أذكر أني كتبت مرّة أنه لم يعد هنالك حاجة لوضع كلمة «داعش» بين قوسين في المقالات، فالكلمة دخلت معجمنا اليومي بسرعة مريعة، صار لـ «داعش» مدلولاً واحداً واضحاً محدّداً وصارت من أكثر الكلماتأ تداولاً في الصحافة والإعلام، وتحديداً مواقع الإعلام الاجتماعي. هذه مصيبة بحدّ ذاتها، لأن اقتحام الكلمة للغتنا اليومية كان سلساً، ولأنّه أتى من اقتحام التنظيم، الذي تدلّ عليه، لحياتنا السياسية والاجتماعية والثقافية بما يحمله ذلك من مصائب سياسية واجتماعية وثقافية، كذلك.
أثار الفيلم مسألتين خلال أيام قليلة، لكل منهما جدالاته، كانت الأولى حين رفضت مخرجته سهى عرّاف في مهرجان البندقية السينمائي تصنيفه كفيلم إسرائيلي مصرّة على فلسطينية الفيلم، وهي مسألة تخص «الهوية الفلسطينية» كما تخصّ «التمويل الإسرائيلي» للسينما الفلسطينية،وقد طرحتُ ذلك في مقالة سابقة على هذه الصفحات. المسألة الثانية هي رفض مهرجان الاسكندرية عرض الفيلم بحجّة أنّه إسرائيلي وأن عرضه يخالف أعراف مقاطعة الدولة العبرية. تطرح كل من المسألتين قضيّة جديرة بحد ذاتها بالتداول في مقالات مكرّسة لذلك، كونها تخصّ أولاً الهوية الوطنية لفلسطينيي الداخل (أو فلسطينيي الـ 48)، وثانياً نتاجهم الإبداعي.
جديدُ المخرج البريطاني النشط كين لوتش هذا العام هو فيلمٌ تناولَ موضوعته في أكثر من عمل سابق، وهو الذي تميّز بأفلامه التي تطرح قضايا سياسية واجتماعية، محليّة وعالمية. إلا أن الفيلم، «قاعة جيمي» (Jimmy’s Hall)، الذي عُرض في الصالات الأوروبية هذا الصيف، حمل مضموناً جديداً تماماً، بالمرحلة التاريخية وبالقصّة الواقعية التي يصوّرها.
لعله من الأمور التي لا يمكن تعريفها أو تحديدها، هذا هو الفن، وهذا أهم ما يميّزه، يُترك التحديد لتيّارات ضمن هذا العالم، مع احتمالات دائمة لتجديد واشتقاق من هذه التيارات، والبناء عليها، أو على لا شيء، لخلق جديد، هذا منطق الفنون إن حاولنا بشكل أو بآخر «تعريفه».
كما أن للسينما بعداً فنّياً وآخر اجتماعياً، لها كذلك بعداً سياسياً يكون في أحيان كثيرة مباشِراً، بحيث تخضع هذه «المباشرة» في أغلب الحالات إلى إسقاطات إيديولوجية للآراء السياسية لصنّاع الفيلم.
في كل مشاركة لفيلمٍ مخرجه فلسطيني في مهرجان سينمائي عالمي، يُعاد طرح الأسلة بخصوص: أولاً، الهويّة الفلسطينية للفيلم. وثانياً، التمويل الإسرائيلي له. وهما سؤالان يتكرّر طرحمها مرات خلال السنة، كلّما برزت عناوين أفلام فلسطينية بين مهرجان وآخر.
كانت اللغة من بين ما غيّرته الحرب في غزّة هذا الصيّف. اللغة التي يَفهم العالمُ بها القضية الفلسطينية ويبني تضامنه على أساسها، واللغة هذه بوجهَين يُكملان الصورة إنما يختلف حضور كل منهما إذ لطالما طغى توصيف «الضحية» على شعبنا، على توصيف «المقاوم».
كنتُ في بلد كالإمارات أعرف أن هنالك أزمة قراءة، أزمة تتشاركها جميع بلداننا العربية وإن بتفاوت، بالكاد ترى أحداً يمسك كتاباً في مكان عام ويتصفّحه. لا علاقة بالمرّة بين أماكن كالشواطئ والمقاهي وبين الكتاب هناك، وهي علاقة كونيّة، وإن حصل ورأيت أحداً يقرأ فإما هو أجنبيّ أتى بهذه العادة معه من حيث أتى، وإما عربي هو غالباً غريب ومنفصل عن المجتمع والعالم الذي يعيش فيه، كنتُ أنا من هؤلاء.
قد لا نستغرب إن عرفنا أن المخرج الكندي ديفيد كروننبيرغ بدأ بعرض مشروع فيلمه على أكثر من منتج لما يقارب العشر سنوات إلى أن استطاع أن يجد شركة إنتاج كندية تمّول الفكرة والسيناريو الذي كتبه بروس واغنر، ليصيرا فيلماً. أحد المنتجين في هوليود قال لكروننبيرغ: لن أفعل ذلك بصناعة أحبّها، يقصد السينما.
في حوار مع أصحاب إحدى المؤسسات السينمائية في فرنسا كنت قد سألتهم عن السينما الفلسطينية وعن الإسرائيلية، فأخبروني أنه لا توجد سينما فلسطينية، أو مصرية أو في أي دولة عربية، هنالك أفلام مميزة ومخرجون ممتازون، لكن ليس سينما، كصناعة ناضجة، في الوقت الذي يمكن أن نقول فيه أن هنالك سينما إسرائيلية. وحديثي هذا كان مع أناس مثقفين ومتضامنين مع القضية الفلسطينية، أي ليس لرأيهم أي دوافع تحبيطية مسبقة أو أبعاد سياسية يمكن بها القول أنهم يتقصّدون «إضعاف الشعور القومي/السينمائي ووهن نفسية الأمة».
أول ما قد يتبادر للذهن إن عرفنا أن هنالك مشروعاً باسم «كراسات ماركسية» سيعيد نشر نصوص كلاسيكية للماركسية، هو السؤال عن آنيّتها وربطها بحال الثورات التي تعيشها عدة بلاد عربية، بالإمعان أكثر في سؤالنا سنربطها بطبيعة استجابة مجمل الحركة اليسارية العربية لحال هذه الثورات، وهذا سؤال سياسي بمعناه المباشر.
ليست الهبّة المندلعة هذه الأيام في فلسطين بخارجة عن السياق الذي تمر به القضية الفلسطينية في السنوات الأخيرة، حيث حصلت عدّة اشتباكات بين فلسطينيين وجنود إسرائيليين في أكثر من بقعة، إضافة إلى أن الاعتداءات الإسرائيلية لم تنقطع، فقط تواترت شدّتها بين وقت وآخر.
تعاني الأفلام الفلسطينية استسهال تنميطها من خلال اسقاطات سياسية قد يصعب تلافيها. ولا غرابة في ذلك إن كنّا نحكي عن بلد غارق في السياسة حتى أذنيه. العمل السياسي من يوميّات الفلسطيني، داخل الوطن وخارجه، والأعمال الفنية الجادة من أدب وسينما وغيره لا بدّ أن تصوّر هذه اليوميات (أو تتصوّر من خلالها) أو بعضاً منها. هذا بالمفهوم العام، فلا يعني ذلك أن هذه الأعمال، ولنحكِ عن السينما، لا يجب أن تنقل غير ذلك، فلا ضير بفيلم فلسطيني لا يضطر للإشارة للاحتلال الإسرائيلي ونضالات الفلسطينيين وينقل فكرة أو موضوعاً بمستوى فني جيّد.
بالحديث عن الترجمات في مجال الآداب والعلوم الإنسانية، يمكن القول أن الأدب يطغى على الترجمات التي تسعى دور النشر العربية إلى طبعها لبيعها، والسبب غالباً في الربحيّة النسبية لـ «بيعها» هذه، وإن أردنا التفصيل أكثر في ذلك لأشرنا إلى طغيان الرواية على غيرها من الأجناس الأدبية.
قد لا يختلف اثنان على أن مفردة «براميل» باتت تستحضر لنا كعربٍ صوراً للقتل والدمار وبالتالي تُقرن في أذهاننا بالديكتاتور ومخيّلته الإبداعية في إمكانية الاستفادة من «أشياء» تكون مرمية على الرصيف مسالمة ومهملة، وتحويلها إلى ما هي عليه الآن في سوريا. «أشياء» نشاهدها يومياً وقد ملأها الصدأ، دون أن تستدعي في أذهاننا أي إمكانية لتحويلها لأبشع ما يمكن أن يسكن في الذاكرة القادمة للناس في تلك البلد المنكوبة.
لكن، وإن كانت البراميل الوسيلة الأكثر همجيّة للقتل والتدمير في «سوريا الأسد»، إلا أنها لم توجد أصلاً لذلك، وإن صعب إقناع الأطفال السوريين بهذه الحقيقة المستجدة. للبراميل استخداماتها اليومية الروتينية المسالمة بل والمملة وأحياناً المتعبة، كما لها استخداماتها الجمالية في الأدب، كأن تكون في قصيدة للشاعر والمسرحي الشيوعي الألماني برتولد بريشت.
ما يعنيني من القصيدة هنا هو الحكاية فيها، هو الحالة الإنسانية الرفيعة التي يمكن أن تكون البراميل أساسها، في وقت استطاع فيه نظام الأسد أن يحوّل «الأشياء» المحايدة إلى بشاعات وكوابيس.
تحكي قصيدته «نسّاجو سجّاد (قرية) كويان بولاك يكرّمون لينين» (١٩٢٩-١٩٣٣) عن أحد التكريمات العديدة التي ينالها لينين من شرق الأرض إلى غربها، عن قرية صغيرة في آسيا، عن نسّاجي سجّاد فقراء يرتجفون من الحمّى. محطّة القطار تمتلئ بالبعوض وسحابة كثيفة تتصاعد من المستنقع خلف مقبرة الجِمال القديمة. يتحضّرون لتكريم لينين بأن يقيموا في قريتهم (أيضاً) تمثال جصٍ نصفي للقائد الشيوعي، فيتم تجميع النقود ويقفون جميعاً ويقدمون ما استطاعوا تحصيله بأيد مرتجفة من الحمى، ليرى جندي الجيش الأحمر الذي يعدّ النقود استعدادهم لتكريم لينين ويبتهج، لكنه يرى أيضاً أيديهم المرتعشة، وفجأة يقترح استخدام نقود التمثال لشراء نفط يُصبّ فوق المستنقع حيث يتوالد البعوض الذي يحمل جرثومة الحمّى، وهكذا بمكافحة الحمّى يكرّمون لينين. ثم استبدلوا فكرة تمثاله النصفي بنصب برميل من النفط القاتل للحمّى.
يقول بريشت في قصيدته بأنهم هكذا ساعدوا أنفسهم بتكريم لينين، وكرّموه بمساعدة أنفسهم، وهكذا فهموه جيداً.
هذه حالة إنسانية نبيلة يمكن أن يكون البرميل أساسها، بخلاف ما بات مقروناً به في أيامنا السورية الحالية، لكن لنترك جانباً فكرة تحويل نظام ديكتاتوري «الأشياء» المحايدة إلى أدوات قتل ودمار وبالتالي جرّها إلى بشاعات ورعب لن يتحرّر منها المدنيون في سوريا لسنوات طويلة.
هنالك في الحكاية فكرة قد لا تقلّ ارتباطاً بالحالة العربية والسورية، وهي ما قاله بريشت بأن النساجين الفقراء بما فعلوه إنما «فهموه جيداً» للينين بمساعدة أنفسهم، بأنهم كهذا يكرّمونه. فلا لينين ولا من خلفه ماركس وإنجلز سيكونون «سعداء» بتماثيلهم في وقت يمكن بما خُصّص من نقود لهذه التماثيل تطبيب وإشباع وتدفئة الفقراء، وهذا مفهوم مغاير تماماً للكثير من الشيوعيين العرب الذين لم يروا في الماركسية غير تماثيل وصور وأعلام حمراء وقبل كل ذلك وبعده ولاءٍ وتماهٍ تامَّين مع النسخة السوفياتية من الشيوعية ونقلٍ لأسوأ ما فيها، من تمجيد القائد إلى تبرير جرائمه مروراً بتخوين الخارجين عنه. وليست مفارقة أن يكون بريشت من أشدّ المنتقدين للاتحاد السوفياتي والستالينية.
اليوم، ليس فقط معظم الشيوعيين العرب غير معنيين بالفكرة الإنسانية التي حملتها قصيدة بريشت والتي برأيي بُنيت (ولا بدّ أن تُجدّد) على أساسها الماركسية، هم ليسوا أساساً معنيين باستبدال تمثال لينين ببرميل أنقذ الناس من الحمّى، بل ويكون ذلك تحديداً تكريماً للينين. لن يفهموا أبداً قصد بريشت وإن فهموه لن يتفهّموه.
هم معنيون بما يتلاءم وصور ستالين المعشّشة في أذهانهم، وتالياً بما يرونه استكمالاً «للوالد» ستالين في، لا حمل اللواء الأحمر، فالأسد لطالما اعتقل من يحمله، بل في أهمّ ما ميّز ستالين وهو التراوح بين القتل والتهجير والاعتقال، وهو ما يرون أشدّ أشكاله تفانياً وتطرّفاً مجسّداً اليوم في بشار الأسد. فلا نستغرب أن يستخرجوا من «لينينيّتهم» تبريراً لقصف الناس ببراميل تكون متفجّرة.
في معاندة لا بدّ منها لواقع الفلسطيني، واقع كانت نكبته عام ١٩٤٨ البداية الرسمية لها، فكانت أساساً لكل مآسي الفلسطيني المستمرة منذ احتلت إسرائيل بلادنا وجمّعت عصاباتها وأعلنت دولتها عليها. إلا أن معاندة شعب أراد الحياة تأبى إلا أن تستخرج من هذه المآسي ما يمكن اعتبارها «انتصارات صغيرة» في سياق الهزيمة الكبرى المستمرة حتى تحرير البلاد من محتلّها وعودة اللاجئين إلى بيوتهم وحقولهم في مدنهم وقراهم.
وأي مقاربة لأي انتصارات صغيرة ستبعد حتماً عن المجال والعمل السياسي المباشر، فسياسياً لم يصل الفلسطينيون في مسيرتهم النضالية حتى يومنا هذا إلا إلى هزائم صغيرة قد لا تكون وظيفتها غير التذكير الدائم بهزيمتنا الأكبر ونكبتنا، فقدان الوطن. ومنذ خمدت الثورة الفلسطينية المعاصرة في ثمانينيات القرن الماضي، ومنذ خمدت بعدها انتفاضة الحجارة بتوقيع اتفاقية أوسلو عام ١٩٩٣ يمكن القول أن الفلسطيني لم يصل لتحقيق أي انتصار سياسي صغير يمكن به استحضار بعض الأمل في مكاسب سياسية محتملة. لكن في السياسة، الأقوى هو الذي سيكسب في النهاية، الأقوى عسكرياً وسياسياً ودبلوماسياً واقتصادياً.. فكانت مسيرتنا السياسية بالمجمل تراكمات لخسائر.
في حال كهذه، وسعياً لإيجاد بعض المكاسب، لا بدّ من الانتقال إلى المجال الثقافي، وهنا نحكي عن مجالات إبداعية فردية بالمجمل، فهنا لا اقتصاد إسرائيل ولا جيشها يمكن أن يضمن انتصاراتها الصغيرة مضافة على انتصارها الكبير المستمر.
لكن هل معنى الكلام أننا منتصرون في هذه المعركة، معركة الآداب والفنون؟ ليس بالضرورة، إلا أننا لسنا محكومين بشروط السياسة المنحازة دائماً للقوي، بل للأخلاقيات اعتباراتها هنا وعادة ما تنحاز للضعيف. وأخلاقياً، أن نكون الضعفاء المضطهَدين أفضل من أن نكون الأقوياء المضطهِدين.
من هنا يمكن القول أن التطهير العرقي الذي تعرّض له الفلسطينيون قبل ستة وستين عاماً والذي نعيش ذكراه هذه الأيام، أنه وكل ما نتج عنه على مدى السنين الطويلة، كان السبب الأساسي في اتخاذ النتاج الإبداعي الفلسطيني منحى معيّناً أتى كرد فعل على حالة التهجير والاحتلال والاضطهاد الذي يعيشه الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن تجمّعه. هو منحى أكثر التصاقاً بقضايا كالحرية والتحرير والعدالة وضمن موضوعات مرتبطة بالأرض والوطن والمخيم والفقراء.
قد يرى البعض أنها خسارة إضافية، هزيمة إبداعية في أن يُجبر الفلسطيني على موضوعات مرتبطة بوطنه، يمكن النقاش في ذلك، لكن بالنظر إلى جودة النتاج الإبداعي الفلسطيني والمرتبط بموضوعات وطنية، وريادته على المستوى العربي، وتأسيس ما سمّاه غسان كنفاني «أدب المقاومة» الذي لم ينحصر بأدباء الداخل الفلسطيني، فغسان نفسه من أهم روّاد هذا الأدب، يمكن إعادة النظر في اعتبار أنها خسارة، خاصة وأن أعمال كنفاني ومحمود درويش وإميل حبيبي ريادية في الأدب العربي، كما أن رسومات ناجي العلي ريادية في الكاريكاتور، وفي ذلك تندرج أعمال إدوارد سعيد النقدية، عدا عن الفنون الأخرى بما فيها السينما. قد يجادل أحدهم بأن هؤلاء وربما آخرين كانوا سيبدعون حتماً في مواضيع أخرى لو لم يكن هنالك احتلال. سأقول بأنه افتراض محتمل ولن نحتاج له طالما أنهم أبدعوا أصلاً لأن نكبةً واحتلالاً وقع على شعبهم، وأنهم اختاروا سياقاً معيناً لإبداعاتهم رادّين به على هذا الاحتلال. لكن بالرجوع إلى الفرضية أقول: ارجع بنا إلى ما قبل النكبة، وعد لنا بفلسطين دون احتلال إسرائيلي، وخذ أدباءنا وإبداعاتهم جميعها!
في المعركة الثقافية يمكن إدراك بعض الانتصارات الصغيرة، أهمّها أنها معركة أخلاقية لا تحتكم للقوي بل للحق، لمدى التماثل مع هذه الأرض، تماثل لن يدركه أدباء وفنانو الاحتلال المحتمين بقوة جيشهم وسطوة دولتهم.
هذا مجال يمكن فيه تشكيل الفكرة الفلسطينية وصونها وتطويرها كما يريد لها شعبها أن تكون، الفكرة هذه غير معنية بشروط الدولة السياسية، من هنا قال درويش: ما أوسع الثورة ما أضيق الرحلة ما أكبر الفكرة ما أصغر الدولة.
الفكرة كبيرة بقدر ما الوطن كبير في ثقافة أبنائه ومبدعيه وضمائرهم، أما الدولة فصغيرة بقدر ما موقع المفاوض السياسي الفلسطيني صغير على الطاولة، والدولة هذه محكومة بشروط سياسية ليس للثقافي فيها أي اعتبار.
مثال على ذلك هو تصويت الجمعية العامة لمنظمة التربية والثقافة والعلوم (يونسكو) التابعة للأمم المتحدة لصالح قبول «دولة فلسطين» في المنظمة كدولة كاملة العضوية، في أكتوبر من العام ٢٠١١. وهو قبول محكوم بالشروط السياسية، وإن كانت المنظمة ثقافية، كوننا نحكي عن منظمة دولية خاضعة للقوى الكبرى في هذا العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة، وكل ما يمكن أن تضيفه هذه العضوية للثقافة الفلسطينية في سنوات لا يمكن مقارنته بمجموعة قصصية صغيرة كتبها غسان كنفاني وما زالت تُقرأ حتى اليوم من قبل الجيل الرابع ما بعد النكبة. عدا عن أن هذه الإضافة إن حصلت فستكون حتماً ضمن سقف المعادلات السياسية، والطرف الفلسطيني هنا هو الأضعف، بضعف الفلسطينيين والعرب أولاً وبقوّة الفريق المقابل، إسرائيل والولايات المتحدة، ثانياً. ثم، ما الذي أضافته هذه العضوية في اليونسكو إلى الثقافة الفلسطينية بعد سنتين ونصف من قبولهم لنا؟
بعد هذه العضوية بسنة تقريباً، في نوفمبر ٢٠١٣ منحت الأمم المتحدة لفلسطين صفة دولة مراقب غير عضو بعد تصويت أجرته الجمعية العامة. انتقلنا هنا من الثقافة إلى السياسة، والمجال هنا مكرّس تماماً للأقوى. المكسب الأهم الذي بنت عليه السلطة الفلسطينية «انتصارها» بهذا الاعتراف هو إمكانية جرّها إسرائيل إلى المحاكم الدولية واتهامها بارتكاب جرائم حرب وإدانتها كدولة احتلال. ممتاز، هذا ما تستطيع نظرياً الدولة المراقب غير العضو أن تفعله، وهذا ما لم ولن تجرؤ على فعله لأنها في مجال سياسي بامتياز، هي الأضعف فيه. هل استفادت السلطة الفلسطينية من هذه العضوية باتخاذ إجراءات تدين إسرائيل أو تحقّق في اغتيال ياسر عرفات مثلاً؟
لكن السلطة الفلسطينية لم توقّع في حينها على ما يمكن أن يسمح لها بمحاكمة إسرائيل، وفوق ذلك فقد تقدّمت قبل أيام بطلبات للانضمام إلى ثلاث عشرة اتفاقية دوليّة تخصّ العلاقات الدبلوماسية والقنصلية، واتفاقية حقوق الطفل، واتفاقية مناهضة التعذيب، وأخرى لمكافحة الفساد وغيرها، وكل ذلك لا يمسّ إسرائيل بشيء. أما الأهم فهو أنها لم تتقدم بطلب للانضمام إلى نظام روما الأساسي الذي أنشأ المحكمة الجنائية الدولية والذي يسمح للسلطة برفع شكوى ضد إسرائيل.
إن كانت السلطة الفلسطينية عاجزة عن استخدام «سلاح» الاتفاقيات الدولية فليس إشهارها له إلا تكتيك تفاوضي لم يجدِ ولن يجدي نفعاً مع دولة تعرف أن القوى العظمى في هذا العالم في صفّها وحمايتها، فتعربد كما تشاء. ما فعلته السلطة هو تهديد الضعيف لا أكثر.
إذن ليست السياسة هي المجال المناسب لمقاومة إسرائيل، ولا أعتقد بأن الصدام المباشر المسلّح هو الأنسب كذلك، وليس ذلك لأسباب مبدئية بخصوص المقاومة المسلحة، بل ببساطة لأن السياسة والسلاح ساحة إسرائيل، لأننا كفلسطينيين الطرف الأضعف فيهما، ولا أرى أي مكاسب في هذين المجالين.
عدا عن ذلك، انتصاراتنا الصغيرة تتأسس على أخلاقياتنا كشعب يناضل من أجل حريته، على ثقافتنا ونتاجنا الإبداعي المتحرّر من أي التزامات دولية وغير المعترِف بالأقوى على الأرض. أما ما يمكن تأسيسه على هذه الانتصارات الصغيرة، فهو وطن يُبنى على تراكمات ثقافية ومعنوية لهذا الشعب، وطن موازٍ يتجهّز لوطن فعلي هو كيان سياسي حر على كامل الأرض، ليليق بما تحقّق من انتصارات ثقافية صغيرة.
هنالك مكسب آخر وأكثر راديكالية نجده في الهزائم السياسية عينها، باستحالتها لانتصارات للمجال الثقافي، خسارة السياسة هي انتصار للثقافة كبديل أخلاقي لها، هذه ساحتنا. ولتلحق السياسةُ الثقافةَ، لا العكس.
كيف يمكن لمن هو في حالتي أن تكون له ذكريات يرويها أو مذكّرات يكتبها تحكي عمّا يفصله عنه حقائق المكان والزمان.
المكان هو أساس المذكّرات هنا، وكل علاقتي كلاجئ ابن لاجئ ابن لاجئ، بالمكان الفلسطيني هو ما ورثته عن جدّي الذي ترك مرغَماً ومطارَداً ترشيحا، البلدة الدالة على مفهوم «فلسطين» بكلّيته. وهو ما يتشاركه جميع اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات والشتات، واعين لذلك أم غير واعين، ففلسطين عند ابن حيفا هي حيفا وما دونها امتدادات لفكرة الوطن، وكذلك الأمر عند ابن الكابري والطيرة وكل القرى والمدن التي نقلها أبناؤها معهم إلى المخيمات خارج الوطن، ولعلّ النقل المكاني للاجئين هذا هو ما جعل في كل من هذه الأمكنة داخل كل مخيم، فلسطين مكتملة بذاتها عند كل فرد لاجئ.
مع هذا العدد تنتقل رمان إلى مرحلة جديدة، مع هذا العدد تدخل سنتها الثالثة، وبشهادات ننشرها هنا، تدخلها بإخراج متجدّد، بمادة مخصصة، والأهم تدخلها بطبعتها الورقية.
رمان الآن مطبوعة، تطبعها وتوزّعها في فلسطين دار قنديل للثقافة والفنون، المؤسسة التي آمنت برمان، وباتت الآن شريكة فيها.
هي ذي الآن مجلة فلسطينية متخصصة بالثقافة والفنون، مطبوعة، تصدر كل شهرين تقريباً، فلسطينية بكل ما تحوي الكلمة من تجمع/تشتت لهذا الشعب، ثقافية بكل ما تحمل الكلمة من مضامين وأشكال، غير مدعومة ولا ممولة، ولا أعداء لها (حسب علمنا على الأقل)، لا لائحة سوداء لديها على أي «مثقّف فلسطيني». الخط الثقافي واضح: يحضر عندنا مؤسسو الثقافة الفلسطينية الحديثة، كما يحضر، وبقوة أكبر، كتاب وفنانو الثقافة الفلسطينية المعاصرة، وذلك من كل بقعة تواجدَ عليها فلسطيني، داخل الوطن وخارجه. الخط الوطني واضح: «لا أرتد حتى أزرع في الأرض جنتي، أو أقتلع من السماء جنتها، أو أموت أو نموت معاً» لكنفاني و «نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا» لدرويش. معاصرة، جريئة، مهنية، صادقة، جميلة، مختلفة..
هذه رمان التي انطلقت قبل سنتين، والتي تجدّد انطلاقها مع هذا العدد كمطبوعة ومن فلسطين.
رمان مبادرة بدأت فردية قبل سنتين انضم خلالها إليها أكثر من كاتب، شارك البعض في الكتابة، أخرون شاركوا في النشر، دخلت دار قنديل على الخط لتحمل المشروع بقفزة واحدة إلى الملموس، إلى المطبوع. ككرة الثلج كبرت المجلة، ولم تزل بعد في سنواتها الأولى.
الآن، عيننا على: رمان المساحة الثقافية الفلسطينية الأولى، صحافياً.
تأخر قليلاً هذا العدد في الصدور، لكنه يصدر بحجم عددين مع الاعتناء بنوعية المادة المنشورة، وإخراج جديد، وقد تجد المجلة تعزية خفيفة في أنها أصدرت 3 ملاحق بين هذا العدد المتأخر، وما قبله.
لكني سأورد ما أراها أسباباً ذاتية وموضوعية لا يمكن المرور عنها إذا ما أردنا التكلم عن الفترات الزمنية المتباعدة نسبياً بين أعداد “رمّان”، فقد بدأت المجلة شهرية، والتزمت بذلك لأقل من سنة، ثم صارت تصدر كل شهرين لفترة قصيرة، ثم لم تعد ترتبط بفترة محدّدة لكن إجمالاً يمكن القول بأنها تصدر كل ثلاثة أشهر تقريباً، أو أربعة، وذلك لأسباب ذاتية ومنها:
أني الذي أقوم بتحريرها بما يتطلب ذلك من اقتراح وتنقية وكتابة محتواها بما في ذلك الحوار (موضوع الغلاف) والافتتاحية، إضافة إلى أني من يصمّمها ويخرجها فنّياً (فوتوشوب وإنديزاين) بما يتطلب ذلك من تنفيذ مع تجديدات وتغييرات فنّية، وكل ذلك يأخذ من وقتي الذي أخصص كثيراً منه للكتب وأقل من ذلك للسينما، والأهم أنه يأخذ من وقت الكتابة. لعلّ هذا “الاعتراف” هو السبب الذاتي الأكثر تأثيراً.
حسناً، ما الحل إذن؟ بسيطة، أن يُلغى المحرّر لتحلّ محله هيئة تحرير، لكلّ صفحات متخصّصة محرّر متطوّع يلتزم بمادتها. وهذا ما يودي بنا إلى الأسباب الموضوعية.
المجلة مبادرة فردية (لا شخصيّة)، لا تصدر عن مؤسسة، ولا تدفع مقابل المادة، ولا هي مطبوعة، ولا هي مدعومة من أية جهة، ولا هي ممولة، ولا مكان لإعلانات تجارية فيها، وهنا أسأل: هل كون المجلة مبادرة فردية، العمل لها يكون تطوعياً بحتاً، يحرّضه فقط الشعور بضرورة وجود مجلة متخصصة بالثقافة والفن الفلسطينيين، لا هي “فتح” ولا هي “حماس” ولا هي “جبهة” ولا غيرها، هل في ذلك أسباب محفّزة، أو على الأقل مقنعة للتورّط بها؟ لا أعرف، لكلٍّ منطقه.
صديق لي نصحني مازحاً (أو لست أكيداً أنه كان مازحاً) بأن يكون للمجلة عصب، أن تكون منحازة -وأنها بحالها هذه لن يدعمها لا هؤلاء ولا أولئك- أن تشتم أحداً من “فتح” فترعاها “حماس” أو من “حماس” فترعاها “فتح”. قد يكون محقاً صديقي، لأن الحال الفلسطيني السياسي والثقافي كذلك، لكن “رمّان” ليست كذلك. تذكّرت الآن ما كتبه فيصل درّاج عن حالنا منتقداً بأن المثقف الفلسطيني الأكبر هو حتماً المنتمي للتنظيم الفلسطيني الأكبر. هنا ستصرّ “رمّان” على أن تبقى صغيرة.
لا أدري إن جعلت من هذه الافتتاحيات مدوّنة (Blog) لسير تطوّر المجلة، كما لا أدري إن كانت كضربة متسلّق الجبال بإزميله على الحجر فوقه، لينطلق به خطوة إلى الأعلى/الأمام، أم أنها متابعة لسير المجلة التي تحوّلت إلى مجلة – بعد أن كانت جريدة- في تسميتها لتناسب أكثر طبيعة موادها، أو أنها أتت كذلك فقط لأن الافتتاحيات الأولى بدأت بذلك، ثمّ درجت لاحقاتها عليه.
وقد يكون السبب في أن المجلة تحتاج لرعاية دورية كونها تقف على أرضية متوتّرة، غير مستقرة. إلا أن هنالك ما يكفي لتبديد اللااستقرار هذا عن بكرة أبيه، كضرورة وجود صحيفة ثقافية فنية فلسطينية ما – اقرأ/ي في الصفحة ::::- مهما تواضعت وحاولت رمّان في ذلك. لست أتكلّم عن المواقع الالكترونية، والتي تحتم عليها الامكانية المغرية في أن تكون فورية وسريعة وعملية، نوعية مواد أخف وأسرع، أسرع من ناحية النشر وربما الزوال كذلك، لأن هنالك دائماً مواد جديدة ستفرض “سرعة نشرها” زوال سابقاتها. أنا أتكلم إذن عن ضرورة وجود صحافة ثقافية تأخذ من الإنترنت ما يساعد، كالانتشار، وتترك جانياً ما لا يخدم موادها.
رمّان ينقصها الفريق، إلا أن هنالك في الأعداد الأخيرة تطوّر من ناحية الأسماء المكرِّسة، وهنالك زاويتان ثابتتان، الأولى لراجي بطحيش، والثانية سترى النور ابتداءاً من هذا العدد وهي لعبد الله البياري. إضافة إليهما، هنالك مواد باتت تخصّص لرمّان، وهذا ما لم تبدأ عليه المجلة، ولم وتخطط له.
لم تخطط له لأنها بدأت كمجلة تقوم على تجميع مواد صحافية تعنى بالثقافة الفلسطينية، تنتقي منها الأجدر-برأي محررها فقط- وتعيد نشرها لقرّاء فاتتهم تلك المواد لسبب ما: الوقت غير الكافي لمتابعة يومية، متابعة صحف دون غيرها، تفويت مادة.. الخ. الآن تغيّر الأمر قليلاً، تغيّرت رؤية المجلة لدورها –مهما تواضع- في الحركة الثقافية الفلسطينية والعربية. زاد الاهتمام بتقديم الجديد، إضافة إلى إعادة نشر ما لم يأخذ حقه (كم من مادة مهمة نشرت على موقع إحدى الصحف ليوم واحد فقط، ثم احتل مكانها غيرها؟).
إذن رمّان تزيد تباعاً من نسبة الجديد فيها. لستُ ضد إعادة النشر، صحف كبيرة تفعل ذلك، لكن الخط الرئيسي للمجلة اختلف في أعدادها الأخيرة، بات تقديم الجديد والخاص بها والتركيز على مواد مطوّلة معمّقة بعيداً عن المواد الخبرية السريعة أكثر، ثم بالنسبة للمواد المنشورة مسبقاً، ارتفعت معايير الانتقاء، لكنها ستبقى.
وهذه دعوة لجميع الكتّاب للمشاركة في أعداد المجلة القادمة، كما في ملحقها الذي سيصدر الشهر القادم (تمّوز) لمناسبة الذكرى الـ 39 لاستشهاد غسان كنفاني.
لا أدري إن جعلت من هذه الافتتاحيات مدوّنة (Blog) لسير تطوّر المجلة، كما لا أدري إن كانت كضربة متسلّق الجبال بإزميله على الحجر فوقه، لينطلق به خطوة إلى الأعلى/الأمام، أم أنها متابعة لسير المجلة التي تحوّلت إلى مجلة – بعد أن كانت جريدة- في تسميتها لتناسب أكثر طبيعة موادها، أو أنها أتت كذلك فقط لأن الافتتاحيات الأولى بدأت بذلك، ثمّ درجت لاحقاتها عليه.
وقد يكون السبب في أن المجلة تحتاج لرعاية دورية كونها تقف على أرضية متوتّرة، غير مستقرة. إلا أن هنالك ما يكفي لتبديد اللااستقرار هذا عن بكرة أبيه، كضرورة وجود صحيفة ثقافية فنية فلسطينية ما – اقرأ/ي في الصفحة ::::- مهما تواضعت وحاولت رمّان في ذلك. لست أتكلّم عن المواقع الالكترونية، والتي تحتم عليها الامكانية المغرية في أن تكون فورية وسريعة وعملية، نوعية مواد أخف وأسرع، أسرع من ناحية النشر وربما الزوال كذلك، لأن هنالك دائماً مواد جديدة ستفرض “سرعة نشرها” زوال سابقاتها. أنا أتكلم إذن عن ضرورة وجود صحافة ثقافية تأخذ من الإنترنت ما يساعد، كالانتشار، وتترك جانياً ما لا يخدم موادها.
رمّان ينقصها الفريق، إلا أن هنالك في الأعداد الأخيرة تطوّر من ناحية الأسماء المكرِّسة، وهنالك زاويتان ثابتتان، الأولى لراجي بطحيش، والثانية سترى النور ابتداءاً من هذا العدد وهي لعبد الله البياري. إضافة إليهما، هنالك مواد باتت تخصّص لرمّان، وهذا ما لم تبدأ عليه المجلة، ولم وتخطط له.
لم تخطط له لأنها بدأت كمجلة تقوم على تجميع مواد صحافية تعنى بالثقافة الفلسطينية، تنتقي منها الأجدر-برأي محررها فقط- وتعيد نشرها لقرّاء فاتتهم تلك المواد لسبب ما: الوقت غير الكافي لمتابعة يومية، متابعة صحف دون غيرها، تفويت مادة.. الخ. الآن تغيّر الأمر قليلاً، تغيّرت رؤية المجلة لدورها –مهما تواضع- في الحركة الثقافية الفلسطينية والعربية. زاد الاهتمام بتقديم الجديد، إضافة إلى إعادة نشر ما لم يأخذ حقه (كم من مادة مهمة نشرت على موقع إحدى الصحف ليوم واحد فقط، ثم احتل مكانها غيرها؟).
إذن رمّان تزيد تباعاً من نسبة الجديد فيها. لستُ ضد إعادة النشر، صحف كبيرة تفعل ذلك، لكن الخط الرئيسي للمجلة اختلف في أعدادها الأخيرة، بات تقديم الجديد والخاص بها والتركيز على مواد مطوّلة معمّقة بعيداً عن المواد الخبرية السريعة أكثر، ثم بالنسبة للمواد المنشورة مسبقاً، ارتفعت معايير الانتقاء، لكنها ستبقى.
وهذه دعوة لجميع الكتّاب للمشاركة في أعداد المجلة القادمة، كما في ملحقها الذي سيصدر الشهر القادم (تمّوز) لمناسبة الذكرى الـ 39 لاستشهاد غسان كنفاني.
حسناً، سمعت ألبوم “نعنع يا نعنع” قبل ثلاث سنوات، ومن حينها حتى اليوم أعرف تماماً أن الغناء التراثي الفلسطيني (الحديث) قبل “نعنع” ليس كالغناء التراثي الفلسطيني (الحديث) بعد “نعنع”. وقبل “نعنع” أصدرت أمل ألبومين، وبمجموع ألبوماتها الثلاثة هذه كوّنتُ يقيناً أن الموسيقى الفلسطينية (والعربية “المستقلة”) قبل (أو دون) أمل مرقس، ليست كما بعدها (أو معها). أمل التي لا تعجز عن تحويل الهواء إلى غناء، وغناء رائع، أصدرت ألبوماً رابعاً. لا بد أني سأكرر سؤالي كلّما سمعتها تغنّي: إلى أين تريد أن تصل أمل؟
لدي شعور شبه أكيد –لكثر ما تكرّر- بأن غناء أمل لا يخلو من أفخاخ، لطالما استمعت إلى غنائها، ولطالما قلت بأنها هنا (بالذات) وصلت إلى ما يصعب تجاوزه جمالياً، ثم يتبيّن لي أنها، لا، هنا وليس هناك، ثم في هذه الأغنية، ثم لا، تلك، وهكذا وهكذا وهكذا. لكن الأمر سرعان ما ينتهي حين أسمع شيئاً آخر.
لن أستطيع أن أكون موضوعياً فيما يخصّ أمل مرقس، لأني ببساطة لن أكون إلا منحازاً (وبشدة) إلى الأغنية، الأداء، الموسيقى، الشعر، فلسطين، الانتماء، الاستقلالية، الثقافة، الإنسان، النقاوة، الحرية، الإبداع، التراث، التجديد، الصدق، والرقي والجمال والحرفية والقدرات العالية في دمج كل ذلك.
أعرف أن رمّان تأخرت في أن تطلّ أمل على غلافها، وإن طلّت في عددها الأول، لكنها “مش محسوبة”. وهنا مناسبة تعدّ من الأهم ثقافياً لهذه السنة، صدور الألبوم الرابع لأمل مرقس، ولن يتوه ذلك عن رمّان.
مازلنا في إبريل، لكني أقول بأن إدوارد سعيد أو محمود درويش، وقد رحلا، لن يصدر لأي منهما نتاجات جديدة لهذه السنة، إذن لا مخاطرة في التصريح بأن “بغنّي”، ألبوم أمل الرابع، سيكون النتاج الفلسطيني الثقافي الأهم لهذه السنة، والـ “لهذه السنة” قابلة للتمديد.
تكمل «رمّان» هنا سنتها الأولى بعد أن صدر عددها الصفر في 10/01/01. كان من المفترض أن يكون هذا العدد احتفالياً بِعيدها الأول، وكنت -بصراحة- أنتظره، لكن لسبب ما لم يكن كذلك، ربما لم أجد حاجة للاحتفال بها وأنها لم تقدّم بعد للثقافة والفن الفلسطينيين ما أراه يستحق الاحتفال.
الأَولى أن تكون هذه المناسبة فرصة للمراجعة النقدية لما «أنجزته» أو أخفقت في إنجازه هذه الجريدة الإنترنتية، ولعلّ أحد أهم أسباب نجاحاتها كانت مواد الغلاف، المحور الرئيسي للجريدة وأهم ما تحوي، وكذلك استمرار الجريدة بصيغتها الجديدة والمبتدعة، كونها إنترنتية: لا الكترونية تتوسل صيغة الموقع الالكتروني للوصول إلى القراء، ولا مطبوعة، بل جريدة PDF تأخذ من «المطبوعة» التصميم الفني الجمالي وتتوسل الإنترنت لتصل لقرائها. وكنت في افتتاحيات سابقة ذكرت «مبرّرات» هذه الصيغة، و «رمّان» المثال الأول (والوحيد) في الصحافة العربية على حد متابعتي القاصرة نسبياً.
أما بالنسبة للإخفاقات، فأكبرها كان فشل الجريدة في الانتقال من المبادرة الفردية إلى العمل و «التورط» الجماعي الجدي في تحريرها أو (على الأقل) المشاركة في إعدادها، «رغم» الحماسة قصيرة الأمد والنفس عند البعض. قد لا نلوم أحداً من هؤلاء طالما أن العمل في (والكتابة لـ) «رمّان» تطوّعي بحت، إضافة إلى افتقارها لإغراءات (أولاً) النشر السريع والفضفاض الذي تمنحه مواقع الإنترنت و(ثانياً) «الشرعية» التي تمنحها الصحف المطبوعة. وهنا أستثني بعض الأسماء التي ترددت في أعداد الجريدة.
ثم هنالك إخفاقات أخرى كفشل الجريدة في التحول للعمل الجماعي، ثم فشلها في التحول للعمل الجماعي، وأخيراً فشلها في التحول للعمل.. الجماعي.
وكل إخفاق آخر لاحق لذلك.
«رمّان» مستمرة بكل الأحوال رغم ما تتكلّفه من جهد ووقت، لأني أتيقن يوماً بعد يوم بأن الحاجة الملحة لصحيفة ثقافية فنية فلسطينية متخصصة تنقُضُ مشروعية السؤال عن احتمال توقفها، رغم تواضع هذه الـ «رمّان» في إمكانية الإجابة على هذه الحاجة وإلحاحاتها.
الاحتفال الأجمل لعيد الجريدة الأول سيكون حتماً هذا الحوار على يسار هذه الصفحة، كل المحبة والتقدير لابراهيم نصرالله.
لأن الفكر- حسب فهمنا- مكوّن أساسي للثقافة تماماً كما الأدب والموسيقى والتشكيل… وتواطؤ ذلك الفهم مع تاريخ انعقاد اللقاء اليساري العربي الذي دعا إليه الحزب الشيوعي اللبناني، وتواطؤهما مع مداخلة الأديب والسياسي الفلسطيني مروان عبد العال الذي ألقى مداخلة كتبت عنها جريدة الأخبار بأنها “تغريد خارج السياق الرتيب للنقاشات”، ثم حصولي من مروان على ورقته التي، بعد قراءتها، أدركت بأنها لا يمكن إلا أن يكون كاتبها خارج السرب مع سبق الإصرار، كعادة مروان في نقاشاته السياسية والفكرية.. وهل للمثقف إلا أن يكون مختلفاً بالضرورة كما قال إدوارد سعيد؟ ومروان المختلف دائما عن السائد لابدّ أن يعكّر صفو مياه راكدة حيثما حل.
سلسلة التواطؤات هذه قادت إلى أن تكون مادة غلاف هذه الرمّانة أحد أجرأ النصوص الفكرية الراهنة التي تتناول/تفسّر حالة التردّي الاستثنائية –استثنائية عن الاستثنائيات السابقة لحالة التردّي هذه: أي استثنائية بتطرّفها فقط- لليسار العربي عامة، والفلسطيني خاصة.
بعد انقطاع دام أشهر أرجو أن تكون –نسبياً- قليلة (3 أشهر بس)، بسبب السفر والمرض والمشاغل اليومية والكسل.. ترجع رمّان بمادة غلاف دسمة، إضافة إلى مواد ثقافية متنوّعة آمل أن تشفع، عندكم، لهذا الانقطاع.
ستواصل رمّان مشروعها الثقافي الفلسطيني/العربي. قد تتأخر قليلا، قد يصيبها حالات جزر، قد “أي إشي”. لكنها ستتواجد دائما في مكان ما، حيث تكونون. وسنحاول الحفاظ (لا يكلّف الله نفساً إلا وسعها) على أمانتكم هذه عندنا، وبما نستطيعه من الصدق معها ومع قرائها.
سئلت كثيرا عمّا إذا كانت “رمان” مطبوعة، وقد افترض الكثير بأنها كذلك كونها مصمّمة بالطريقة ذاتها التي يتم بها تصميم الصحف المطبوعة، إلا أنها.. أنتي-مطبوعة
رمّان ليست مطبوعة، ولذلك عدة أسباب:
• كي تكون الجريدة مطبوعة لابد أن تنال رخصة قانونية وأن تتحمل التكلفة المادية للرخصة والطباعة والتوزيع، وكل ذلك ليس في وارد “رمان”. عدا عن أن كثيرا من الصحف في العالم بدأت تغلق مطابعها (للأسف) وتعتمد على نسخها الالكترونية فقط، في توجّه صحافي واضح نحو الإنترنت.
• السبب الأهم يكمن في أن الجمهور الذي تسعى رمّان لأن تصله، أي تستهدفه، لا يجمعه مكانه الجغرافي (حيث يمكن لمطبوعة أن تصل) بل اهتمامه بالفن والثقافة الفلسطينيين، ومعظم هؤلاء سيكونون في فلسطين 48 و 67 وفي المخيمات والشتات، وفي كل العالم، كما أن كتّاب رمّان لا مكان جغرافي يجمعهم، بل الهموم والاهتمامات، والإميلات. أي أنّ وطن رمّان هي حقيبة اللابتوب.
• الحال غير الطبيعية لشعبنا الفلسطيني في شتاته حرمته من متعة أن يكون له صحيفة “محلّية” تجعل الثقافة والفن الفلسطينيين مادة يمكن لها أن تكون أساسية كأي مادة أساسية في أي جريدة محلية عادية لأي شعب عادي في هذا العالم، أعتقد بأن إنترنتيّة الصحف قد تجيب على بعض هذه الاحتياجات لشعبنا المشتت، وهذا ما تحاوله هذه الرمانة الصغيرة.
ولكن.. الطريقة المعقولة لطباعة “رمان” قد تكون بأن تتبنى، يوما، إحدى الصحف، أو المؤسسات، طباعتها وتوزيعها كملحق شهري مجاني، وهذا لن يعيق أبدا نسختها الإنترنتّية التي ستكون أساس الجريدة والتي بدأت بها وستستمر بها لتحمل إمكانية أن تصل إلى كل فلسطيني وعربي في هذا العالم.
لا بدّ من أسباب أخرى، أكيدٌ بأنها ستخطر لي في غير موعدها كمعظم ما يخطر لي. المهم (إسّا) أنّ رمّان غير مطبوعة.
لاحظتُ مؤخّرا أنني حين أكتب وأنا جائع تكون المقالات مهذّبة وجديّة.
(وربّما لذلك أيضا “رمّان” غير مطبوخة).
—–
إحباط + جوع + الثالثة عصرا في عمل مقيت:
كنت أبحث عن خبر “صدور رمان” في Google، فطلع لي “صدرو دجاج بدبس الرمان”.
يبدو أنني ورّطت نفسي في هذه الرمان، ويبدو أنني أورّط آخرين بها، تماما كالشيطان الرجيم. وتوريط هؤلاء «الآخرين» يجرّ توريطا أفدح هو توريط «آخرين» آخرين. أما أول «آخرين» فهم المشاركين في صناعة رمان والذين ستقرؤون أسماءهم بشكل دوريّ، أما «الآخرين» الآخرين فهم القرّاء.
والمورَّطون المتورّطون، فعلاً، برمان وأعدادها اللاحقة، وبعضهم في بعضِ السابقة، سيكونون الصانعين الحقيقيين لاسم هذه الجريدة الوليدة وسيكونون هم الأسباب الحقيقية لتسارع انتشارها المتوقّع، والأسماء التي «ثبت إدانتها» حتى الأول من حزيران هي:
رفيا سليمان: لن تكون مشاركتها في هذا العدد هي الأولى لها، وستقرؤون اسمها في مواد ستكون في أغلبها مواضيع غلاف، وقد تتركّز في حوارات خاصة مع شخصيات أساسية في ثقافتنا وفننا الفلسطينيين. ستكون رفيا إذن صاحبة المادة الأهم التي تقوم عليها الأعداد، والتي تقوم رفيا على إعدادها وتحريرها. وفي هذا العدد أعدّت رفيا حوارا وملفا واسعا عن «فرقة الفنون» ستُحسد رمّان عليه (وعلى رفيا) بشدّة من زميلاتها الكبيرات.
راجي بطحيش: حذّرني راجي بأنه متّهم بمحاولة تفكيك المسلّمات الفلسطينية- وهو فعلا كذلك- وأجبته بأني أتمنى أن تثبت عليه التهم وتتفاقم «بعد أكم مقالة برمان». في عمود شهريّ سيهدم راجي مفاهيم وسيعيد بناء أخرى، وستقرؤون مقالته مرّتين، وستتمتمون: بصرش هيك، إيش هاد.
علاء أبو دياب: علاء الذي بدأ بكتابة- أو حكي- عموده قبل عددين، يكتبه بالعامية- أو يحكيه- وينتقد بعض «الحالات» الثقافية في فلسطين ويسخر منها، ودون أن يزعل أحد، دخيلكم. علاء اللي في قلبه ع لسانه واللي في لسانه ع كيبورده، والله يستر.
أحمد دغلس: لعله أحد أنشط المصوّرين للفعاليات الثقافية والفنية في الضفة، وزوّد رمّان وسيزوّدها بصورٍ خاصة تُرفق مع مواد متنوّعة، وقد أسس أحمد مؤخرا وكالة باسم Creative Images وهي تحوي صورا مميّزة لكافة نواحي الحياة هناك.
تورّط رفيا وراجي وعلاء وأحمد بخيار طوعي حر، لا أدري إن كان يحقّ لي أن أشكرهم على ذلك، فرمّان لن تعود تعنيني وحدي، هم من سيصنعونها، مع أسماء أخرى ستنضم للجريدة، وأنا فقط سأشاركهم هذه الصناعة.
ليس الغاية من هذا العدد الخاص بالراحل محمود درويش تقديس الشاعر، ولا التمسّح به، ولا أيقنته والمبالغة في ذلك، وهي الهواية التي شاعت مؤخّرا بين عرب كثيرين وفلسطينيين أكثر وخاصة أولئك من أرادوا التطهّر ثقافيا من دنسهم السياسي، ولعلّ طريقتهم الأنجع في ذلك كانت “بتعمشق” ودبق اسم درويش دبقاً، بعد محاولات خائبة لتوزيره. وقبل ذلك انسحابه، وإدوارد سعيد، من منظمة التحرير احتجاجا على مهزلة أوسلو ومهرّجيها.
إذن أرجو أن لا يقع العدد في فخ التقديس الذي يدين ممارسيه، والذي أتعب ويتعب درويش ويقلق سكينته.
ستحاول “رمّان” في هذا العدد المخصّص لذكرى ميلاده أن تتناول أهمية درويش في الثقافة الفلسطينية خاصة والإنسانية عامة، انطلاقا من حب وتقدير كبيرين لهذا الشاعر، دون الانزلاق في كرنفالات تقديسيّة مدّعية، والتي على كثرتها صارت مستهلَكة يعتريها الدبق.
لعلّها من أجمل الأمور (لا أقول أجملها) التي حصلت لفلسطين هي ميلاد محمود درويش، ولعلّ 13 آذار يكون حقا اليوم الأمثل للثقافة الوطنية، ودرويش أهلٌ لذلك، لكن (أرجوكم) لا ثقافة “السلام” والاستسلام والفساد المالي والأخلاقي- بما فيها الجنسي- والإداري وكل بلاء جلبته السلطة على القضية التي كتب فيها ولها درويش، والتي اقترب منها بقدر ما ابتعد عن تلك السلطة وعن صفة “مثقف السلطة”، وهو كذلك القدر الذي حاول به “مثقّفو السلطة” وسياسيّوها إلصاق أنفسهم باسمه، علّهم يكسبون شرعية ثقافية، ومنها: سياسية، لهم ولسلطتهم.
لكن درويش الذي نحب، لم يوزّع شرعيّات سياسية. هو ليس، أولا، بموقع من يوزّع، والشرعيات السياسية ليست، ثانيا، أمورا تُوزّع، بل تُكتسب. وإن كان ثمّة من يوزّعها، أو يمنحها، فهو الشعب (أو “الناس” إن أردتم) وهو الذي منح درويشَ شرعية ثقافية، التمّ عليها نفر من المتسلّقين، المحلّقين حول السلطة، “المدبقين”.
لا بدّ أن نخلص من سما رب سبب تسمية الجريدة برمّان كي أنتقل بافتتاحياتها لمواضيع أكثر مصيرية في الثقافة والفن الفلسطيني.
الألوان الطاغية – طاغية ع الصّبح؟- في هذه الرمّان هي ألوان التطريز الفلسطيني، وتحديدا الثوب النسائي الفلسطيني، وإن اختلفت الألوان من منطقة لأخرى. والألوان الطاغية لمجمل هذه المناطق هي الأحمر بدرجاته، وبنسب أقل بكثير البرتقالي بدرجاته، إضافة إلى اللون الأسود، وهو في رمّان لون النص. والألوان ذاتها نجدها في حبة الرمان، شفتوا كيف؟
سبب آخر لهذه التسمية أني قد صمّمتُ اللوغو (كلمة رمّان بالأحمر) وقد أحببته وعْلِقِت.
سبب آخر، وقد حاولت الاحتفاظ به لنفسي، ينفضح في الحوار التالي الذي جرى في احدى صالات معرض أبوظبي للكتاب بيني وبين أحد الأصدقاء الصحافيين، ومن الحوار سيتبيّن أنه فلسطيني طبعا:
هو: جميل.. وليش اسم رمّان؟
أنا: في والله كذا سبب، يعني الألوان متلا، وعلاقة الرمان بالأرض وهيك يعني
هو (وقد رفع يده كأنه يحمل قنبلة يدويّة، والتي سُمّيت أيام الثورة بالرمانة): ولإنه هاهاها الرمّااانة هاهاهااا
أنا: مز هاها بو هوهاهاهاهو ط
هو وأنا معا وقد أصبحنا مزعجين وأثرنا بلبلة: هاها هع هاهاهاااا يحرق حريشك
لا تستزنخونا. وقتها، بشرفي، كانت مضحكة.
لا أدري إن استوفيت في الافتتاحيات حتى الآن جميع الأسباب لتبرير تلك التسمية، لكني لابد أن أنتقل لأمور أكثر جديّة، كفاها الله:
مأساتي أني أعتقد بالتغيير الدائم، وأن الثابت الوحيد في هذا الكون أن كل شيء متغيّر، وإجيت (قال) أعمل جريدة. يعني أعتقد بأن الأعداد الـ 8496 القادمة ستشهد تغييرات أخت شليتة في كل عدد منها.
عمبضلني أبعبص بالدزاين تبع رمّان، وعرأي أبو الزوز الرحباني “ما أزال” أبعبص بالدزاين. أي ما دُمت أنا بصحتي وعافيتي وسلامتي الذهنية (المفترضة) وما زُلت، يعني ما انزلت، يعني بعدني طيّب ولم أُزل من الوجود، إيش بدي أعمل؟ بعد الغدا متلا. صاحب زياد “ما يزال” بيستهدف الأبنية، وأنا إيش أعمل؟ أتفرّج عليه؟ طبعا ما أزال أبعبص بالدزاين.
وبعرفلي شوية فوتوشوب وشوية إن دزاين، يعني وعرأي زياد كذلك: خود بقى تعا قيمني.
بَقولّي إني لازم أنهي الافتتاحية هون بس مش راح أرد علَي قبل ما أذكرلي شغلتين مهمتين:
• في حال لم أغيّر رأيي قبل صدور هذا العدد، موضوع الغلاف لكل عدد بدأ من العدد السابق في أن يستقرّ على حوارات خاصة برمّان.
بالأمس فقط حضرت فيلم City of Women للمخرج الإيطالي فيديريكو فيلليني، وكنت أتوقع أن أَخرج صباح اليوم التالي – أي الآن، أو حينها: لحظة كتابة هذه الأسطر- بمقال يليق بكل تلك الحشود من النساء في الفيلم، لا بافتتاحية هالعدد المزدحم بالرجال. وحين يُنظر للرجال كشيء مقابل للنساء، يُسمّون حينها خناشيرا. وخنشور (جمعها خناشير، ويُخنشرُ خنشرةً فهو خَنشورٌ، ويقال خَنشيرٌ) لا تحمل بالضرورة مدلولات سلبية، رغم أنها لا تخصّ النساء.
الالتزام بمقال افتتاحي لرمّان شيء متعب، ربما هي فكرة الالتزام بحد ذاتها تتعبني، لذا سأقرر أن أقلّص قدر المستطاع من الافتتاحية، لأركّز أكثر على نوعية المواد المنشورة وعلى تحرير وإخراج الجريدة نفسها، لكني كالعادة سأسرح، وفي ملكوت آخر، منحرفا عن الموضوع.
ع الغلاف لهذا الشهر تجد/ين إيليا سليمان، أحب مخّه لهالزلمة، تستهويني العبثية الساخرة اللاذعة والصامتة في أفلامه، وخاصة آخرها “الزمن المتبقي”. المادة الأولى ستكون حوارا خاصا يُنشر بالعربية للمرة الأولى، وقد أجرته الصديقة صباح حيدر في بيروت مؤخرا.
انتقاء المواد بات يخضع أكثر لمعايير تحد من نشر العديد منها. صرت في هذا العدد أختصر من المواد المرشّحة للنشر أكثر من أن أنتقيها- كفكرة الشعر عند شيكسبير: أنه حذف أكثر منه كتابة- والنتيجة تقديم المواد الأفضل التي يمكن تقديمها في هذا الشهر، وذلك طبعا يحد من عدد الصفحات، فإن كانت الجريدة غير مطبوعة وبالتالي غير محكومة بعدد صفحات محدد، فإن ذلك لا يعني أن أدحش المواد في هالرمّان دحشا مثل الشوأسمه.
أما لماذا رمّان، هذا الاسم بالذات، فأولا: الرمان يزرع في فلسطين من زماااان، وبالتالي فللرمان تاريخ طويل على هذه الأرض، وبالتالي فله علاقة تاريخية حميمة مع الفلاحين على هذه الأرض، أي مع الإنسان الفلسطيني كما مع أرضه. فلسطين كانت في معظمها فلاحين، أقول كانت لأن النكبة لعنت سنسفيل المجتمع الفلسطيني، خدلك أنا مثلا: لاجئ فلسطيني ابن قرية أي “نظريا” فلاح، لكني لاجئ، وشو هالفلاح البلا أرض هاد؟ أشعر كشوفير باص بلا باص أو عازف تشللو بلا تشللو، خاصة وأن الريحانة التي أتتني من رام الله ماتت والتعن أبو فاطسها (أبصر إذا هيك بتنكتب فاطسها) رغم كل الحنان الذي قدّمته: كأس من المياه المعدنية الباردة كل مساء. والنعنعة التي أتتني من كفر ياسيف (البلد التي أحب) أيضا لعنتُ أبو اللي طرقها بعنايتي في الأسبوع الأول، ولولا التدخّل السريع للعناية الإلهية، وتحذير والدي لي بألاّ أقترب منها وأنه هو سيتكفّل بعملية إنعاشها، لكانت الآن بلا روح ولا رائحة ومحفوظة في الظرف الذي يحوي مرامية ونبتات أخرى أتتني أيضا من كفر ياسيف.
أما الصبيرة، فأخبرني والدي أنها لا تشرب ماء أبدا، واكتشفت لاحقا أنه يسقيها من فترة لأخرى.
لكن ما خصّ كل ذلك باسم “رمّان”؟ صاير عمبستطرد بالحكي. عمبحس حالي مسؤول فلسطيني، هنّ كتير بيستطردوا علينا.
ألم أقل في الافتتاحية الأولى أن رمّان ستتغير إلى أن تنضج؟
حسنا، في هذا العدد حولت الصفحات من A4 إلى Tabloid، فهي أرشق هكذا أي أكثر بيللوتشيّة (من مونيكا بيللوتشي)، نسبة طولها إلى عرضها صارت أزيد، وحجم الجريدة على الشاشة صار أكبر، هنالك أيضا تغيير في الخطوط والتصميم والمحتوى… آه صح، ألحق حالي، لا بد من شكر سمر عبد الجابر (حيفا) التي دبّرت لي برنامج تصميم الجريدة ولولا ذلك لكانت رمّان مجرد فكرة، وسعاد حسنة (ترشيحا) التي تحمّلت أستفساراتي فيما يخص التصميم، ورفيا سليمان (الناصرة) لترويج الجريدة، وكل من اعتبر بحق أن رمّان تعنيه شخصيا.
وبالنسبة للعدد صفر، فقد كانت ردود الفعل أفضل مما توقعت. عرفت أن الجريدة تمت طباعتها وتوزيعها في أكثر من مكان، وخاصة في فلسطين، وبمبادرات فردية. عرفت بأن هنالك من احتفظ بالجريدة وقرأها على مدار الشهر، وأن آخرين قرأوا بعض موادها، وطبعا يبقى هنالك من اكتفى بالتفرّج ع الصور. عرفت بأن هنالك من عرفوا بها بالتناقل. أعضاء الجروب على الفيس بوك قاربوا الألف في الشهر الأول- اسم الله- ومعظمهم ليسوا “فرنداتي” وعرفت أن احداهن انضمت للمجموعة لأنها: يااااااي أنا بحب الرمّان. لكني لم أنتحر رغم ذلك. والأهم أني عرفت بأن هنالك كثيرين يشاركون رمّان هذا الهم وهذا الحب الذي اسمه فلسطين، وأن منهم من سيزوّدها بمواد خاصة.
وكل ذلك لا يأتي طبعا عن أهمية رمّان بحد ذاتها، فهي ما تزال في شهرها الثاني، ليس لها فريق عمل أو هيئة تحرير أو مؤسسة صحافية أو أبصر إيش، هنالك أنا هالمشحّر أعمل عليها لفترات طويلة من صباحات الجمعة والسبت في أحد المقاهي الحمقاء مع كأس من الميلك شيك- ع فانيلا أو فريز أو حسب، مرّات بكون في عندن ع كاراميل- وسأعترف بأن تجربة رمّان حتى اللحظة لا تزال أكثر تواضعا من ردود الأفعال عليها.
أتت ردود الأفعال هذه، على الأرجح، بسبب الحاجة الملحة لجريدة ثقافية فلسطينية، أكانت ع رمّان أو لَمون أو نعنع- أو لَمون مع نعنع- وكانت رمّان انتهازية بما يكفي لتصدر في ظروف موضوعية كهذه، لتكون جريدة متخصصة في الفن والثقافة الفلسطينيين.
وبالنسبة لموضوع الـ PDF، الجريدة لا هي مطبوعة ولا هي الكترونية، هي جريدة PDF وحسب، خطرت لي الفكرة لأني أقرأ الجرائد من على شاشة الكمبيوتر فقط، وأقرؤها بصيغتها الـ PDF وهكذا لا أفوّت علي جماليات الإخراج الفني للصحف أثناء قراءتها، ولم أرد أن أحرم رمّان من تلك الجماليات. السبب الثاني لاختيار صيغة الـ PDF هي امكانية حفظ الجريدة بكامل موادها كملف واحد (PDF file) يمكن الرجوع إليه لاحقا- كما يمكن نشره بسهولة- رغم أن عمل الجريدة ليس أرشيفيا “شيله” إلا أن شخصا ما يحتفظ بـ 12 عدد من رمّان في كانون الأول 2010 سيمتلك مرجعا معرفيا وجماليا، ليس بالقليل، عن الثقافة الفلسطينية هذه السنة.
كان لابد أن أحكي في هذه الافتتاحية لماذا اسم رمّان وليس شيخ المحشي مثلا أو خبيزة وعلت، ولكني أتأخر في كل شيء، يلا المرة الجاي. كفى هنا لأن أمامك موادا أهم بكثير من هالافتتاحية المشحّرة، تستحق القراءة.
قد لا يكون سهلا بعد “حفلة” لملمة مواد العدد صفر لـ “رمّان” والانتقاء منها، وقبل ذلك الخروج بفكرة وتصوّر للجريدة واختيار اسما لها وتصميم اللوغو، وتدبير برنامج تصميم الجريدة نفسها وما لحق ذلك من علقاتي المكفِّرة مع الكمبيوتر وعصيانه الدائم، ثم بعبصتي الملحّة في برنامج التصميم هذا إلى أن وصلت إلى الحد المعرفي الأدنى لإخراج جريدة، ثم- وهنا المحك والتحدي الماركسي الأهم- إمكانية تطبيق الفكرة، وتحويل التصوّر والرؤية والنظرية إلى شيء واقع، ونقل الإخراج الفني للجريدة من هذا الرأس “اللي ناتعه” إلى البرنامج ومنه إلى الـ PDF ومنه إلى العدد صفر.
بعد كل هذا العناء الفردي- حتى الآن- آجي أكتب افتتاحية هالعدد؟
لكني مضطر.
أشعر الآن (حينئذن) أني مرغم على الكتابة وهو ما لم أتعوده، لأن الكتابة “كيف” ومزاج ومتعة، ولكني على كل حال مضطر أن أحكي عن فكرة الجريدة، سأحاول وباختصار وعلى كذا عدد.
سأحكي لاحقا عن لماذا جريدة PDF ولماذا اسم رمّان وعدة لماذات أخرى ستفقس مع صدور هذا العدد، أما عن فكرة “رمّان”..
فهي أن تكون هنالك جريدة ثقافية فلسطينية تعنى بكل ما يتعلّق بالأدب والفن والفكر ومجمل الثقافة الفلسطينية، بثمانية وأربعينها وسبعة وستينها ومخيماتها وشتاتها وكل مشحّريها. ستركّز على مواد منشورة في الصحف والمواقع، ستكون هذه البداية وربما لاحقا ستصبح لها موادها الخاصة أيضا، وكذلك كتّابها الدائمون. لكن الفكرة أساسا أتت من أن تجتمع المواد المتعلقة بثقافتنا الفلسطينية في جريدة واحدة، رغم حالة الشتات بكل أوجهه.
مش راح “أحكي كتير” إسّا بس.. التشتت في واقع الوجود الفلسطيني انعكس على حركته الثقافية فتشتتت والتعن أبو فاطسها وبنسب معيّنة، ربما كان هذا ما يميزها، وربما هي الثقافة الوحيدة في العالم التي قد تنطلق من أي مكان في هذا العالم بما في ذلك فلسطين نفسها.. وكان هذا حافزا أساسيا لفكرة “رمّان”.
لدي الكثير لأقوله، فلأتركه لافتتاحيات قصيرة قادمة.
أخيرا أشير إلى أن “رمّان” قد تتغير في الشكل أو/و المضمون في فترتها الأولى إلى أن تصل إلى تصالح مع ذاتها أو نضوج ما قد تستقر عليه. ستخطئ كثيرا وستحاول أن تتعلم من أخطائها، وستحاول أن تحكي شيئا في هذا الضجيج.
نعم، هو دفاعٌ عن درويش ولكنه، كذلك، ليس تقديساً ولا أيقنة للشاعر. إن كان لا بدّ من بداية كهذه سأقول بأن من حق الشاعر ومن حقّ قرّائه ومن حق الشعر ومن حق القضية التي ارتبط اسم درويش بها على النقّاد، أن يُكتب نقد يكون أبعد ما يكون عن تكريس فعل الأيقنة ويكون صادقاً مع كل أصحاب الحقوق المذكورين.
لكن ليس في مسلسل “في حضرة الغياب” أي نقد لدرويش، المسلسل مهزلة وليس فعلاً نقدياً. هو استخفاف بـ وانتهاز لـ وتسلّق وسطو على أحد أهم الرموز الوطنية فلسطينياً والأدبية عربياً. وهو ليس حتى منتجاً فنياً، إذ لا يمكن لمنتج فني أن يكون بهذه البلادة والبلاهة والرعونة المستفزة.
نعم، لا بدّ من نقد كلّ الرموز وكلّ المقدّسات الثقافية والدينية والاجتماعية، ورفض المسلسل لم يكن إلا لأنه أتى تسطيحاً استغلالياً لاسم “بيّيع” يجلب الربح المضمون في الترويج لـ وبيع الكتب، فما بالك في الترويج لـ وبيع مسلسل رمضاني يخصّص لتسلية الصائمين في تلصّص رخيص على حياة الشاعر، بل على جانب منها، بل وفي هذا الجانب، الذي يستحوذ على المسلسل، يسرح كاتب السيناريو –المتنطّح- في خيالاته المزيِّفة، وحياة درويش مادة درامية مربحة تخضع حلقاتها جميعها لشروط واعتبارات صنّاع المسلسلات الرمضانية: الخفّة، التسلية، التشويق، والمزيد المزيد من الإعلانات.
لا يهدف الملحق إلى طرح أو إعادة طرح النقاش حول المسلسل، ولم ينته لا النقاش ولا المسلسل. ولا يهدف إلى تقديم لوحة تشمل مختلف الآراء عنه، ولا هو عن المسلسل أصلاً، بل عن استباحة درويشَ واستسهال تحويل سيرته إلى مهزلة ربحية مجسّدة في مسلسل.
الملحق إذن يتبنّى، بمقالات انتقيناها من بين ما نشر في الصحافة، وجهة نظر تفكّك وتنتقد هذه المهزلة. والملحق، أولاً وأخيراً، يقدَّم دفاعاً عن حضور محمود درويش في الذاكرة الثقافية والوطنية الفلسطينية والعربية، لا لأن الرموز محرّم تجسيدها درامياً أو سينمائياً، بل لأن التعامل التجاري الرخيص السطحي الاستغلالي مع هذه الرموز لا يجب أن يمرّ دون ردع نقدي.
هنالك شيء ما في هذا الرجل، قدرة غريبة في ذكراه على التجدد، سنوياً، لـ 39 عاماً. غسان الذي نعرف، هو ذاته من لم يعش أكثر من 36 عاماً، غسّان الذي نعرف لم يمارس الكتابة لأكثر من 16 عاماً، غسّان الذي لا تكفّ كتاباته عن استحضار كتابات عنها وحولها وفيها ولها ومنها.. كتب أهم ما كتب في سنينه الـ 8 الأخيرة. غسّان الروائي والقاص والمسرحي والناقد والصحافي والمحرّر والمثقّف والرسّام والديزاينر والحزبي والسياسي والعاشق والمناضل والشهيد، كان كلّ هذا في سنين قليلة، وكان كلّه بامتياز. غسّان الذي مارس الكتابة لما يقارب الـ 16 عاماً، لو أنه مارسها لـ 40 سنة أخرى، بتراكمات الوعي والثقافة والمعرفة والتجربة، أين أمكن له أن يصل؟
كلّما أعدت التفكير في ذلك، عرفت تماماً أحد أهم وأذكى وأنجح القرارات التي اتّخذتها إسرائيل منذ تأسيسها: اغتيال هذا الرجل.
في هذا الملحق، لا نحاول سوى تقديم قراءة حديثة، في زمن الثورات والحرية، لمعنى الثورة ومعنى الحرية عند غسان، وفي أدبه. جميع مواد هذا الملحق خصّصت له؛ للملحق، لغسان، لمفهوم الثورة، لمفهوم الحرية في الأدب، السياسة، المجتمع، الفكر.. كتب غسان فيها جميعها، أسّس ثورته الخاصة في كل ذلك، وأسّس لثورات جمعيّة ستذكره كلّما حلّت: هو المثقف الثوري الماركسي والقيادي في حزب يساري والأديب الحداثي التجريبي والناقد الساخر اللاذع، المؤسس لثورات هنا وهناك.
كيف لا نذكره، مجدّداً، وتحديداً، في زمن الثوة والحرية؟
الملحق الأول الذي تصدره رمّان، ومن الجميل أن يخصّص لمهرجان القدس الذي تقيمه مؤسسة يبوس للإنتاج الفني، وفي حوار شامل ومفصّل مع مديرته رانية الياس.
رغم كل الصعوبات، لا أقول بأن المهرجان حافظ على حضوره السنوي في هذه المدينة، بل حافظ على سير تطوّره وألقه نوعياً وتنويعياً، ولعلّ المهرجان والمؤسسة، ومعهما المركز الذي سيفتتح قريباً، لعلّها جميعها تشكّل أهم الشبكات الثقافية الفلسطينية حيث الموسيقى والأدب والسينما.. هذا ما تسعى لتكونه يبوس، وهي جديره به.
في هذا الملحق/الحوار تتحدّث رانية عن المؤسسة والمهرجان والمركز، عن المعايير العالية فنياً ومهنياً وثقافياً الحاملة للمعايير العالية وطنياً، تجاه مدينة القدس، وكل فلسطين، وتجاه القضايا العادلة في هذا العالم.
القدس أجمل من أن تكون مجرّد مدينة مقدّسة، وهي ليست مجرّد مكان للصلاة، القدس غناء وموسيقى وسينما وأدب وفن ومقاومة ثقافية وحياة يومية فلسطينية، وكلّ ذلك يتجدّد في عدّة مناسبات سنوية، تكافح يبوس لا للمحافظة عليها، بل على سير تطوّرها مهنياً، فنياً، وطبعاً وطنياً.
يكتب سليم البيك قصصه بعبث، أو هو يلعب مع الواقع بروح فيها الكثير من مغامرة الفن ومغامرة الشباب على حد سواء. سليم البيك في مجموعته القصصية الجديدة «كرز» أو «فاكهة حمراء للتشيزكيك» (منشورات الأهلية – عمان الأردن – 2011 ) يختار منذ البداية أن يكتب قصة «لقطة»، أعني بالذات أنه يختار لقصته أن تتحرك في فضاء مشهد واحد، مكثف ولافت. لعله بهذا المعنى يعيدنا إلى المفهوم الأصل والأساس للقصة القصيرة الذي يؤكد أنها سردية الموقف الواحد، المفهوم الذي تتنكبُ عنه غالبية قصص الكتاب هذه الأيام.
مع ذلك، بل بسبب كيفيات كتابته بالذات نرى أن تلك العودة لا تأتي عند البيك تقليدية، هي إلى حد بعيد عودة مراوغة، ماكرة، تماماً كما هو فن القصة القصيرة الحقيقي والذي «يترفع» عن مجرد السرد منحازاً لرغبة الفن في إعلاء صورة المشهد.
سأقول إن «كرز» بقصصها كلّها تحتفل بالحياة أولاً وقبل أي شيء آخر، وهي لهذا تختار لها سياقات بالغة الأناقة. أتحدث هنا بالذات عن الجملة السردية الرشيقة، الخالية من أية زوائد أو ثرثرات، بل التي تبتعد بقصدية عن الوصف
قصص سليم البيك في «كرز» (جائزة مؤسسة القطان للمبدعين الفلسطينيين الشباب) تعيش الراهن بصوره الأشد حداثة: قصص تتجول في عوالم شاب (يشبه شباباً كثراً) ينغمس في الحياة العصرية وأدوات الاتصال الحديثة، ويحمل في يومياته كثيراً من عاداتها وتقاليدها. القصة هنا تحكي – غالباً – حالات أقرب إلى العبث لمصادفات العلاقات العابرة مع نساء يتشابهن في كونهن أيضاً ينتمين تماماً الى العوالم ذاتها: قصص تنفتح على مشهد واحد ترفده الجزئيات والتفاصيل الصغيرة بما يجعله دوماً مشهداً مشحوناً بالغ التوتر والتشويق. في الجانب الأهم والأجمل من قصص سليم البيك «كرز» ننتبه إلى حيوية الكتابة التي تنطلق من زج شخصية القصة الرئيسة مباشرة في الحدث السردي، أو كما أشرنا سابقاً في المشهد، أي ترك تلك الشخصية توضح ملامحها وعالمها من خلال الحدث ذاته ومن خلال ردود أفعالها عليه. القصة هنا تبدو شغوفة بالجزئي الذي وإن حمل غرابة ما، إلا أنه يمنحنا متعة الإصغاء للصورة: سأقول إن «كرز» بقصصها كلّها تحتفل بالحياة أولاً وقبل أي شيء آخر، وهي لهذا تختار لها سياقات بالغة الأناقة. أتحدث هنا بالذات عن الجملة السردية الرشيقة، الخالية من أية زوائد أو ثرثرات، بل التي تبتعد بقصدية عن الوصف. فالأهم عند سليم البيك هو المشهد، أعني أنه يجتهد ما استطاع ليرسم، وليأتي الرسم مزدحماً برموزه وإشاراته وبحيويته أيضاً.
تغريني قصص المجموعة بالابتعاد عن محاولة الحديث عن هذه القصة أو تلك للدلالة على ذلك. فقصص «كرز» تحمل جميعها الروح ذاتها، وتنتمي الى المناخات ذاتها. لعل بعضاً من أسباب ذلك يرجع في تقديري الى المكان الذي وإن اختلف بين قصة وأخرى، إلا أنه يظلُ غالباً مكان اللقاءات السريعة بل العابرة لرجل وامرأة يلتقيان «على عجل» من أجل الحب، ويفترقان على عجل بسبب الحب أيضاً.
حين أكملت قراءة قصص هذه المجموعة توقفت طويلاً عند فكرة مفارقتها لتاريخ القصة الفلسطينية القصيرة منذ سميرة عزام وغسان كنفاني، مروراً بنماذجها الأجمل محمود الريماوي وبعض قصص يحيى يخلف، وهو تاريخ يؤكد في غالبه الحدث السياسي… وباستثناء الراحل جبرا إبراهيم جبرا في مجموعته القصصية «اليتيمة» والمدهشة «عرق»، لم أعثر على تجريب فني لافت أقدم على مغامرته كاتب قصصي فلسطيني، ما جعل القصص الفلسطينية أقرب الى المحافظة منها الى التجديد والمغامرة، وإن كنت أتذكر استثناء وحيداً بالغ الجمالية حققه رسمي أبو علي في مجموعته القصصية الشهيرة «قط مقصوص الشاربين إسمه ريّس». هنا في «كرز» بعض هذا، فسليم البيك يغض الطرف عن تلك السياقات القصصية، ويمضي نحو قصة مشاكسة… قصة إذ تختار عوالم جديدة إنما تختار معها بنائياتها المغايرة والمختلفة بالتأكيد.
سليم البيك في «كرز» كاتب دخل مجموعته القصصية الثانية بروح المغامرة، ولكن بالاستناد الى موهبة لافتة وقراءات غزيرة تجعل قصص مجموعته قريبة من الروح وتستحق التحية.
بقلم: د. رابعة حمو / باحثة في الأدب العربي الحديث – باريس
“كـرز أو فاكهـه حمـراء للشيزكيـك”، عنوانٌ مثيرٌ للمجموعة القصصيّة الجديدة للكاتب سليم البيك، والتي صدرت أواخر العام الماضي عن دارالأهلية للنشر(عمّان)، ومؤسسة عبد المحسن القطان (رام الله – لندن)، ونالت على جائزة مسابقة الكاتب الشاب التي نظّمتها المؤسسة في العام 2010. وتعدّ هذه المجموعة القصصيّة ثاني مجموعات البيك بعد مجموعته النثرية الأولى “خطايـا لاجـئ”.
تفوح منذ عنوان المجموعة رائحة أُنثوية تعبّق أروقة صفحات القصص يدعّهما البيك بعبارة لابن قيم الجوزيـة : “العشق مركب من أمرين: استحسان للمعشوق، وطمع في الوصول إليه. فمتى انتقى أحدهما، انتقى العشق”. تبدو هذه العبارة مفتاح يقود القارئ إلى دهاليــز النصوص لاستجلاء العلاقة بين الرجل العاشق الذي يطمع في الوصول إلى قلب معشوقته، وبين المرأة الجميلة المشتهاة في مشاهد حسيّة واضحة تلامس في شفافيتها جدران الروحية. ولعلنا نجزم القول أن هذه القصص تمزج بين مّا يُعرف بمدرسة الحبّ العذري التي أسسها الشاعر المتيّم جميل بثينة، وبين مدرسة الغزل العُمري أو الإباحي نسبة الى الشاعر عمر بن أبي ربيعة. ولذلك امتزجت سرديّة هذه القصص بلغة بالغة الشعريّة وتصويرات فنية باذخة الأناقة تشيع فيها حرارة العاطفة التي تُصور خلجات النفس وفرحة اللقاء وآلام الفراق ولوعته. وحفلت بالوقت ذاته بوصف جاذبيّة المرأة وفتنه جسدها وذلك في إطار قصصي بلغ عدده 24 قصة رتبها البيك في نسق فنيّ ينثال بسلاسة وتلقائية من قصة إلى أخرى.
وفي نظرة بانورامية نتعرف على هذه القصص التي عنونّها الكاتب بالعناوين التالية: سكّر توسكاني، عن الأسود وبنفسجه، في قطرة اشتياق، P.S، صبح ومسا، انغماس مبلّل، ردفان أزرقان، كأنها لم تبق ولم ترحل، على قارعة انتظار، وشيء من ألوانها، ما انتظرت إلا قليلاً، مجيء وذهاب كجرح إلتأم، لاتيه بالبندق، مساءٌ لها، كالماء مساءً، مارشملّو، لم تنته ربما، عتمة أخرى، أومأ بلحظه، كرز تشيزكيك، أدرت رأسي لأراها، ولم أمح رقمها، صلاة لزهرة لوز، ليس هكذا تنتهي القصص.
وتعدّ هذه القصص الـ 24 مغامراتٌ غرامية لحكايات حب متنوعة يرويها الكاتب بلسانه أو ينقلها على لسان أبطاله تنتهي جمعيها بالفشل وخيبة الأمل. حيث يحدث الفراق بين أبطال القصص بصورٍ متنوعة، تارة بلقاء قصير وعابر في مقهى كما في القصص : صبح ومسا، ردفان أزرقان، شيء من ألوانها، ما انتظرت إلا قليلاً، لاتيه بالبندق، مارشملّو، عتمة أخرى، كرز تشيزكيك. وتارة أخرى يحصل الفراق بمحطات السفر كالقطار كما في قصة “أدرت رأسي لأراها، أو في الطائرة كما في قصة “ليس هكذا تنتهي القصص”.
ولعلنا نجزم القول أن هذه القصص تمزج بين مّا يُعرف بمدرسة الحبّ العذري التي أسسها الشاعر المتيّم جميل بثينة، وبين مدرسة الغزل العُمري أو الإباحي نسبة الى الشاعر عمر بن أبي ربيعة. ولذلك امتزجت سرديّة هذه القصص بلغة بالغة الشعريّة وتصويرات فنية باذخة الأناقة تشيع فيها حرارة العاطفة التي تُصور خلجات النفس وفرحة اللقاء وآلام الفراق ولوعته
ولعل هذه النهايات السريعة تعكس طبيعة العلاقة الهشة بين شخصيات القصص، الأمر الذي حدا بالبيك أن يختار فن القصة القصيرة جداً كمبنى حكائي لمجموعته الإيروسية. فهي الإطار المناسب للمتن الحكائي لمثل هذه المغامرات والعلاقات العابرة. فما أن تبدأ القصة/ المغامرة سرعان ما تنتهي لتبدأ قصة أخرى دون كلل أو ملل من الحبيب المغامر الطامع في الوصول إلى المرأة المشتهاة، وهكذا حتى يُغلق الكاتب سرده الحكائي ببراعة على آخر المغامرات التي اختار أن تدور أحداثها على متن طائـرة، حيث تخلد آخر بطلات هذه القصص إلى النوم، ويبقى البطل يقظ العينين مغلقاً كتابه ورواية قصصه ومغامراته النسائية دون الوصول إلى ما يرومه قلبه، وهو حبٌّ يروي عطشه وحبيبة تأسر قلبه.
وقد أحسن البيك باختيار أسلوب القصة القصيرة جداً لعمله الثاني هذا، لأن هذا الفن الأدبي يتصدى لما تغافلت عن فعله بعض الفنون الأدبية الأخرى، فلا موانع ولا تابوهات في أجندته، ولا معايير مقدّسة لديه، فهو يروي حكايات لأبطال أو لأشباه الأبطال، ويسرد قصصاً يوميّة أو لحظيّة من كلّ شيء أو حتى اللاشيء، بصورة انسيابية تعاقبية، كأنها مشاهد مكثفة أو لحظات مركزة من فيلم سينمائي يقدم فيها الكاتب قصصه عبر لوحات عابرة وسريعة ولكنها بالوقت ذاته عميقة ومكثفة.
وما يثير النظر في هذه المجموعة رغم صغر حجمها وقلة عدد صفحاتها البالغ 122 صفحة، هو شاعريتها الرقيقة، وجمال استعاراتها الأدبية، وبروز روح الفن التشكيلي فيها بشكل واضح. ولعل شغف الكاتب نفسه بالرسم انعكس جلياً في ثنايا الحكايات. فألفة التناغم اللوني وتداخل ظلاله في متن القصص بدت ماثلة للعيان بشكل باهر. بل غـدت أرض قصص المجموعة كلوحة زيتيه يتأنق البيك في اختيار دائرتها اللونية التي يقـوم بمزجها على سطح قصصه بدقة متناهية مما أعطى نوعاً من الحيويّة والحياة للحكايات وأكد بما لا يدعو للشك على الاربتاط الوثيق والتوليف العضوي بين اللون وتدرجاته واللغة وعذوبتها. ومن هنا لا عجب أن نرى أحداث قصصه الرابعة P.S، والسادسة “مارشملو” والعاشرة “وشيء من ألوانها” أن تدور أحداثها حول فنانين تشكيلين أو تتخذ من المعارض التشكيلية مكاناً لسرد قصتها. حتى أن الكاتب أعلن عن حبه لفن الرسم منذ أولى قصصه “سكر توسكاني” عندما جعل أول أبطال قصصه من رواد المعارض التشكيلية.
غير أن الملمح الواضح والجدير بالوقوف عليه هو انتماء هذه القصص إلى أدب الايروتيك الذي لا يحبذ الكثير من الناس المساس به وتناوله لتجاوزه التابوهات والبطاقات الحمراء في العلاقة الجسدية بين الرجل والمرأة. إلا أن سليم البيك امتلك الجرأة والشجاعة الكافية للخوض في هذا الأدب، بل والابداع فيه بشكل أنيق غير فاحش وغير خادش للحياء، فأسهب في ذكر تفاصيل جسد الأنثى بعين العاشق المفتون أمام جسد معشوقته، في وصفٍ يشبه وصف رسام للوحة فنية. ولذلك نجد أن العلاقة بين الرجل والمرأة في أغلب قصصه تتتبع النسق الفني لمثل هذا اللون من الأدب، حيث تأخذ طابعاً تصاعدياً ايروتيكياً ناجماً عن التجاذب الجسدي بين العاشق والعاشقة، ثم ما يلبث هذا الشعور أن يبسط هيمنته على المناخ العام للقصة وينتهي بأن يلفح بحرارته القارئ نفسه، الذي ربما استشعر العدوى مع نوع من الفزع. وهو فزع ناجم عن الشعور بأن “أناه” الأعلى مهددة بمثوله أمام مشهد يستحضر غرائزه الإنسانية. ناهيك عن الشعور بالألم والفراق الذي يستفزه في نهاية القصة حيث يفترق العاشقان بصورة دراماتيكيّة مبهمة لا تقل غموضاً عن بداية علاقتهما في أول القصة. حيث لم يفصح الكاتب عن كيفية لقاء أبطاله وتغاضى بقصد عن بداية اللقاء بينهما وكأنه يحضّر قارئه لهذه المغامرات المارثونية التي توقفت بداعي السفر كما ورد في آخر قصة “ليس هكذا تنتهي القصص” حينما قال في آخر سطر فيها: “أغلقت الكتاب حينها، وقلت إن القصة … ستنتهي هنا”. وكأن الكاتب يريد أن ينبه قارئه أن سرد القصص والمغامرات انتهى بداعي السفر، ولكن مازال بحثه جارياً عن الحبيبة الدائمة التي لم يلقَها في أي مكان للآن.
ويعتر أدب الإيروتيك من أقدم فنون الأدبية، إذ يضرب جذوره عميقاً في الآداب الانسانية جميعها. ويعتبر منذ عهد الكهوف والأساطير جزءاً مِن الثّقافةِ العتيقةِ الّتي تنطوي على مُجملِ الفِكرِ بعاداته وتراثه المكتوب والشفهي والمُصوَر حيث نجده في الأساطير القديمة كحكايا إيزيس وأوزوريس وملحمة جلجامش ومغامرات عشتار ووصايا باخوس ورومنسيات فينوس. كما نجده في الكتب السماوية كسفر نشيد الإنشاد في الإنجيل، والسرديات الفقهية ومسارب العظة الدينية أو القص التأريخي. ويعدّ الأدب العربي كغيره من الآداب الإنسانية زاخراً بقصص الايروتيك منذ بداياته في العصر الجاهلي حتى عصرنا الحالي. فقد اكتظ ديوان امرؤ القيس شاعر العرب الأول بالكثير من المفردات الإيروتيكية، كذلك الحال في ديوان أبي النواس، ونجد أثره واضحاً كذلك في كتاب العقد الفريد للرّاغب الأصفهانيّ الذي تضمّنَ روايات وصور وكلمات أيروتيكيّةً كثيرة، وغيره من كتب التراث التي لا يتسع المجال لذكرها في هذه الدراسة.
من الكتّاب الفلسطينيين الشباب القلائل الذين تعرضوا لأدب الإيروتيك بشكل واضح ومباشر دون مواربة أو رمزية مدقعة. وكأن هذه المجموعة في محتواها جاءت كسرٍ لأطار طالما إلتصق بأي عملٍ صادرٍ من كاتبٍ أو راوٍ فلسطيني فُرض عليه الحديث عن الوطن الغائب والأرض المصادرة والغربة القسرية وغيرها من الموضوعات المميزة للأدب الفلسطيني
إلا اننا لا نخطئ القول أن سليم البيك من الكتّاب الفلسطينيين الشباب القلائل الذين تعرضوا لأدب الإيروتيك بشكل واضح ومباشر دون مواربة أو رمزية مدقعة. وكأن هذه المجموعة في محتواها جاءت كسرٍ لأطار طالما إلتصق بأي عملٍ صادرٍ من كاتبٍ أو راوٍ فلسطيني فُرض عليه الحديث عن الوطن الغائب والأرض المصادرة والغربة القسرية وغيرها من الموضوعات المميزة للأدب الفلسطيني. فجاءت هذه المجموعة الايروتيكية بمثابة صرخة اعتراض على تحميل الإنسان الفلسطيني نتائج فقدان الوطن بكل أبعادها السياسية والاجتماعية، ومحاولة الكاتب لأنسنة الفلسطيني واخراجه من دائرة البطولة المطلقة التي فرضت عليه وانزاله إلى دائرة الابطال العاديين او حتى اللا-أبطال وأنهم بشر كباقي البشر يحبوا ويكرهوا ويعشقوا الطبيعة والجمال والنساء كما عبر بطل البيك جلياً في القصة 22 والمعنونة ” ولم ألمح رقمها” عندما قال: “انتبهت لاحقاً إلى “حنظلة” فضياً معلقاً على صدرها، وقلت في نفسي : جيد أن للفلسطينيّة أثداء غير تلك التي ترضع الأطفال لتصنع منهم شهداء وأبطال”.
وعلى الرغم من هذا التصريح للكاتب على لسان بطله إلا أن فلسطين لم تختف كلياً من مشاهد القصص. فهي ماثلة في جينات أرضية الحكايات. إذ نلمح لوعة الغربة القسريّة في مفردات الحنين والشوق إلى فلسطين، ونشم رائحة وعبـق فلسطين في قصصه المتنوعة، تارة نتنسم رائحة زعترها وميراميتها ونعنعها، وتارة أخرى نبصر جمالها وروعتها من فوق جبال الجليل والقدس، وثالثة نسمع مفردات اللهجة الجليليّة المحكية للكاتب نفسه في غير مكان من القصص، ورابعة تتسلل فلسطين من خلال آراء سياسية يبثها البيك بين الحين والآخر في ثنايا قصصه لاسيما قصتة الــ 21 “أدرت رأسي لآراها” حيث اختار البيك بطله محاضراً في ندوة دولية عن حق العودة وأوضاع الفلسطينين في المخيمات في إحدى الجامعات في بروكسل، فأسهب البيك بالحديث عن فلسطين وقضيتها ونكبتها وما آلت إليه الأوضاع السياسية في الوقت الحالي.
ولعله من المفيد أن نذكر أن تقاليد القص المعهودة في القصص القصيرة والروايات تكاد تنمحي تماماً في هذه المجموعة. حيث تتحول عناصر القصة المتعارف عليها من شخصيات وأحداث وزمان ومكان إلى مجرد أطياف بعيدة وخيالات تلمس متن القصص فتغدو كل قصة تنتمي إلى منطقة حدودية متطرفة من نوع القصة القصيرة جداً كما أسلفنا سابقاً. ولهذا السبب تحديداً نرى أن مجموعة سليم البيك هذه تفسح المجال لخيال القارئ القصصي لأن يتجاوز خطوط القصص العريضة من شخصيات وصراع وحبكة وزمان ومكان وحتى أنه يدعوه للمشاركة في التنبؤ بأحداث القصص ويحثه على تصور تفصيلات تتعلق بالسببية والترابط بين دوافع الشخصيات في حكاياته. غير أن الكاتب حافظ على أسلوب سردي ثابت في مجموعته وهو رواية قصصه بلسانه هو لا على لسان شخصياته حتى يكثف الصورة التي يريدها بعيداً عن جموح وخيال أبطاله، وبالوقت ذاته يبعد قصصه عن شبح الاستطراد وتشتيت ذهن القارئ في حوارات جانبية لا تخدم رغبته في تكثيف النصوص وجعلها مركزة في قصص قصيرة ولوحات عميقة وكأنها مشاهد سينمائية يسلّطها مخرج الفيلم ببراعة ودقة لما يريده من أبطال فيلمه. ولهذا نرى أن الـ 20 قصة من مجموع قصصه الـ 24 يسردها البيك بضمير الأنا، ويتحدث بلسان شخصياته التي حضرت معظمها بلا أسماء، سوى بعض الأسماء التي تناثرت هنا وهناك نحصرها بغسان، خليل، جمال، محمود، وسلمى، ريما، رشا، هديل، ريم. ولكن لم يشأ البيك بالاستحواذ على سرد القصص بلسانه، وأبى أن تمر مجموعته دون أن يترك المجال ولو قليلاً لشخصياته في الحديث والتعبير عن ذاتها ومكنونات نفسها وذلك في أربع حكايات هي: صبح ومسا، كأنها لم تبق، ولم ترحل، على قارعة انتظار، لاتيه بالبندق. وكأن هذه القصص الأربع كانت بمثابة استراحة للبيك من السرد والحديث وترك العنان لشخصياته أن تتحدث بلسانها بحدود لا تتجاوز أفق الحوار بين أبطال القصص التي حدّدها بها الكاتب.
وأخيراً بقي القول أن الكاتب أبدع في نسج قصصه وخاصة في ختامها. حيث جعل قارئه يقع في حيرة مشوقة تتأرجح بين الحقيقة والخيال، بين الشك واليقين. ذلك لأن أغلب قصصه تجعل القارئ يلتبس بحقيقة علاقة الراوي مع حبيبته، أكانت علاقة حقيقية أم نسجاً من الخيال؟ أكانت حلماً يراوده في لاوعيه أم حقيقة يعيشها بكل دقائقها مع امرأته المشتهاة في عالمه الواقعي. ولعل هذه الميزة تحث القارئ على قراءة القصة أكثر من مرة حتى يفهم تسلسل الأحداث وصيرورتها ويستشف في قراءاته المتعددة حقيقة علاقة الراوي بالمرأة.
من قبل قرأت لسليم البيك كتابه ‘خطايا لاجىء’، ولم يتح لي أن أكتب عنه، ربما لأنه ليس رواية، ولا قصصا قصيرة، ولا مذكرات، و..ربما لأنني انشغلت كما يحدث عادة، ثمّ وجدت أن الوقت قد فات، وأن الأفضل أن أنتظر لأرى ما الكتاب الثاني لسليم..الكتاب الذي سيُقدمه، كون الكتاب الأول نبه إليه، وبشّر به، وإن لم يحدد له هوية أدبية.
سليم كاتب نشيط، وموقعه (حرية) لطيف، جذّاب، وناعم، و(مشغول)، وهو بعيد عن الأنانية، فهو يكرّم كتابا، وفنانين، وفنانات..كثيرين، ينوّه بأعمالهم، يعرّف بهم، باختصار يخدمهم بوّد، ويتصرف معهم وكأنهم (عائلته) رغم أن بعضهم رحل، وبعضهم، وبعضهن يعشن، ويعيشون في أمكنة متباعدة، ولعله أحيانا لا يعرفهم، ولم يلتق بهم، وبهن..من قبل.
بكتابه الجديد (كرز..أو فاكهة حمراء بالتشيزكيك) الفائز في مسابقة الكاتب الشاب للعام 2010 من مؤسسة عبد المحسن قطان، يكون سليم قد جاء محملاً بقصص فيها من نعومة ولون وطعم الكرز..تلك الفاكهة (المخملية) اللطيفة..اللذيذة، والمكتوبة بشاعرية تناسبها، كونها تعبّر عن (دواخل) شاب من هذا الجيل، في هذا الزمان..مع ملاحظة أنه في أمكنة لا هوية لها.
الكاتب سليم البيك فلسطيني، لجأت أسرته من بلدتها الجليلية (ترشيحا) إلى لبنان، وهو كما أعرف يعمل ويعيش منذ سنوات في الإمارات.
هذه الملاحظة هامة للقارئ، وهي تكشف عن (سّر) عدم تحديد المكان في القصص، ولعل ذلك يعود إلى أن (لابطل) هذه القصص يعيش في المكان دون أن يعيش المكان فيه..فما دام بلا وطن، فكل الأمكنة تتشابه، خاصة وهي، غالبا، لا تمنحه إلاّ القليل من إمكانية (التواصل)، ويستحيل أن تكون بديلاً.
شاعرية القصص لا تنبع من جمال الأمكنة، أو تناغم الحياة، وحلاوتها، و(كرزيتها) الباذخة، ولكنها تنبع من (رؤية) الشخصية التي تتكرر في النصوص ـ وهذا اقرب إلى وصفها ـ التي تتكرر، أو تتلاحق، والتي بطلها هو نفسه..بينما النساء فيها يتتابعن، بمزايا قليلة، واختلافات غير ذات شأن، ولذا فهن لا يتركن أثرا كبيرا في نفس (سارد) النصوص، أو القصص الناعمة الرشيقة، سوى لذة عابرة، وشغف يتبدد، و فراق هو الخاتمة التي تفسح لحكاية أخرى لا تشفي من فشل ما سبقها، ولا تروي عطش الملهوف الملول، المصاب بالسأم من هكذا حياة، لا مكان فيها، والزمان الذي يتبدد فيها لا يمنح أملاً، ولا راحة، ولا بهجة، ولا حلما بتكوين أسرة بعد حكاية حب حقيقية مثمرة.
لا يكتب سليم البيك قصصا ذات حبكة، وحدث مفصلي، تدور في أمكنة بعينها، وتنتهي نهايات حاسمة في حياة أبطالها، فتغيّرهم، وتنتقل بهم من حال إلى حال.
خلف النصوص اقرأ: الغربة..لوعتها، حرقتها، جدبها، عدم جدواها..نفيها، خساراتها…
يعوّض سليم عن شقاء هذه الغربة المركبّة: في لبنان، ومن بعد الإمارات، باستعادة (لهجة) ترشيحا..مسقط رأس أبيه وأمه، وحيث لم يعش..تلك اللهجة التي التقطها من معايشة أهله في المخيم، رغم أضواء بيروت..واللهجة هنا كأنما تستحضر أصحابها بكل ما تعنيه تلك الاستعادة.
هل يستحضر سليم (المرأة) تعويضا عن الحرمان، وانغلاق آفاق الحياة حيث يعيش؟ هل (يخترع) نساءً يتمنى لو التقاهن في الواقع الذي لن يوجدن فيه، ولن يوجدن؟
تساءلت كثيرا وأنا اقرأ نصوص هذا الكاتب الشاب، وتساءلت أيضا عن كيف يفهم هو وأمثاله من الكتّاب الشباب فن القصة القصيرة، وأين يفترقون عمن سبقهم من أجيال الكتاب العرب الذين أسسوا، وأصلوا، وطوروا، وجددوا.
دائما اقتنعت، وبالممارسة، بأن بين القصة القصيرة والقصيدة وشائج قربى، وأقصد القصيدة الحديثة، قصيدة التفعيلة، وقصيدة النثر..ولعلّ هذا يتبدّى في قصائد شعراء ما بعد التفعيلة، يتقدمهم أمجد ناصر في نصوصه الشعرية الأخيرة التي يُطلق عليها (الكتلة)، حيث الحكاية شفيفة يحملها شعر أنيق جماليته لا تغيّب (طيف) الحكاية، بل تمتزج بها..وهذا آخر ما بلغته قصيدة النثر، وهنا تلتقي بها نصوص القصّة الشعرية الحديثة، كالتي يكتبها سليم البيك.
في نصوص سليم حسيّة منعشة، غير صادمة، حتى وإن بدت كذلك، لأنها غير مقحمة، وبعيدة عن الافتعال، والرغبة في الإثارة..وهذا يتوقف على المتلقي إن كان متسامحا، فإن لم يكن، فلربما يرى فيها (فجورا) و (مروقا) ..الخ!
في النص الأخير (هكذا تنتهي القصص) ..ينتهي الأمر بالبطل الذي يروي القصص بضمير الأنا، وهو ما يمكنه من التعبير عن ذاته، وهواجسه، ومشاعره، ورؤيته للعلاقة بالمرأة، وحتى فهمه لفن القص، ويمكنه ذلك من النجاة بنصه عن الاستطراد، والسرد البطيء، ويمنحه المبرر الفنّي لاستخدام المونولوغ الداخلي.
في هذه القصة نلتقي بالشخص الذي لا نعرف اسمه، والذي التقينا به في النصوص السابقة، وهو في الطائرة، يتلصص على فخذي امرأة في المقعد المجاور، رغم أنها بجوار زوجها شبه النائم.
يرتجل (لا بطل) القصة قصة حول المرأة، وانطلاقا من فخذيها، ورغبته …ثم تنتهي القصة حين تغطي المرأة فخذيها و..تنام، كونها غير معنية بما يدور في نفس هذا الشاب الفضولي، ولا تعنيها هواجسه ورغباته التي لا علم لها بها أصلاً: ألقت المرأة الغطاء على ساقيها فخنقتهما، وهدأ إلى أن تلاشى الوهج المتطاير حول ركبتيها. أسندت رأسها إلى الخلف وأغمضت عينيها.
أغلقت الكتاب حينها، وقلت: إن القصة..ستنتهي هنا. (ص122)
وهنا أتوقف لأقول: هذه نصوص قصصية رشيقة، تبشر بكاتب يبدع نصوصه بريشة فنان، بأناقة، وبذوق رفيع..ولي أن أسأل أخيرا: ثمّ ماذا سيبدع سليم في آتيات الأيام، وإلى أين سيتجه..وهل سيكون أسير هذا النوع من الكتابة، أم إنه سيكتب تجربته في الغربة، ولوعة حنينه إلى (المكان) الذي ولد محروما منه..وكيف؟! فلننتظر…
* صدرت المجموعة عن الدار الأهلية ـ عمّان في العام 2011 .
الكتابة خليط من قراءات لنصوص سابقة ومن المزاج الذاتي للكاتب
حاوره: محمد الحجيري
أصدر القاص الفلسطيني سليم البيك مجموعته القصصية «كرز أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» عن «الدار الأهلية»، التي تتمحور حول هموم العلاقة بين الرجل والمرأة، تحديداً في بعدها العاطفي… معه هذا الحوار.
– في زمن ما يسمى الرواية “ديوان العولمة” أو “ديوان الثقافة”، لماذا اخترت أو تكتب القصة القصيرة، هل ما زال هذا الجنس الأدبي يعبّر عن الأفكار في زمن سيطرة النثر والثرثرة؟
في الحقيقة لا أعرف تماماً كيف قرّرت كتابة القصة، أو البدء بهذا المشروع الذي خرج على صيغة “كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك”. لا أذكر أني اخترته بقرار واع، أذكر أني كتبت بعض القصص، وكانت ذا ثيمة واحدة، رميت بعضها واعتنيت أكثر بأخريات، وأكملت وقرّرت لاحقاً، بعد أن كنت قد وجدتُني مسبقاً في منتصف الطريق، أن أكمل الطريق إلى آخرها، أو ليس آخرها، بل أول محطة يمكنني التوقف عندها، وكذا فعلت حين انتهيت من القصة الرابعة والعشرين والآخيرة. لا أدري لماذا لكني حين انتهيت منها أحسست بأني لا بدّ أن أتوقّف هنا، هي الرغبة فقط ربّما، فجأة فقدت الرغبة في كتابة المزيد من القصص لهذا المشروع.
بعضهم يقول بأن كتابة القصة أسهل من الرواية مثلاً، بعضم يقول أصعب. المسألة مركّبة هنا، كتابة الرواية تحتاج نفساً طويلاً يختلف عن كتابة النصوص القصيرة. أما النصوص القصيرة من قصة وقصيدة، ففيها لذّة الكثاقة والتكنيك واللقطة، وكذلك القرصة للقارئ.
– تتمحور هموم “كرزك” حول العلاقة بين الرجل والمرأة، هل المجموعة انعكاس لتجربتك مع المرأة والعشق؟
ليست كذلك. في الكتابة الأدبية شيء من واقع الكاتب، وهذا طبيعي، لكن الواقع هذا يختلط عند الكاتب بمشاعره وأفكاره وخيالاته ووعيه ولاوعيه وأمور كثيرة غيرها. هنالك نسبة من كل شيء في هذه القصص، لكنها حتماً ليست تجارب شخصية. وأنا بكل الأحوال أحب حقيقة أن هنالك نساء في هذا الكون، ولهذا “الحب” حضور في كل تفاصيل حياتي، وهذه القصص المكتوبة إحدى هذه التفاصيل.
– هل المرأة والحب والتلصلص مجرد “ميديا” لدفع القارئ إلى قراءة ما تكتب؟
هذه العناوين الثلاثة حاضرة في حياتنا اليومية، وحين أكتب قصصاً عن تفصيلٍ ما في حياة رجل ما وامرأة ما، سأضطر إلى المرور بأحد أو جميع هذه العناوين. الفكرة أني أكتب بكل حرية دون أي اعتبارات، وليُفهَم على أنه تجارب شخصية أو مجرد “ميديا”، للقارئ الحق في ذلك. وسؤالك هنا طرحٌ مشروع لما نجده في المكتبة العربية من كتب لا تحوي من الأدب بقدر ما تحوي من البزنس والكليشيهات والكبت. المعيار الأساسي عندي هو أن أكون صادقاً فيما أكتب تجاه نفسي، أن أُبسط نفسي في الكتابة، أن أستغلّ ما أمنحه لنفسي من حرية ومن ذاتية ليخرج النص بالنهاية كما أريده. لا أحب الكتابات التجارية، لا أصدّق الكتّاب الذين يكتبون حسب متطلبات السوق، كأنهم يوصلون “ديليفري” للقارئ. الأدب ليس بيتزا نعدّها حسب أفضليات الزبون/القارئ. أكتب ما أحب، وفقط. هذه كتابتي، إن أحبها القارئ كما هي، عال، إن لم يفعل، لا بأس.
– هل تشعر أن لديك روحية خاصة في كتابة القصة؟
لا أعرف صراحة. كتابي الأول كان نصوصاً نثرية، هذا قصصاً، في بالي الآن مشاريع مختلفة. لا تقنعني فكرة أن الكاتب لا بد أن يلتزم بشكل أدبي دون غيره. الأدب هو هو، الأجناس تختلف في المقاربة والتكنيك أساساً، عدا ذلك كلّه أدباً. للخلفية الثقافية والإبداعية والمعرفية تأثيراً كبيراً هنا، معظم الكتّاب حاولوا الكتابة بأكثر من جنس أدبي، وتميّزوا فيما كتبوا. كثير منهم كتب المقالة، والمقالة كتابة إبداعية كذلك، أحكي عن مقالة الرأي والنقد، الذاتية والموضوعية، لا عن التقارير الصحافية الميكانيكية. النقد بحد ذاته فعل إبداعي يمارسه الكثير من الأدباء. أعتقد بأن الكتابة عالم لا يمكن حصره في حدود شكل بعينه.
– كتبت قصصك بطريقة حميمة وشعرية وقدمت تفاصيل في الوصف، لكن ما المعيار الذي فكرت فيه أثناء كتابتك بعض الجمل بالعامية الفلسطينية، هل تفكر بمستقبل اللغة وأنت تكتب، أو أنك تريد اللغة أيضا من الواقع الذي تكتبه؟
لا بد أن تخرج اللغة في الأدب من الواقع الذي نعيشه طالما أن الأدب يحكي عن هذا الواقع. لكني أميل إلى أن يكون النص حصراً بالعربية الفصحى طالما أنه يُقرأ. بالنسبة لي، لن أقرأ نصوصاً كاملة بالعامية الفلسطينية أو غيرها، قد أسمعها ملقاة، لكني لن أقرأها. في اللغة العربية تراكيب ومفردات غاية في الجمال، لن تصلها قدرات اللهجات المحكية. لكن الحوارات القصيرة ضمن قصة أو رواية، أفضّلها بالعامية. قد أكون على خطأ، لكن العامية البسيطة والقليلة هنا ستخلق نكهة محلّية للنصوص، لا بدّ منها.
تم حذف السؤال/الجواب التالي في الجريدة..
– ألم يكن لديك هاجس أن تتعرض مجموعتك للرقابة خصوصا أنها طبعت في الأدرن في هذا البلد الذي ما زال متشدداً؟
طبعاً. حال الحريات الإبداعية في ظل الأنظمة السياسية والاجتماعية والدينية في بلادنا العربية بائس جداً. بصراحة لست من اختار دار النشر، كما تعلم فمخطوط الكتاب شارك في مسابقة مؤسسة القطان للكاتب الشاب وفاز عن القصة القصيرة واتفقت المؤسسة مع دار الأهلية لنشر جميع المخطوطات الفائزة عن جميع المجالات. هنا لا بد من الإشارة إلى أنه لم يكن هنالك أي تدخّلات في النصوص، لا من القطّان ولا من الأهلية. كان للقطان اقتراحات بشأن بعض التعابير التي قد تُعتبر خادشة للحياء، لكني أصريت على إبقائها وبقيت. حتى غلاف المجموعة، هو اقتراح دار النشر، ولعلّه من بين أجرأ ما صُمّم كأغلفة كتب عربية، وقتها زاد قلقي بشأن المنع، فالرقابة قد لا تقرأ النصوص فتفلت منها، أو تقرأها وتغض النظر، لكنها تستسهل حظر الكتاب لرسمة على غلافه فقط، وفي ذلك ظلم أكبر لنصوص الكتاب. لحسن الحظ لم أسمع حتى الآن أن الكتاب قد حُظر، لا في الأردن البلد التي صدر منها الكتاب، ولا في غيره.
– إلى من تعود من كتاب القصة حين تود أن تقرأ.
لا أقرأ بالضرورة القصة أكثر من غيرها، للسينما مثلاً تأثير في كتابة هذه القصص أكثر من القصة. الرواية كذلك، قصائد النثر، أحدهم ظنّ هذه القصص قصائد نثر، لكنها تفتقد للقصديّة والمجانية التي تكتب بها قصيدة النثر، وتفتقد للسرد الذي تكتب به الرواية، وتفتقد لكثير من المنطق الذي قد تكتب به القصة، ليس هنالك لا حبكات ولا كاثارسيس. لا أستطيع أن أسمي لك اسماً واحداً أثّر في كتابة هذه القصص. وإلا لما كان تأثيراً بقدر ما كان محاكاة مقصودة. فعلاً ليس هنالك ما يمكن أن أصرّح لنفسي به على الأقل، بهذا الخصوص. لكني أعتقد بأن الكتابة، والأدب تحديداً، هي خليط من قراءات لنصوص سابقة ومن المزاج الذاتي للكاتب، ولا يمكن فصل هذا الخليط. وأقصد بالنصوص هنا كل أنواع النصوص: لوحات، أفلام، عروض، كتابات.. لعلّ الكتابة هي مجرّد إعادة صياغة ذاتية غير واعية لنصوص تلقاها الكاتب. أحب الفن التشكيلي، الانطباعي منه تحديداً. أحب السينما، الفرنسية والإيطالية منها تحديداً. أقرأ السير الذاتية والنقد والفلسفة وقبل كل شيء الأدب، ولكلٍ تأثيره غير الملموس، لكلٍ حضوره النسبي في ما أكتب.
– سؤال أخير، أي أفق تنتظر لمجلتك “رمّان”؟ وهل هناك احتمال لجعلها مجلة عربية؟ وهل يمكن لمجلة أن تواجه طوفان الانترنت؟
تعرف حال الثقافة العربية وصحافتها. لا أستطيع أن أتوقع الأفق القادم للمجلة. كما تعلم هي مجلة بي دي اف، غير مطبوعة، حاولت تحويلها إلى مطبوعة وبحثت عن داعمين ولم أتوفق حتى الآن، الثقافة في بلادنا هي المشروع الأقل حظاً والأجدر بالفشل تجارياً، أتأمل خيراً. نعم، هنالك سعي بأن تخرج “رمّان” من الحلقة الفلسطينية لتصير مجلة تعنى بالثقافة والفنون العربية إجمالاً، لكن مسؤولية أكبر كهذه تتطلب التزاماً أكبر والمجلة في الطريق لذلك. المجلة انترنتّية بالأساس، أي أنها تستفيد من إمكانات الإنترنت قدر الإمكان، وإن صار لها أن تُطبع، ستبقى على تصالح مع الإنترنت. لا يمكن الآن لأية صحافة إلا أن تكون انترنتّية بمعنى ما. شأن “رمّان” من شأن الصحافة الثقافية العربية، لكني سأبقى معتقداً بتفاؤل الإرادة رغم تشاؤم العقل، على قول غرامشي.
سليم البيك كاتب فلسطيني من قضاء عكا، ولد في ابو ظبي عام 1982، صدر له حديثاً مجموعة قصصية بعنوان: « كرز، او فاكهة حمراء للتشيز كيك» عن دار الأهلية للنشر في عمان ومؤسسة القطان في رام الله. كان صدر للكاتب مجموعة نثرية بعنوان «خطايا لاجئ». سليم البيك يحرر ويصمم مجلة «رمان» التي تعنى بالثقافة والفن الفلسطيني، كما يرسم الكاريكاتير وينشره في أكثر من مطبوعة. عن إصداره الجديد كان هذا الحوار:
..
الاستهلال في مدخل المجموعة لابن قيّم الجوزية يودي مباشرة الى نصوص مبتعدة عن الأفلاطونية، زاخرة بالحسية في أكثر حالاتها رقياً وعاطفة؟
بالتأكيد، لعلّ القصص هذه أبعد ما يمكن عمّا يُعرف بالحب العذري، أو الأفلاطوني. تبدو الشخصيات الراوية فيها، وهي بلسان الرجل كطرف في علاقة على وشك أن تبدأ أو تنتهي، تميل إلى حب المرأة لذاتها، بكل ما فيها من لذّات حسيّة؛ بصرية، وذوقية وطبعاً جسدية، بعيداً عن الفكرة الأفلاطونية في حب الحب، أو حب حالة الحب مع امرأة بعينها أو النساء إجمالاً، وهو ما يشترك فيه جميل بثينة وكازانوفا مثلاً، حب حالة الحب، الأول بعذريته والأخير بمجونه. القصص هنا، وانطلاقاً من ابن قيّم الجوزية في جملته «والعشق مركب من أمرين: استحسان للمعشوق، وطمع في الوصول إليه. فمتى انتفى أحدهما، انتفى العشق»، تحكي أولاً عن حالة عشق حسّية يستحسن فيها الرجل امرأة بعينها، وثانياً عن طمع في الوصول إليها، وفي بعض القصص طمع في استكمال هذا الوصول. والحسية ليست بالضرورة انتهاكاً للروحية في العلاقة، فإنّي أرى الروحية في أكثر حالاتها رقياً، تلامس الحسيّة.
تتلصص على المرأة ومفاتنها في كتابة ذكية وحنونة، أكثر ممّا تحبها فعلاً؟
بالنسبة للذكاء، لعلّه الأسلوب، لا أعرف، أتعبني كثيراً، بُنيت هذه النصوص بالحذف أكثر مما هي بالكتابة، ولعلّ أسلوب التداخل بين الحلم والواقع وما يسببه من التباس هو ما يستدعي وصفاً كهذا إن استُحق فعلاً.
جميل أن يكون التلصص على المرأة حنوناً، أو أن يُنقل هذا التلصص بحنيّة، ما يهمني ذكره هنا هو أن التلصص المتردّد في أكثر من قصة كان خجولاً، لم يكن منتهكاً لخصوصيات المرأة، حرص الرجل في كلّ منها على ألاّ يُفتضح أمره. كما أني أعتقد بأن أي علاقة حب لا بدّ أن تبدأ بتلصّص أحد أو كلا الطرفين على الآخر، قد يغلب التلصص على الحب في كثير من القصص لكني أراه يقود إلى حب بين الطرفين إن استكملا حياتهما لوحدهما بعد انتهاء دوريهما في القصص. لعلّ العلاقة تبدأ أو تستأنف فور انتهاء القصص، هذا ما آمله فعلاً.
تأثير السينما؟
المرض والجمال توأم في مجموعتك، كما لو أن الرغبة خلاص وحيد من فخ الموت، مارأيك؟
في القصص شيء ما يحول دون العلاقة الهادئة بين الطرفين، في بعضها يكون ذلك المرض. الرغبة في الشيء، الطمع الدائم في الوصول إليه، الحالة الدائمة بكل ما فيها من حسّية ستؤجّل الموت حتماً، وستسخّف حضوره إن أتى. لكني أكرّر بأن حياة ما ستبدأ من السطر الآخر، غير المكتوب أسفل السطر الأخير في كل قصة، لا أقول بأن هدوءاً ما يحلّ على العلاقة، لكنه استفزاز ما سيستمر في صيغة حياة ما بين الشخصيتين حالَما ينتهيا من أدوراهما. وقبل ذلك، في الفقرات الأخيرة، هنالك انحراف ما، قطع مفاجئ، أو سطر أخير ليس كالنهاية، أو ليس ما يريده القارئ ربّما.
قد يكون الأدب تفاصيل في النهاية، أكثر مما هو قضيّة، أخبرني أحدهم منتقداً أن لا قضّية تحملها هذه القصص، صحيح، فحالة العشق والرغبة والتوتّر في هذه القصص أكثر هشاشة من أن تحمل قضيّة، أي قضيّة يمكن أن ينقلها رجل على وشك أن يخسر حبيبته؟ أو آخر لا يعرف كيف يصلها؟ أو هي بكل بساطة، بعيدة عنه، أو أنها قُتلت برصاص الاحتلال؟ رجل يحمل حبيبته ودمها يسيل على قميصه، أي قضية يمكن له أن يحمل؟ حالته الذاتية آنذاك ستكون قضيته الأكبر.
أعترف بأن النصوص مثخنة بالتفاصيل، لكني لن أرى المشاهد بأجمل ما يمكن دونما تفاصيلها، ليست هذه القصص بيانات سياسية ولا دراسات أنثروبولوجية، الفردية والذاتية عند الشخصيات والأمكنة حتّى، ستحملها التفاصيل السخيفة المهمّشة، وستشكّل أهم ما في النص الأدبي، أو أهم ما في هذه القصص تحديداً كي لا أعمم. وبخصوص التفاصيل الجسدية، فأنا في حالة إعجاب كبيرة بجسد المرأة، إعجاب وامتنان، ومن ضمن ما استحوذ عليّ أثناء الكتابة هو هذا الامتنان لما هو أكثر الأمور الجميلة سطوة في هذا العالم.
لعلّ القصص كُتبت بأسلوب سينمائي، أو أنها تُقرأ سينمائياً، من أين هذه المشهدية في النصوص؟
لن أتملّص من الاعتراف بتأثير السينما على هذه النصوص، ربّما لأنها، السينما، ببساطة تأخذ الكثير من وقتي، ومن أرفف المكتبة، لكني أرى الكثير من الأدب في السينما كذلك، وبالرجوع إلى السؤال السابق، لعلّ السينما تُبنى على التفاصيل أكثر مما يفعل الأدب، قد أكون مخطئاً في ذلك لا أعرف. سألني أحدهم بعد الانتهاء من قراءته للكتاب إن كنت أكتب نصوصاً سينمائية، لم أفعل حقيقة لكني أستفيد من التقنيات السينمائية في الانتقال بين المشاهد، في الأدب. الأدب أكثر حرية ومرونة في تقنياته من السينما، ولعلي استفدت من هذه الميزة أثناء الكتابة، لكنها تصعّب الأمور قليلاً على القارئ، هنالك انتقال سينمائي بين المشاهد في بعض القصص، هنالك إرباك ما قد يستلزم إعادة قراءة بعض الأسطر أو الفقرات لإعادة استيعابها بإدراك جديد، وأعتذر مسبقاً للقارئ على ذلك، أما في السينما فطبيعتها البصرية تسهّل الأمر كثيراً على المُشاهد. سأعترف لك يا عناية بأني في بعض مراجعاتي لبعض القصص اضطررت لإعادة قراءة فقرات بإدراك آخر حرّضت عليه فقرة لاحقة.
هل مررتُ بأحلام في القصص؟
نعم، هنالك ما يمكن أن يُفهم على أنه أحلام، أو هي فعلاً كذلك. هنالك ما يسبب التباساً بين الحلم والواقع وتداخلهما. أحب كيف، أحياناً، تتبادل الأدوار بين الحلم والواقع في حياتنا، بين الوعي واللاوعي، بين ما وقع فعلاً وبين الديجا فو، هنالك حيوات أخرى في حياة كلّ منّا، وموجودة بشكل أو بآخر في هذه الحياة، يجذبني ذلك، ولن أوفّر أي جمال يمكن مقاربته أدبياً، بغض النظر عن نسبة توفّقي في ذلك.
نرجع إلى الواقع الحسّي المتداخل مع الأحلام، والحسّية الملازمة لنساء القصص…؟
طبيعي هذا التلازم، كي نرجع إلى الحسية في النصوص لا بد أن نرجع إلى المرأة فيها، إلى التفاصيل، تفاصيلها وتفاصيل الحياة المعلّقة بها. هنالك روائح، مذاقات، قهوة، كرز، فريز، بندق، ميرمية، نعناع وغيرها، هنالك الألوان، الموسيقى. وللاحتفاء بالمرأة، بحالة العشق معها، بجسدها، لا بدّ من المحسوس، حتى الروح هنا، تصير محسوسة. اللذة تُدرك بالإحساس، في النهاية.
سؤال الأدب..
الى أيّ مدى تثق بما يشبه «الإعترافات» في مجموعتك؟
بصراحة لا أدري مدى تداخل الوعي باللاوعي، الواقع بالخيال بالرغبة بتقنية الكتابة في هذه القصص، لكنها ليست اعترافات، أعرف أن مغامرة ما تكمن في كتابة نصوص كهذه بصيغة المتكلّم في معظمها، لكني أكون أكثر ما أكون لا مبالياً حين أكتب، لا مبالياً بما هو خارج ذاتي، ليست أنانية بقدر ما هي تماه مع وإخلاص للنص. القارئ لا يهمّني أثناء الكتابة، لن أكترث لأي اعتبارات أثناءها، لكني أتلقّى الهمّ مضاعفاً بعد النشر، تماماً كمن «يرتكب معصية» يعرف سيحاسب عليها، ويذهب في معصيته إلى أقصاها، وإن كان لا بدّ من همٍّ فليكن لاحقاً، مهما عظم.
أليست المنطقة التي أدخلت فلسطين إليها عبر قصصك، غريبة عمّا عرفناه في الأدب الفلسطيني؟
أعرف أن الكثيرين لن يتقبّلوا ذلك، لكن هل في فلسطين ما يناقض الإيروتيكا مثلاً، أو ما يناقض علاقات الحب بما فيها من حسّية وروحية؟ لا أعرف أولاً كيف يُعرّف «الأدب الفلسطيني»، تبعاً للقضية أم للجغرافيا؟ في أي مكان آخر في العالم هنالك سينما وأدباً تُعرّفا تبعاً للبلد الخارجة منها، جغرافياً. في فلسطين الأمر مختلف على ما يبدو، القضية عندنا تغلب، وأحب ذلك، أي أن الأدب الفلسطيني هو ما يتعامل مع القضية لا ما يخرج من أهل هذه البقعة الجغرافية، كانوا فيها أم لاجئين عنها. لكن يعيب على الفلسطيني أن يخرج عن نطاق هذه القضية بمعناها المباشر. الفلسطيني ليس مناضلاً بالضرورة، ليس مناضلاً بالفطرة وليس هنالك ما يلزمه اكتسابها. «كرز… تشيزكيك» ليست عن القضية، لكنها عن حبّ الحياة لِـ وفي ومن أجل هذه الأرض، فلتذهب القضية إلى الجحيم، قضيتي هي الأرض، تحديداً، وكلاجئ فلسطيني، الحياة على هذه الأرض.
الفلسطيني ليس كائناً مهذّباً، ولا مخصيّاً، وكما ذكرت في إحدى القصص «جيّد أن للفلسطينية أثداء غير تلك التي ترضع الأطفالَ لتصنع منهم شهداء وأبطال». قد يبدو غريباً أن أقول بأني أرى جانباً إيجابياً في الاقتتال بين فتح وحماس، أنه أظهر للعالم كم نحن بشراً، لسنا أبطالاً ولا قدّيسين، نحن نقتل بعضنا لمصالح حزبيّة، فينا القذرون والزعران كما الأبطال. كتبت هذه القصص أثناء وبُعيد الاقتتال، ولعلّي الآن آثناء إجابتي هذه انتبهت إلى أن هذا الاقتتال حرّرني في الكتابة، لن أكون غريباً إذن حين أحاول كتابة أدب إيروتيكي وأكون فلسطينياً، لو تعرفين كم أحسد الشعوب والأدباء حيث لا قضايا كبيرة تشغلهم.