All posts filed under: الأولى

«مخطوف» لماركو بيلوكيو… تراجيديا الفاتيكان

الفيلم تراجيدي تماماً، بالمعنى المسرحي الإغريقي حيث تنال الشخصية الرئيسية حتفها مهما حاولت تفاديه على طول المسرحية/الفيلم، لارتكابات “لاأخلاقية” تسببت بالعقاب الرباني الحتمي. لكن كيف يكون ذلك في فيلم نالت الشخصية الرئيسية فيه ما أرادته، بالنهاية؟

“الحب والغابات”… حيث تفترق بدايات الحب عن نهاياته

يبدأ الفيلم بامرأة تلتقي صدفةً برجل في بار عزمتها إليه أختها كي تلتقي بأحدهم حضّرته الأخت لها، تلتقي الأولى، بْلانش، صدفةً بآخرَ لتبدأ العلاقة معه وبالتالي قصّة الفيلم. هذا استهلال عادي للسينما، حيث تلعب الصّدف دوراً في تشكيل مآلات الشخصيات ومساراتها. أما ما يجعل القصة، وبالتالي نسبياً، الفيلم، مثيراً للاهتمام فهو طبيعة التناول لما سيأتي لاحقاً. أي المسار والمآل.

«شمس المستقبل» لناني موريتي… نهايات سينمائية

عبر مسيرته الطويلة،  أوجد الإيطالي ناني موريتي أسلوباً خاصاً به، شيء من الكوميديا الإيطالية بأسلوب الفيلم الفني الأوروبي، مستمداً من تراث السينما الإيطالية ما بعد “الواقعية الجديدة”، فلّيني تحديداً، أساساً لما سيصير لاحقاً سينما ناني موريتي، وبـ “وودي ألِن” ـيّة ألصقت الأسلوب بصانعه، فحضور موريتي ممثلاً رئيسياً في أفلامه جعله، بملامح وجهه وطريقة كلامه، عنصراً مكوناً لهذا الأسلوب، كما هو الحال مع ألِن الذي فقدت أفلامه خلال العقدين الأخيرين سمة أساسية من أسلوبها حين توقف عن التمثيل فيها. والاثنان يشتركان في النّق الساخر في أفلامهما.

«أيام مثالية» لفيم فيندرز… فيلم كالقصيدة

حين يشاهد أحدنا فيلماً، منبهراً بكل لقطة فيه، وتخرج منه كلمة واحدة هي “تحفة”، لا تهم كثيراً التبريرات لهذا الحكم، ستشكّل نفسها بنفسها. في الأعمال الفنية العالية، التحف كما هو حال «أيام مثالية» للألماني فيم فيندرز، يكون على أحدنا البحث عن مبررات تلائم الحكم التلقائي. التحف لا تخطئها العين.

“عن الأعشاب الجافة” لنوري جيلان… تكريس الأسلوب بثرثراته

استطاع المخرج التركي نوري بيلجي جيلان أن يشقّ لنفسه أسلوباً سينمائياً خاصاً، ليس بالإلحاح عليه في أفلام متتالية وحسب، بل بتمكينه وتكريسه ضمن سينما ممتازة وإن لم تخلُ من مشاكل. هي أقرب لتكون سينما ما بين الإيرانية، وهذه الأخيرة متمايزة شكلاً وموضوعاً، والأوروبية، وهو ما يمَوقع تركيا ثقافياً عموماً وسينمائياً خصوصاً، بين الشرق والغرب. نذكر هنا روايات التركي النوبليّ أورهان باموك، الذي قارب ما بين المجتمع المشرقي المسلم من ناحية، والنزعة الأوروبية المستحدثة من ناحية أخرى. نرى ذلك في السينما التركية بشكلها الراهن والتي يمكن لأفلام جيلان أن تختصرها.

“ممرات”… ارتباكات العلاقات وسلاسة نقلها

تكثر الأفلام المتناولة لتعقيدات العلاقات فيما تحبّ تقديمات الموزعين وكتابات النقّاد تسميتها بالعلاقة الثلاثية، بمعزل عن طبيعة العلاقات الماثلة بين ثلاثة شخصيات في الفيلم، وهو ما لا يصح القول فيها إنها ثلاثية، كأن تنهي امرأة علاقة بأحدهم لتبدأ بأخرى، تكون مع رجل أو امرأة، تكون أو يكون على علاقة ما مع الأول، ومنفصلة في طبيعتها عن العلاقة ما بين الأول والمرأة. السينما الأوروبية تخوض جيداً في مواضيع كهذه.

“أن أمشي على جرحي… وأُقاوم”: الحكم العسكري في السينما الفلسطينية

نشر البحث في مجلة “قضايا إسرائيلية” (العدد ٩٠، صيف ٢٠٢٣) الصادرة عن “مركز مدار” في رام الله. أدناه أنشر المقدمة، ويمكن قراءة البحث كاملاً هنا… مقدمة لا تبتعد السينما الفلسطينية في موضوعاتها، عموماً، عن مساحة الأمان في تصوير قصّة فلسطينية، والمساحة هذه هي الراهن، الآن هنا. “الآن” محدودة جداً ومتماهية مع زمن صناعة الفيلم، و”هنا” يحكمها أمر واقع ومحدودية سياسية إما حصرته في مدن الضفة أو مرّت بها كضرورة لـ “تثبيت فلسطينية” الفيلم. هنالك دائماً استثناءات، وهي كالعادة دليلٌ على القاعدة. وبما أن الحديث هنا عن عموم موضوعات هذه السينما، يسهل استحضار أمثلة تكون الاستثناء المقصود، تعطي تنويعاً لكن يبقى محدوداً في أو محيلاً إلى مكان ما في الضفة الغربية أو قطاع غزة، أي “فلسطين” كما قرّرتها علاقات القوة في العالم التي خضع لها الفلسطينيون ووقّعت بحكمها منظمة التحرير الفلسطينية على اتفاقيات تنازلية.

“نجوم في الظهيرة” لكلير دوني… التفاف الفيلم على بطلته

أخرجت الفرنسية كلير دوني العام الماضي فيلمين، واحد في مهرجان برلين السينمائي نالت عنه جائزة أفضل إخراج، هو “مع الحب والشراسة”، نزل إلى الصالات الفرنسية وتناولتُه في مقالة وقتها (“القدس العربي 4/10/ 2022). الثاني في مهرجان كان السينمائي العام الماضي، ونالت عنه الجائزة الكبرى، هو “نجوم في الظهيرة”. وقد يكون التوزيع سبباً في انتظار الثاني، موضوعنا هنا، لعام كامل كي ينزل إلى الصالات الفرنسية.

“فأل”… الخرافات بلسان أهلها

تنقل السينما عموماً وجهة نظر صانع الفيلم تجاه موضوعه. وفي عموم التقابل الثقافي، أو الصدمة الثقافية بين شخصيتين، واحدة من إفريقيا والأخرى من أوروبا مثلاً، تُنقل وجهات نظر تكرّست مع الزمن لمرجعيات صانع الفيلم الغربية في عمومها. في فيلمنا هذا، اختلف الأمر قليلاً، وقصته تدور حول رجل إفريقي من الكونغو يعيش في بروكسل، يعود إلى بلده في زيارة مع صديقته البلجيكية البيضاء، لتدخل معه متاهة عادات شعبية وخرافات عتيقة. هذا كله كان هنا، وهو ما ميز الفيلم، من وجهة نظر أبعد عن أن تكون أوروبية.

“إنها تمطر في البيت”… ماء وسماء وأفق مغلق

بالكاد تسمح أفلام المسابقة الرسمية في مهرجان كان السينمائي، ببعض الوقت للكتابة تعليقاً عليها، أو على ما أمكن مشاهدته منها، خلال فترة المهرجان، لتبقى الأيام التالية، من بعده، وضمن عروض تختلف أسباب إتاحتها وأشكالها، مفتوحة على غيرها من الأفلام التي مرت في تظاهرات أقل أهمية ورسمية، إنّما فيها قد تكمن إبداعات سينمائية يمكن أن تتخطى بعض أفلام المسابقة الرسمية أو معظمها. ومعروف أن الأفلام التي لا تجد مكاناً لها في المسابقة هذه، تندرج في غيرها وهي “نظرة ما” كمسابقة رسمية ثانوية، والتظاهرات الموازية غير الرسمية للمهرجان وهي “أسبوعا السينمائيِّين” و”أسبوع النقد” و”أسيد”.

متى يكون الفيلم نضالياً؟

لا يمكن للقارئ في مقالات وبحوث عن السينما الفلسطينية، إلا ملاحظة إسقاطات متكررة، وبأثر رجعي، مصوّبة إلى سينما الثورة التي تأسّست تدريجياً أواخر الستينيات. ويكون ذلك عموماً في حديث عن السينما اللاحقة التي بدأت مع ميشيل خليفي في الثمانينيات تحديداً، فيُقال إن أفلام الثورة، مقابل وثائقيات خليفي وروائياته، كانت، بالمقارنة، دعائية تفتقد الحسّ الإنساني. مرّت معي هذه الإسقاطات القاصرة عن فهم معنى كلٍّ من أفلام الثورة وأفلام خليفي، في أكثر من مقالة وكتاب ولأكثر من ناقد وكاتب جهلتْ نصوصُهم طبيعة الفيلم النضالي، أو تجاهلتْها، أو أخذت أصحابَها الحماسةُ تجاه أفلام خليفي وآخرين من بعده. وهو ما أحال ملاحظةَ هذا المرور لإسقاطاتٍ هنا وهناك، إلى ضرورة النقاش، لتصحيح صورة هذه الأفلام وتلك، أفلام الثورة وأفلام اللاحقين، وتصحيح تصوّر قرّاء تلك الإسقاطات، وكتّابها إن كان لا بد من ذلك، حول نوع الفيلم النضالي.

«غودار، وحدها السينما»: الفيلم بصفته يوتوبيا

“ما هي السينما؟ لا شيء. ما الذي تريده؟ كل شيء. ما الذي تستطيعه؟ بضعة أشياء.” هذه العبارة للمخرج الفرنسي جان لوك غودار، والتي تختم الوثائقي «غودار، وحدها السينما»، يمكن أن تلخّص مفهومه للسينما، في كونها لا شيء محدّد وبالتالي هي محاولات لانهائية للتجريب، تماماً كما بدأها في “الموجة الجديدة” وكما استمرّ بالخوض في أشكال ومضامين مألوفة ومألَّفة، في كونها دائمة التشكّل والتغيّر والتأقلم، هي لا شيء محدد. وفي كون السينما راغبة بكل شيء، ودائماً بمفهوم غودار، منفتحة على أنواع الفنون كلّها، شاملةً إياها، وعلى التاريخ والسياسة والاجتماع، في كونها عملاً فنياً وتحريضياً في الوقت عينه، وكما كانت دائماً لدى غودار. وفي كون السينما، أخيراً، مكتفية بتحقيق بضعة أشياء تبقى ضئيلة بالمقارنة مع ما تريده، فلا تكون الغاية في ما ستحققه السينما لاحقاً، بل في احتمالية ذلك، في الإعتقاد به، وفي الآمال والأحلام، حالَها، والحديث عن السينما العالِية، من حال الأعمال الفنية الأخرى، العالِية.

الثقافة السينمائية الفلسطينية بلغة أصحابها

في حديث لا ينتهي حول الثقافي والمعرفي في السينما الفلسطينية، تستدعيه أفلام طويلة وقصيرة، روائية ووثائقية، تشي بجفاف سينمائي فيها، تغطّيها تقنيات بصرية لا تحتاج ثقافة ولا فناً، مكتفية بتدريب تقني على استخدام آلة لا روح فيها ما لم تُبث من قبل مستخدمها، أما مبعث البث فلا يكون سوي الثقافة السينمائية الذاهبة أفقياً في سينما العالم، وعمودياً في السينما الوطنية. في حديث كهذا، يصفّ أحدنا مصادر المعرفة أمامه ليجد محدوديةً في كمّها بالإنكليزية، وكمّها ونوعها بالعربية.

عن الثقافة السينمائية الفلسطينية قبل الصّناعة

بمتابعة مسيرة السينما الفلسطينية، في أي مرحلة كانت ولأي نوع من هذه السينما، سنجد أن كمّ الأفلام في تزايدٍ واضح، تحديداً الروائية الطويلة التي تتطلب عملاً قد يصل لعشر سنوات من الكتابة حتى الإنتاج ثم التوزيع. بتقسيم هذه السينما إلى عقود، سنجد أن كل عقد يفوق سابقه في كمّ الإنتاجات السينمائية الفلسطينية، وإن لم يكن لذلك علاقة بجودة الإنتاج من عدمها، لكن كثرة الإنتاج، وإن تتسبّب بتكريسِ نمطيّاتٍ في هذه السينما، فإنّها قد تتسبّب كذلك بزيادة احتمال خروج فيلمٍ ممتاز متخللاً الكثير من العادي والرديء. بكل الأحوال، كثرة الإنتاج فعلٌ ديمقراطي، والآراء الانطباعية والتحليلية والنقدية، مكتوبة ومحكية، يمكن أن تفي الفيلمَ حقه أينما كان موقعه في عموم هذه المسيرة. لكن، هنالك ما هو أبعد من هذه الآراء تستحقّه السينما التي يكاد عدد أفلامها يتضاعف بالنظر إلى كل عقد مقارنَاً بسابقه، تحديداً بعد العام ألفين وقد دخلت هذه السينما مرحلة جديدة بدأت الأفلام معها تكثر تباعاً.

“ليلة الثاني عشر”… تحقيق الرجال في مقتل نساء

يبدأ الفيلم بعبارات تشير إلى عدد حالات قتل النساء (فيميسيد) في فرنسا، وإلى أن أغلب عمليات التحقيق فيها لم تصل إلى نتيجة، وأن القصة في هذا الفيلم واحدة من تلك غير المحلولة. بذلك وضع الفيلم مُشاهده، بجرأة ومجازفة، أمام نهاية مصرَّح بها، في فيلم تحقيقات بوليسية، وهي أن التحقيق لن يفضي إلى شيء وأن الملف سيقى مفتوحاً. هو ما نقل الفيلم من حالته البوليسية التحقيقية إلى حالته الاجتماعية، محولاً المضمون وثقله، من: من هو القاتل؟ إلى: لمَ هي الضحية؟

«أميرة» لمحمد دياب… الفيلم كمزحةٍ سمجة

في سياقٍ سياسي واجتماعي، حيث الحالة في أشدّها توتّراً، كما في فلسطين وأي موقعٍ لحرب أو احتلال، تكثر القصص الإنسانية، تلك التي تحتمل تطرّفات في الحبكة وانعطافاتٍ يصعب تفادي جاذبيّتها عند المؤلفين، في السينما تحديداً حيث إنشاءاتٍ استعمارية مصوَّرة تكون احتمالاً لقيمة بصرية إضافية توازي القصة غير العادية في ظرفها غير العادي، في هذا كله، يمكن لعمل سينمائي أن يُنجَز بعناصر جاهزة في ترجيح العمل ليكون عالياً، فنياً وسردياً.

“امبراطورية النور” لسام ميندز… السحر في صالة السينما

في فيلمه الأخير، عاد المخرج البريطاني سام ميندز إلى أول أفلامه، أو ما يمكن اعتباره بداية مسيرته السينمائية، “جمال أمريكي” (١٩٩٩) حيث يُبنى الفيلم على نفسيات شخصياته، وتحديداً عزلتهم واضطراب نفسي يعيشونه. وقد فصلت بين الفيلمين أفلام عديدة كانت على الطرف الآخر في نوعها السينمائي، أفلام جيمس بوند وحروب وحركة، أهمها بعنوان “١٩١٧” الذي يحكي عن الحرب العالمية الأولى ونال عام ٢٠١٩ جوائز ونجاحات.

“آل الفيبلمان” لسبيلبرغ… السينما كتقليدٍ هوليوودي

يمكن القول إن ستيفن سبيلبرغ من بين المخرجين السينمائيين الراهنين الأكثر “نجاحاً” بالمعايير الهوليوودية المدرسيّة والتقليدية، والنجاح لا تعني الأفضل، لكن سبيلبيرغ راكم أفلاماً كثيرة كانت علامات في مسيرة السينما الهوليوودية، علامات لأنها مخلصة لطبيعة الصناعة الهوليوودية، منذ فيلمه الأول عام 1975، الذي صنع اسمه، Jaws الذي يُعتبر نموذجاً لكيفية صناعة الفيلم الهوليوودي، وبمسيرة طويلة كانت أساسية في رسم شكل الفيلم الهوليوودي ومضمونه. بكل ذلك، وبتراكم طويل زمانياً وعديد فيلمياً، ولكونه لاحقاً صاحب واحدة من أهم شركات الإنتاج في هوليوود، وهؤلاء هناك أهمُّ من المخرجين، كبر اسمُ سبيلبرغ وصار منذ سنوات أهم من عناوين أفلامه.

“الابنة الأبدية”… تيلدا سوينتون في براعة مضاعفة

يضع الفيلمُ مشاهديه في شروط فيلم الرعب من المشهد الأول، في سيارة تتجه ليلاً، في الصقيع، إلى فندق مهجور في منطقة معزولة. امرأتان في سيارة تاكسي يحكي لهما السائق عن امرأة ظهرت في صورة من خلف نافذة في الفندق ولذلك يتجنبه، وكانت شبحاً. هذا التقديم الكلامي والبصري للفيلم، يضعه ضمن شروط فيلم الرعب المبني على عناصر يعرفها مشاهد هذه الأفلام، من العتمة والبيت المهجور المسكون إلى أشباح وأصوات غريبة. وأكمل الفيلم في هذه الشروط إلى آخره، ما يمكن أن يجعله فيلم رعب عادي آخر أفضل ما فيه يكون تمثيل تيلدا سوينتون، ما يمكن أن يبرر مشاهدته. لكنه، الفيلم، كان في مكان آخر.

“بعد الشمس”…  كأنّ أحدنا يقلّب ألبوماً عائلياً

إن كان لا بد من تسمية اكتشافٍ سينمائي للعام الماضي، فسيكون هذا الفيلم. هو الأول لمخرجته الاسكتلندية شارلوت ويلز، شارك في مهرجان كان السينمائي، على هامشه، في تظاهرة “أسبوع النقّاد”. ومن بعد العرض الأول بدأ ينال اهتماماً نقدياً وصل أخيراً إلى تسميته من قبل مجلّات وصحف منها “سايت & ساوند” و”الغارديان” و”إندي واير” بأفضل أفلام العام. فيلم هو الأول لمخرجته الشابة، مغامر في شكله، شديد الحميمية، ولم يُفتَتح في أيٍّ من المشاركات الرسمية والأولى في المهرجانات الكبرى. التقدير الأساسي للفيلم كان نقدياً ومن هنا، من النقد، استحقّ الفيلمُ الاحتفاء اللاحق.

“انعتاق”… العبودية في رحلة التحرر منها

لا تنتهي حكايات العبودية التي يمكن بها صناعة أفلام تُظهر هذا العار الإنساني، لمُشاهده، كأنه، العار، يمرّ للمرة الأولى أمام عينيه. عبودية لاتزال آثار لها حاضرة في المجتمعات الغربية، الأمريكية تحديداً وهي موضوع فيلمنا هذا، آثار لها اسم هو العنصرية.

«صالون هدى»… الاحتلال بصفته أهون الشّرور

بعد مسيرة سينمائية لهاني أبو أسعد امتدت لأكثر من عقدين، تخللها فيلم ممتاز هو «الجنة الآن» (٢٠٠٥) وآخر جيّد هو «عمر» (٢٠١٣)، وبدأها الفيلمُ الروائي الطويل الأوّل «عرس رنا» (٢٠٠٢)، ومرّ فيها فيلم أقرب لفاصل إعلاني تلفزيوني، عائلي وخفيف، «يا طير الطاير» (٢٠١٥)،  وآخر كان الإخراج فيه عملاً إدارياً تقنياً لا أكثر، هو «الجبل بيننا» (٢٠١٧) وآخر أقل أهمية يمكن ترجمة عنوانه بـ «النّاقل» (٢٠١٢)، الأخيران فيلمان هوليووديان لا بصمة لأبو أسعد فيهما، بعد مسيرة سينمائية استثنائية في تنوّعها كهذه، كان لا بد من ترقّب الفيلم الأخير لصانعها، «صالون هدى» (٢٠٢١) الذي أجّلتُ تقديم قراءة له إلى فرصة مشاهدته في صالة سينما، لا على شاشة صغيرة، وقد نزل أخيراً إلى صالاتٍ فرنسية بعنوان «فخُّ هدى».

“قرار بالرّحيل” لتشان ووك… التشويق كعنصر لانهائي

بفيلمه هذا، واستتباعاً لفيلمه السابق له، وأحد أجمل أفلام العقد الماضي، “الخادمة”، رسم المخرج الكوري الجنوبي بارك تشان ووك لنفسه طبعةً خاصة من أفلام التشويق. طبعةً نقلت التشويق من عالمه الاستهلاكي إلى عوالم فنّية تبدأ بالسيناريو ولا تنتهي بالتصوير. في الفيلمين نحن أمام قصة تشويق هي بوليسية بقدر ما هي رومانسية. نحن أمام قصة حب يغلب عليها التحقيق، أو قصة تحقيق يغلب عليها الحب. لا يسهل تحديد الغلبة هنا. أما السرد لهذه القصة أو تلك، بالتصوير والمونتاج، وفيه تتداخل الأزمنة والأمكنة، المُعاش والمَروي، فبه يحمل الفيلمان مُشاهدهما إلى عالم واحد متكامل دائري، أو حلزوني منتهٍ إلى نفسه فيتكرر إلى -كما يبدو- ما لا نهاية. التشويق هنا عنصر جمالي لا استهلاكي، عنصر لانهائي.

«بيت في القدس»… التاريخ من خلال الخرافة

تتنوّع في السنوات الأخيرة السياقات التي تذهب إليها الأفلام الفلسطينية، زماناً ومكاناً وحكايات. الإشارات البصرية (كالجدار والحاجز…) التي تراكمت لتَحصر “الصورة السينمائية الفلسطينية”، وتحاصرها، تتراجع في الأفلام الأخيرة («حمى البحر المتوسط»، «فرحة»، «علم»)، بل أتت في هذا الفيلم، بواحد من هذه الإشارات، بشكل مونتاجي مبتكَر في مقابلة أسوار القدس بالجدار الإسرائيلي. في مشهد مرهَف من الفيلم، بدا عبوراً من مرحلة إلى أخرى في خطه السردي، ما يرجَّح له أن يكون استراحة أو فاصلاً بين مَشاهد أساسية، وبالتالي أقل أهمية من غيره. هو الطريق بين مكانين في الفيلم، القدس وبيت لحم، لكنه كان المشهد الأجمل في الفيلم (مقابل تصوير عادي في عمومه) حين قررت الطفلة، ريبيكا، الذهاب لوحدها إلى بيت لحم ومخيم عايدة فيه. هذا الطريق الذي نراه بأعينها، بادئاً بالسور الحجري العتيق ومنتهياً بالجدار الاسمنتي العصري/العنصري.

“الأرجنتين 1985″… المحاكمة بشهادات الضحايا

يعطي الفيلم لأحداثه سياقاً واضحاً، هذه البلد وذلك العام، والحدث فيها محاكمة أركان النظام العسكري الديكتاتوري الذي حكم الأرجنتين منذ 1976 حتى 1983، إثر انقلاب نفذته القوات المسلحة الأرجنتينية، بدعم من الولايات المتحدة. وهي المحاكمة الوحيدة -كما ذكر الفيلم- لصفّ قيادات نظام حكم دكتاتوري في القارة الأمريكية الجنوبية.

«الكرّاس»… شجر الدّراق المذهّب

يطرح الفيلم تساؤلات قد تبدو الإجابة الأوّلية عنها سريعة ومباشرة، تتعلق بالأرض الزراعية من ناحية، وبدائل مصادر الطاقة من ناحية ثانية. أيهما أفضل للبيئة، الزراعة في بستان من أشجار الدّراق أم نصب ألواح للطاقة الشمسية كمصدر طاقة بديل عن تلك الصناعية.

السينما بوصفها “طبيعة صامتة”

في العلاقة بين السينما والفنون البصرية، تأخذ عموماً الأولى من الثانية، فتُقدّم ما سمّاه فالتر بنيامين “إعادة إنتاج” لأعمال بصرية (لوحات مثلاً) مجردة من السياق الأصلي للعمل الفني، مدمجةً إياها (الأعمال) مع سياق الفيلم ذاته، حكاية وشخصيات، أمكنة وأزمنة. فنجد غالباً إحالات لأعمال فنية في أفلام، أو، وهذا المقصَد: نرى إحالات لأعمال فنية في صالة السينما. هنا، في المعرض الذي استضافه متحف اللوفر في باريس ما بين أكتوبر ويناير الماضيين، رأينا العكس: إحالات لأفلام في صالات المعارض. كانت العلاقة في شكلها المقلوب: السينما في صالة العرض لا الفن في صالة السينما.

“بابل” لدامْين شازيل… كرنفالات لسينما صامتة

في واحد من أهم الأفلام الصامتة، «تعصّب» (Intolerance، ١٩١٦)، لواحد من أبرز مخرجي هذه السينما في الولايات المتحدة، غريفيث (دون أن ننسى فيلمه العنصري The Birth of a Nation، ١٩١٥)، في الفيلم أربعة فصول، لأحدها عنوان هو “سقوط إمبراطورية بابل”، الذي يروي سقوط بابل لصراعٍ سبّبه التعصّب، بين أتباع إلهَين في بابل، عشتار ومردوخ. فيلم غريفيث مبني على فكرة هي التعصب، في فصوله الأربعة وقصصها المتوازية والمنفصلة سردياً.

 “الفداحة”… الأبوية نقيضاً للمرح

يمكن لأجواء، زمانية ومكانية، من خلالها ينقل فيلمٌ قصةً ما، يمكن لها أن تضيف جماليات بصرية هي ليست من صلب القصة التي يمكن أن تجري في سياقات أخرى، تكون بذلك قصصاً إنسانية، بسهوله نسخها من سياق إلى آخر. فتكون، الأجواء، عنصراً جمالياً إضافياً يحيط بالقصة وشخصياتها، ليس أساسياً لكنه يصير كذلك خلال المشاهدة وفي تلقي الفيلم بصفته عملاً جمالياً.

“جنّيات إنيشيرين” لمارتن ماكدونا… خرّافيات دموية

اختار المخرج لفيلمه مكاناً متخيَّلاً، إحدى الجزر الإيرلندية واسمها إينيشيرين، وزماناً كذلك غامضاً في تحديده، ضمن الحرب الأهلية الإيرنلدية في عشرينيات من القرن الماضي. تأخذ الحكايات أسطوريتها من مكانها أساساً، اسماً غريباً ضمن إقليم محدّد، ويكون الزمان عادة غائماً، وتحديده يكون لرسم القوانين المنطقية التي من خلالها يحضّر المُشاهد أدواته لإدراك الفيلم. هنا، اتخذ المخرج الإيرلندي مارتن ماكدونا، هذه الشروط اللازمة للحكاية الأسطورية، حكايات الأطفال، الخرّافيات، تلك التي تحمل قيماً أساسية في الحياة، وبسيطة، يحملها إلى تعقيدات يوميات الكبار ودمويتها، واضعاً لحكايته، وهي بين صديقين ينزف الدم بينهما وتشتعل النيران، خلفية حرب أهلية بين إيرلنديين. كانت للجزيرة، على أطراف البلد، حربها الأهلية الخاصة، ذات الرمزية الطفولية.