقد انتهى المهرجان وعاد كلٌ إلى بيته. الرسائل السابقة تعلّقت بالحضور الفلسطيني في المهرجان، والمتمثل في الوفد الفلسطيني وأنشطة “مؤسسة السينما الفلسطينية”، وفي فيلم «أمبيانس» الذي نال الجائزة الثالثة في تظاهرة «سينيفونداسيون»، والحدث الأهم فلسطينياً سينمائياً (سيكون دائماً الفيلم الجديد لإيليا سليمان) وهو “ظهور” فيلم «إن شئت كما في السماء» ونيله تنويهاً خاصاً (هي جائزة) وكذلك جائزة الاتحاد الدولي للنقاد “فيبريسي”. ونشرنا أكثر من مادة عن كل من الموضوعين الأول والثاني، ومازال ملفّ “إيليا سليمان” قائماً حتى الأسبوع القادم. للمحكّمين دائماً منطقهم وأذواقهم، وهذا ما جعل أفلاماً عظيمة في تاريخ المهرجان (وغيره) لا تنال السعفة الذهبية ولا غيرها، وهذا ما أخرج أسماء كبيرة من هذه الدورة دون سعفات تتظلّل بها، كالإسباني بيدرو ألمودوفار. وطبيعة فيلم سليمان، شكلاً ومضموناً، مقولةً فنّية وسياسية، تجعله أكثر تعقيداً من أن ينال سعفة يريد -غالباً- محكّموها لها خيارات آمنة، وهذا كذلك ما جعله ينال جائزة النّقاد دون غيرها. نعود إلى ألمودوفار، هو أحد …

رسائل “كان”: «إن شئت كما في السماء»

نوعيّة الحدث يجعله جديراً أم لا، بالانتظار لعشر سنين، وفيلم إيليا سليمان الأخير هو أولاً حدث، سينمائي أولاً وفلسطيني ثانياً، وهو ثانياً جدير بهذا الانتظار. لم يكن عليّ مشاهدة الفيلم في مهرجان “كان” قبل يومين لأتأكد من ذلك، فكثير من المؤشرات العامة والخاصة برّرت لي توقّعاتي بفيلم عظيم ينتظرنا، لكن لا تجدر الكتابة عنه دون المشاهدَة، وكان ذلك وتأكّدَ كلّ شيء: الفيلم ناقد جداً، ساخر جداً، فلسطيني جداً، عالمي جداً، والأهم: سليماني جداً، واستحقّ تصفيقاً قارب ثلث ساعة، وأكثر من الجائزتين اللتين نالهما (جائزة النقّاد: FIPRESCI والذِّكر الخاص: Special Mention). ليست أسطري هذه مراجعة عن الفيلم بل إشارات سريعة له، إذ يحتاح حديثاً طويلاً سأعود إليه، قد يكون أكثرها إلحاحاً هو عنوان الفيلم، وهو أساساً بالإنكليزية، وهذه واحدة من استسهالات الصحافة العربية حسنة النّية، إذ يعتمد أحدهم ترجمة فورية بغض النظر عن جودتها (أو لباقتها بالعربيّة)، لتتناقل إلى ما لا نهاية. العنوان العربي الصحيح والذي بحث عنه إيليا وأراده لفيلمه هو «إن شئت كما في السماء» وهو ليس ترجمة للعنوان الإنكليزي ولا ضرورة لأن يكون كذلك أساساً، وقد أتى من الصلاة: “أبانا الذي في السموات. ليتقدس …