All posts filed under: الأولى

«ملعونو الكومونة»… ١٥٠ عاماً على الثورة الباريسية

تتناول الأعمال السينمائية، روائيةً ووثائقيةً، الأحداث التاريخية بشكل متواصل، وكلّما علت تاريخيةُ الحدث تكثر تلك الأعمال، ذلك يتعلق طبعاً بكمية الإنتاج السينمائي في بلد تلك الأحداث، ونوعيته. في فرنسا مثلاً، حيث للسينما صناعة متقدمة، يسهل أن نجد أفلاماً عديدة تناولت الثورة الفرنسية، واحتلال النازية لفرنسا، والمقاومة الفرنسية (الشيوعية تحديداً) آنذاك، وثورة أيار ١٩٦٨، وكذلك، وبشكل خاص، كومونة باريس التي نمر هذه الأيام بذكراها المئة والخمسين.

أفلام فلسطينية… غابت الحكاية فتناسخت الأحداث

يمكن، في الحديث عن الأفلام الفلسطينية، عموماً، منذ اتخادها طابعاً روائياً متسارعاً، متعجّلاً مرّات كثيرة، ما بعد العام ٢٠٠٠، وقد كانت بطيئة، في تطوّرها، منذ أفلامها الروائية الأولى في الثمانينيات والتسعينيات، يمكن، في حديث كهذا، ودون أدنى جهد، ملاحظة عامل مشترك في معظمها، هو ترهّل الحكاية فيها، تشتت الحبكة، وتحوُّل الفيلم إلى أحداث بصرية متتالية تعتمد على سياقها الفلسطيني الضّامن، إلى درجات معينة، لإثارةٍ هنا ولحظات انعطافية هناك، حيث التناقض الباعث لذلك حاضر دائماً بين طرفيه: الفلسطيني والإسرائيلي.

حسين الباحث في السّماء عن نوافذ يخرج منها

فتحَ حسين طاقةً في جدارٍ عظيم راكمت حجارتَه وعمّرتْه رواياتٌ لكنفاني وحبيبي وجبرا وآخرين، جدار أعلاه شعرُ درويش، وآخرين، ونثرُه. بين هؤلاء البنّائين، كان أصغرُهم سنّاً، أشدُّهم حداثة، أكثرُهم غرابةً واغتراباً، يحفرُ، مستعجلاً وقد ارتأى أمامه رحيلَه الباكر، في الجدار، طاقةً بكلّ عدّته: الشعر والنثر، الرواية والقصيدة والأغنية والفلسفة والنقد. يكتب بأيادٍ تحيطه، تملأ فضاءه، لا تهدأ، كإلهة الحرب الهندية، دورغا، التي تعارك بعشرة أذرع، أكثر أو أقل، في كلَّ الاتجاهات من حولها. كان حسين يعارك مرضَه في كلّ اتجاهات الكتابة، وكان يعارك اتجاهات الكتابة الفلسطينية ذاتها، بكل طاقاته اللغوية والفكرية. وهو، بعدّته تلك، تقصّد ذلك أم لم يفعل، فتح في الجدار العظيم منفذاً لضوء، لنسمّه أزرقَ، استحضاراً لكتابته ولسمائه العالية.

السينما الفلسطينية وسؤال الهوية… أيّ أفلام تصنع سرديتها؟

لا يتعلق سؤال “ما هي السينما الفلسطينية؟”، في الإجابة عن هويّتها، بدوَل الإنتاج. تدور نقاشات حول أفلام فلسطينية لا يُذكر اسم فلسطين كجهة إنتاج لها، لا يظهر في خانة “الدولة” الظاهرة برفقة اسم المخرج والكاتب والسّنة وغيرها. أساساً، ليست خانة “الدولة” هذه إحالة إلى الفيلم إنّما إلى الدول المنتجة، أي الممولة، الدول التي تنتمي لها الشركات المساهِمة في إنتاج الفيلم، وليس الفيلم. والتعامل الاستهلاكي مع الفيلم، وحده ما يمكن أن يحيل الانتماء إلى جهة التمويل.

«السنوات الـ ٥٤ الأولى» لآفي مغربي… الاحتلال كآلة مُمنهَجة

نبدأ من العنوان، فلا يصلح تناول فيلمٍ لمخرج إسرائيلي، يحصر موضوعَه في القسم المحتل من فلسطين عام ٦٧، دون التنويه إلى التالي: ليس في الفيلم إشارة إلى أنّ الاحتلال الإسرائيلي، بطبيعته الإحلالية والاستعمارية، قد بدأ عام ٤٨. وهذا مأخذ أساسي لمشاهدٍ فلسطيني لأيّ فيلم إسرائيلي ينتقد الاحتلالَ ولم يعُد بموضوعِه، ولو تنويهاً، إلى عام ٤٨.

أفلام الثورة الفلسطينية… استعادات معرفيّة راهنة 

بقى التلقي للأفلام الفلسطينية، أو فهم السينما الفلسطينية، اليوم، ناقصاً ما لم ندرك بواكير هذه السينما، لا بمشاهدتها، فما كانت مشاهدة الأفلام يوماً كافية لإدراكها، بل بمعرفتها، المعرفة التي تكون المشاهدةُ المكوّن الأساسي لها، وباستيعاب سياقها السياسي والاجتماعي والفني، كمرحلة أولى من سيرورة تصل بنا، تباعاً، إلى الأفلام الفلسطينية اليوم.

«الأساطير الكبرى» سرد الملحمة الإغريقية من خلال فنونها

تقدّم الأعمال الفنية الدامجة لأكثر من نوع، تجربةً خاصة، تتخطى كلَّ نوع على حدة، في تناوله للموضوع عينه. تتخطاه تجربةً، لا جودةً بالضرورة، تكون تجربة جديدة أو مختلفة عن التقليدية مقدمةً موضوعَها بوسائط هي نتاج دمجها بغيرها. من هذه الأعمال هو المسلسل التلفزيوني الفرنسي «الأساطير الكبرى» (Les grands mythes، ٢٠٢٠) المعروض حالياً على قناة ARTE.

الفيلم كمنتَج معولَم، والعالم كمشاهدين فلسطينيين

طرحت الظروف المرافقة للوباء، أمام المشاهدين، ظروفَ مشاهَدة جديدة، بدت، لوهلة ما، طارئة، إنّما، كما تشير أرقام حول شيوع أفلام منصّات الستريمينغ، ومعها تفاعل النّاس/المشاهدين مع “مهرجانات” افتراضية وإتاحات لأفلام على الإنترنت، نرى أن لا طارئ هنا، وأن الحال كما كانت عليه خلال العام البائس، ٢٠٢٠، مستمرة نوعاً ما، فيما يتعلق بطبيعة المشاهدة للأفلام، لكن هذا الكلام يخص الحالات الطبيعية للسينما في العالم، وليس في بلد لا عادة مشاهدة سينمائية فيه، كفلسطين.

بالأبيض والأسود… أفلام جديدة بخيار جمالي قديم

كثرت، في السنوات الأخيرة، الأفلام المصوّرة بالأبيض والأسود، وهذا من محاسن السينما المتبدّلة في كلّ حالاتها، دوماً، بجماليات جديدة أو قديمة مستعادة. وهذا ما يدعو إلى القول إلى أن التصوير بالأبيض والأسود لم يعد تمثيلاً لزمن الإنتاج، أو لم يعد إحالة إلى مرحلة قديمة من عمر السينما. وهو، الأبيض والأسود، لم يكن أساساً كذلك إلى سنوات قليلة بعد إشاعة التصوير الملوّن (التكنيكلر)، حتى طغت الألوان وتراجع تماماً الأبيض والأسود، ليعود في العقدين الأخيرين بشكل خجول، وفي السنتين الأخيرتين بشكل أكثر حضوراً، مرسّخاً فكرة أن الأبيض والأسود خيار فنّي وليس اضطراراً زمنياً.

«مالكولم وماري»… حوارات دون ثرثرة

قد تكون، لبعض المشاهدين، أفلامُ الفرنسي إيريك رومير غاية في الملل، البعض يسميها ثرثارة. وهذه “الثرثرة” ليست عابرة في فيلم أو اثنين، بل ممتدة وفي عموم منجَز رومير السينمائي، ما جعلها أسلوباً له مميزاً لأعماله. لكن، إحالاتها إلى الأدب، وتحوّلها مرّات إلى حوارات أدبية، يمكن أن تُقرأ (كما يمكن أن تُشاهد في فيلم) خلع عنها سمة الثرثرة، فليست الحوارات الطويلة والكثيرة في الفيلم ثرثرة، وليس الفيلم، على كل حال، تصويراً لأحداث وحسب، بل عمل فني/سينمائي مبني على كلمات تماماً كما هو على صور.

“ثلاثيات” سينمائية مقترحَة… بديلة للمسلسلات

لا تكون خسارة السينما، خلال عام الوباء، ٢٠٢٠، بإغلاق صالاتها وحسب. لسنا هنا أمام مطاعم تستقبل زبائنها لتبيعهم وجباتها الثابتة ولا أمام متاحف تستقبل زوّارها لتعرض لهم تشكيلتها الثابتة، تُغلَق وتُفتَح لاحقاً لتعود تدريجياً إلى حالتها السابقة. صالات السينما أشد تعقيداً في علاقتها أولاً مع الجهة المورّدة للأفلام (إنتاج وتصوير وتوزيع…) وثانياً مع روّاد الصالات وهم زبائن وزوّار بمعنى مزدوَج، هم كذلك -وهذا الأسوأ- معرّضون إلى بديل لهذه الصالات، بديل كان موجوداً كحالة ثانوية ما قبل الوباء والحجر، وصار اليوم حالة أساسية، وقد تراجعت الصالات، أو عادةُ الذهاب إلى السينما، لتكون اليوم عادةً ثانوية أو، حتى، مهجورة.

السرديّة الفلسطينية للنكبة والدخول في المجال الروّائي

لا فرصة للمصدوم، في الخيال. حالما يستعيد وعيَه، أو توازنه، أوّل ما قد يفعله هو التوثيق. وحديثي هذا يخصّ الصدمة الجماعية أولاً، والرد الفعل الفنّي ثانياً. بتحديدٍ أكثر، يخص النكبة وحالة التراوما التي دخلها الشعب الفلسطيني بقسمَيه، داخل الوطن وخارجه، ورد فعله الفنّي/الثقافي على ذلك.

«٢٠٠ متر»… الطبيعة الصامتة كفيلم طريق فلسطيني

ينطلق الحديث عن هذا الفيلم من زاويتَين، الأولى أنّه (شكلاً فقط) “فيلم طريق” وهو بالتالي فيلم انتقالٍ مكاني وزماني وشخصياتي. الثانية أنّ هذه العناصر الثلاثة (المكان والزمان والشخصيات) تكون في ظروف غير عادية، أو -كما سنرى- هي معاكسة للعادية، وذلك لسياقها الفلسطيني، ما يجعل فكرة “فيلم الطريق” في «٢٠٠ متر» جديرة بالبحث.

الحداثة الباكرة والزمن الفلسطيني المقطوع

ما هو بعد النكبة ليس كما هو قبلها. هذا إدراك فلسطيني عام ينطبق على المجالات الحياتية كافة، وهو مكوِّن أساسي للهوية الفلسطينية اليوم. حدثٌ انعطافي في حياة شعب، كانت له آثاره التراوميّة على من بقي منه في أرضه وتحت حكم عسكري، وعلى من تهجّر وعاش حياة المخيمات، وذلك في السنوات اللاحقة لعام ٤٨. امتدت الآثار تلك إلى أن تشكلت خلايا ومن ثم تنظيمات الثورة الفلسطينية، لتكون هي كذلك مكوّناً أساسياً للهوية وثانٍ، بل ناتج عن المكوّن الأول، النكبة.

محمد بكري في “جنينه”… الرائحة المبثوثة من المَشاهد

ضمن المتوقَّع، صدر الإثنين قرار المحكمة الإسرائيلية في مدينة اللد، بمنع عرض فيلم «جنين جنين» لمحمد بكري، الوثائقي الذي صوّر حالة المخيّم وأهله بعد الاجتياح والمجزرة عام ٢٠٠٢. وشمل القرارُ تغريم بكري مالياً ومصادرة كل نسخ الفيلم. القضية المستمرة منذ بدء الملاحقات السياسية والإعلامية والقضائية عام المجزرة وإنتاج الفيلم، تتخطى فيلمَ بكري وشخصه إلى عموم الصراع مع الاحتلال، وكان بكري، هنا، في الواجهة منه سينمائياً. تجرأ وأنجز هذا الفيلم الذي مسّ، بأسلوبه وموضوعه، واحدة من الأساسيات التي بنت الصهيونية عليها خطابها الفني، سينما وأدباً.

مارون بغدادي وفيلمه اللبناني الطويل

كي نفهم، أكثر، الحالة الاجتماعية والسياسية الراهنة، لأي بلد، يمكن للعودة إلى أفلام هذا البلد الأولى أن تقدم اقتراحاً أو مدخلاً لذلك، وكلما كان البلد في وضع مضطرب أكثر، وكلما كان هذا الاضطراب مزمناً، ما يعني امتداده، من زمن تلك الأفلام، منذ ما يقارب نصف قرن تقريباً -مثلاً- إلى زمننا الراهن، زادت كفّة تلك الأفلام، وزادت الحاجة إلى العودة إليها، لفهم لا ما وصل إليه البلد اليوم كمرحلة منفصلة عن سابقتها، بل لفهم السيرورة التي أودت بالبلد إلى ما هو عليه اليوم. وهذا ما نلمسه بمشاهدة أفلام اللبناني مارون بغدادي اليوم.

“تغريبة” حاتم علي الفلسطينية… صورةُ النكبة في أذهاننا

الحديث عن غياب النكبة، كحكاية، في السينما الفلسطينية، يعيدنا إليه رحيلُ المخرج السوري الجولاني الفلسطيني حاتم علي، وهو صاحب العمل الأشمل في تناول النكبة الفلسطينية في السينما والتلفزيون. الأشمل لطبيعة المسلسل (٣١ حلقة، ٥٠ دقيقة لكل منها) بالمقارنة مع السينما، فتناولُ النكبة، أو عامَها، يستلزم مراحل سابقة لها وكذلك لاحقة، كتصوير زمن الاستعمار البريطاني وما تخلله من هجرة يهودية إلى فلسطين، وما رافق ذلك من مواقف وهبّات وتوتّرات، وتحديداً ما لحق النكبة، وفي السنوات الأولى بعدها وقد دخل أكثر من نصف الشعب الفلسطيني حياةً ثانية في اللجوء والمخيمات. فلا يمكن سرد النكبة، بشمولية نسبية، سوى بتصوير لما سبقها وما لحقها، وهذا ما يعطي المسلسل، لطبيعته، صفة الشمولية مقابل السينما المحصورة، عموماً، بساعتين أو ثلاث أو أكثر إن سُمحَ للمخرج (لأسباب إنتاجية وتوزيعية) ذلك.

السينما في عام الوباء… كآبة المُشاهدة

غالباً ما تكون الاستعادة مَهمّة أشد صعوبة من المزامنة، في تلقي العمل الفني والتفكير به، فتكون إعادة التلقي أو استعادة التلقي الأوّل، مشروطةً بظروف يمكن أن تغيّر من التقييم، فلا يكون الفيلم الأفضل، مثلاً، لدى مُشاهد (نقديٍّ، لنقُل) في مرحلة ما من العام، ٢٠٢٠، الفيلمَ ذاته في مرحلة أخرى. يتعلق ذلك، بطبيعة الحال، بما يليه من أفلام مُشاهَدة، وبالمقارنات وتعبئة لوائح الأفضليات. لكن يتعلق، لطبيعة التلقي النقدي، بعملية الاستعادة التي تستلزم زمناً يحول بين التلقي الأول والثاني، فتكون الانطباعات راقت والتفكير أخذ مساحته، أو كما يُقال: “راحت السكرة وجاءت الفكرة”.

الوباء في مراحله… المعبر إلى العالم الآخر

لأن الحياة ليست أدباً، هي لا تنتهي. هي ليست رواية لها فصول أخيرة ولا كتاباً له غلاف خلفي. قد يتساءل قارئ عن إمكانية توالي روايات لبعضها. الحياة تستمر بعد الانتهاء من الصفحة الأخيرة في رواية ما، تكون ديستوبية، فيبعث إغلاق الكتاب على راحة محقَّقة. تكون الرواية كابوسية منتهية تشبه عالمنا اللامنتهي، فرغت صفحاتها وبقينا، نحن قرّاء وأحياء، عالقين في ديمومة لحالة الديستوبيا التي نعيشها، المتطوّرة في مراحلها. هذه المراحل قد نجدها في روايات أخرى، كأنّها، الروايات، تستلم العوالم من بعضها لتسرد فيها حكايات جديدة، تتلو، والحال هذه، التي سبقتها، لتحكي، معاً، عن عالمنا، نحن القرّاء.

أورسون ويلز كموضوع هوليوودي في «مانك»

أورسون ويلز لا ينتهي، السينمائي الأمريكي صاحب أحد أهم الأفلام في تاريخ السينما، «المواطن كين» (١٩٤١)، وصاحب غيرها هي كذلك من الكلاسيكيات، «السيدة من شانغهاي» و «لمسة شر» و«أوثيلو» وغيرها. ويلز لا ينتهي كذات سينمائية، وكموضوع سينمائي. كذات إذ أُنتج فيلمه «الجانب الأخر من الريح» وخرج عبر “نتفلكس” إلى المشاهدين، قبل عامين، فيلم لم يكمله ويلز قبل رحيله عام ١٩٨٥. وكموضوع إذ خرج فيلم «مانك» لديفيد فينشر قبل أيام عبر المنصة ذاتها، متناولاً “قصة” كتابة السيناريو لـ «المواطن كين»، الفيلم الذي نال جائزة أوسكار واحدة كانت للسيناريو، تناصفها كل من ويلز والسيناريست هيرمان مانكفيتز، الذي يروي فيلمُ فينشر “قصّة” كتابته للسيناريو.

في فرنسا العلمانية… الصلاة أولاً، ثم الفنون

لم ينته، بعد، عام ٢٠٢٠. لكن، وفي الوقت بدل الضائع، والعام كله كان، بشكل ما، ضائعاً، مانزال نقرأ أخباراً تؤكّد -أكثر- على المكانة الهامشية للثقافة ومساحاتها، المكانية والزمانية. أخبارٌ تنفي عن الثقافة -أكثر- قيمتَها كأساسيات في حياة الأفراد والمجتمعات وكضرورة حياتية.

«سوبورّا»… استعادة إيطاليّة لسينما المافيا

نعرف أنّ السينما الأمريكية هي التي شكّلت، أكثر من غيرها، في ذاكرتنا السينمائية، صورةَ المافيا، عوالمَ وعناصر وأحداث. وتناسخت أفلام هذه السينما عن بعضها تلك العوالم، حتى الأزمنة وما يرافقها من أزياء وسلوك عام، كانت متماثلة في هذه الأفلام، فبنجاح فيلم يتبعه آخر وآخر. ترسّخت مع السنين هذه الصورة، ليكون المافيوزي أو عنصر المافيا، غالباً، بملابس قاتمة، معطف طويل وبدلة وقبعة وصدريّة وإشاط جلدي لحمل المسدس ونظارات سوداء، ويكون بسيغار، بنساء، بحياة باذخة، بسيارات ومرافقين، وغيرها من التمثيلات التي ترسّخت بالتراكم لدى هذه السينما، وبالتالي صعبَ على غيرها الخروج عنها وتصوير عناصر مافيا بأشكال جديدة مقابل جمهور “كبرَ” وتعوّدَ على صورة معيّنة لعناصر المافيا، الإبقاء عليها يضمنُ جمهوراً ثابتاً، وتغييرها يغامر بهم.

الكتب كمالياتٌ والمكتبات تُعارك

سؤال زياد الرحباني الدائم، في أيهما أطيب: الثقافة أم المناقيش، ومعه جوابه الدائم كذلك: المناقيش، يُستعاد في أيام الحجْر الصحي والإغلاق التام الذي يعيشه العالم بدرجات ومراحل زمانية ومكانية متفاوتة. وهذا التفاوت بحالاته، يوافق زياد ويتخطاه في أنّ الثقافة ليست أقلّ طيبةً فحسب، بل هي ومساحاتها من الصالات إلى المسارح والمكتبات، ليست من الأساسيات.

إزعاجُ الصورة للذهن… خادماتُ آتوود وخيلُ نابليون

في فرنسا عادةٌ سيئة لدى دور النشر، هي تغيير غلاف رواية ما، وقد نُقلَت إلى فيلم، ليصير الغلاف صورةَ “النّجم/ة” في الفيلم أو تفصيلاً من ملصقه، فتسَيطر الصورة على الكلمة، والشاشة على الخيال. ولا يقتصر ذلك على فرنسا، حيث للكتاب عموماً، وصناعته، حالٌ أفضل منه في بلدان أخرى (حمايةُ سعر الكتاب، مثلاً)، فهنالك طبعات (إضافة إلى الفرنسية) إنكليزية من رواية الكندية مارغريت آتوود «حكاية الخادمة»، The Handmaid’s Tale (١٩٨٥)، مأخوذٌ غلافها عن المسلسل الذي نقل الرواية إلى الشاشة وبالعنوان نفسه (٢٠١٧)، إذ تشغل الغلافَ نجمةُ المسلسل إليزابيث موس. وبالعربية، نجد طبعة الرواية ناسخةً الغلافَ “المسلسليّ” ذاته، مع عنوان “مُعرَّب” بتفاهة ذكورية صارت فيه “الخادمةُ” “جاريةً”.

«بيروت ٦:٠٧» لكارول منصور… صورة مفتَّتة للكارثة

مع كل كارثة، قد يتساءل أحدنا: أي فيلم يمكن أن يصورها؟ أي عمل توثيقي، بحدوده الشكلية، يمكن أن يحكي عنها؟ تبقى تلك الحدود (إطار الكاميرا، الصورة والصوت، مدة الفيلم، المادة المصوَّرة…) عاجزة عن تناول الكارثة بكامل أبعادها. لذلك، يذهب بعض صنّاع الأفلام إلى تفاصيل محدَّدة من عموم تلك الكارثة، تفاصيل بزمان ومكان محددَين، يكون السياق فيهما حالةً متأثرة بالكارثة. لكن، بذلك، يبقى توثيق الكارثة فيلميّاً مقصوراً على ظروفه، فالحالة المصوَّرة هنا قد تكون استثناءً، قد تكون مغايِرة، متمايزة عن الباقي بأضرار أقل أو أكثر.

«دم زيوس»… الأسطورة بثيمات لونيّة

بعد تجربة مخيّبة في مشاهدة مسلسل «دارك» (ظلام) الألماني على نتفليكس، وكان مضيغةً للوقت، كان لا بد من تفادي مشاهدة مسلسلات لفترة على هذه الشبكة، التي يصعب أحياناً إيجاد الجيّد فيها، ضمن تزاحم الممل والمبتذَل والاستهلاكي، ومن الجيد أنها ليست مصدر المشاهَدة الوحيد، خصوصاً في حالة الحجر التام، الذي دخلته فرنسا مجددا، وبعضٌ من دول أوروبا.

نفيُ الشّر في «لا وجود للشيطان»

قد لا يكون انتقاد الشر، أو نقضه ونفيه، أكثر جلاءً من حالة أو سياق أو قصة تكون في جزئياتها أبعد ما يمكن عنه، تكون إنسانية، عادية، روتينية، رتيبة ربما، بلا مفاصل سردية تفتح للشر منافذ يدخل منها، حالة يعيشها أحدنا في يومه العادي، الخالي من أي تدرّجات يمكن أن تصل، أخيراً، إلى لحظة شر، أو لحظة لا تكون الحالة (السياق/القصة) بعدها ما كانته قبلها.

“أيام فلسطين السينمائية”… فلتستمر العروض ولو بمشاهدٍ واحد

هنالك عند الكثيرين إصرار على مواصلة الحياة الثقافية بالشكل الممكن والحد الأدنى لمواجهة اجتياح العادات الجديدة التي رافقت جائحة فيروس كورونا، عادات ثقافية شملت الفضاءات العامة حيث للعمل الفني مساحة لتلقّيه تكون جماعيةً، من معرض فنّي إلى صالة سينما إلى ساحة رقص وخشبة مسرح.

فرانز كافكا وأورسون ويلز… نقرأ أولاً أم نشاهد؟

يشاهد أحدنا أكثر مما يقرأ. يصحّ ذلك أكثر متى حصرنا المشاهدة بالأفلام والقراءة بالكتب. سيصعب هنا الخوض، وتفصيلاً، في كل أسباب تقدم المشاهدة على القراءة، لكن يمكن لمفردات أن تشي ببعضها كالتكاسل، التسلية، الترفيه، الإتاحة، التشاركية، وغيرها.

لويس بونويل… السريالية في فانتازمات نهاريّة

هنالك تيارات في السينما، لها رموزها، روّادها ومن ثمّ المتأثرين بهم. وهنالك لويس بونويل، الإسباني الذي كان بمفرده تياراً، ودون متأثرين أو مريدين ينسخون، بأساليبهم، سينماه لخصوصية هذه السينما ربما وصعوبة نسخها. لكن، لهذه الخصوصية كذلك ولتمايز سينماه عن غيرها، يسهل إحالة مَشاهد هنا وهناك، بسياقات منفصلة، إلى أفلامه التي صار الكثير من مَشاهدها مرجعيات -وإن عصيّة- لغيرها.