الكاتب: Saleem Albeik

“مهرجان رفكين” لوودي ألن… فيلم أوروبي آخر

صار وودي ألن عالة على نفسه، أو صارت أفلامه عالة على عموم منجزه السينمائي. لا يحط الكلام من قدر فيلمه الأخير “مهرجان رفكين”، بل هو للقول إن إرث ألن السينمائي، حمّل كل جديد له ذلك الثقل المتراكم كمياً بغزارة إنتاج خاصة، والمتراكم نوعياً إذ لا يمكن تحييد بعض أفلامه، في السبعينيات والثمانينيات تحديداً، عن أي حديث عن أفلام طبعت سينما القرن العشرين. استسهال ألن في صناعة الأفلام، بشكل شبه سنوي في العقدين الأخيرين، قلل من قيمتها في مقارنتها مع سابقاتها. وهذا ما يتوجب الانتباه إليه في تقييم كل جديد لألن. إذ لا يمكن توقع “آني هول” آخر مع كل جديد، خاصة أن أفلام العقد الأخير تتالت ضمن أسلوب واحد ومواضيع وشخصيات متماثلة، كأنها، كلها، في مبنى واحد حصل فيه هذا الفيلم اليوم وذاك غداً.

“فلسطين الصغرى” لعبدالله الخطيب… المأساة بصورتها المكثفة

ينحصر الحديث عن السينما الفلسطينية، عموماً، في تلك التي تصوّر أحداثاً وحكايات في فلسطين، فأي فيلم يمكن أن يخطر لأحدنا من هذه السينما، سيكون قد صُوّر هناك، وكذلك الحال مع ثاني وثالث فيلم، وأكثر. ما لم يتقصّد أحدنا البحث في ذهنه عن فيلم فلسطيني خارج فلسطين، قد لا تنتهي به العناوين لأفلام وثائقية وروائية وُسمت بالفلسطينية.

“مهرجان عمّان السينمائي”… احتفاء بسينما المستقبل العربية

تحتفي عموم المهرجانات السينمائية بالنجوم، مهما حاولت تفادي طبيعة الحدث الاحتفالي. تُقدّم الأسماء اللامعة، وهي في غالبها ممثلات وممثلون، إلى واجهة الحدث، وهو المنطق ذاته الذي تتصدّر فيه أوجهُ النجوم بوسترات الأفلام، وتكون لأفلام تقوم على اسم ممثل أو اثنين، تراهن عليه، قد تكون على حساب فنية العمل وجودته. أما الأخيرة هذه، فلا تعتمد على أوجه الممثلين، المتراوحة ما بين الألفة والهوس، لتقديم الفيلم، بل على الفيلم بصفته عملاً فنياً درامياً، له عنوانه وقصته وشخصياته وأساليب إخراجه وتصويره ومَنتجته وغيرها من العناصر المكوِّنة لما سيصير فيلماً، دون الاطمئنان، في تواضع العناصر، إلى نجم أو نجمة في الواجهة قد يرمّم بوجهه نواقص الفيلم.

«طنطورة» لألون شوارتس… الفولكلور مقابل التاريخ

في فيلم الإسرائيلي ألون شوارتس الوثائقي، «طنطورة» (٢٠٢٢)، المبني على بحوث وتسجيلات ومقابلات، يقول أحدهم إنه “لا يصدّق الشهود”، أيّ شهود، وإن “كلامهم صالح للفولكلور وليس للتاريخ”. هنا، الفارق ما بين الفولكلور والتاريخ، هو ما يمكن أن يلخّص التناقض ما بين السرديتين الفلسطينية والإسرائيلية، وهو ما يحاول هذا الوثائقي الخوض فيه، في تقابل التاريخ مع الفولكلور. فالأول يكتبه المنتصر والثاني يحكيه المهزوم، الأول مدوَّن والثاني شفهي.

سينما عربية بصفتها فلسطينية… «فرحة» و«الغريب» و«أميرة»

منذ بدايات تناول السينما الروائية العربية للقضية الفلسطينية، أواخر ستينيات القرن الماضي، مروراً بسبعينياته وحتى اليوم، انقسمت الأفلام، أو الآراءُ النقدية حيالها، إلى التجاري بالمعنى القيَمي، والفني والجدّي معنىً جمالياً ومقولةً سياسية. فلا تحكُم في الفيلم جودةُ العمل، سينمائياً، وحسب، متى تعلّق بالقضية الفلسطينية، بل، كذلك، جدّية الطرح، والجدية هذه غير المقولة السياسية وإن جاورت إحداهما الأخرى. المقولة تكون واضحة في الخلاصات التي يقدّم بها الفيلمُ القضية، أما الطرح فقد يكون جدياً إنّما بمقولة تعايشيّة أو تطبيعيّة، أو أسوأ.

الذاكرة والقصة والموسوعة

جزء أساسي من القصور في علاقة الفلسطينيين بسرديتهم والتمكن منها وإيصالها، أو إتاحتها إلى العالم، تكمن في مصادر هذه السردية، والقطع ما بينها وبين الفلسطينيين الساعين إلى التمكن منها وإلى إيصالها. هذه المصادر وهذا الأساس هو المادة الأرشيفية، المواد الدراسية الخام الواصلة من ذلك الزمان، والحديث هنا عن أزمنة تسبق عام النكبة وأخرى تلحقه، حتى ١٩٨٢، عام الخروج من بيروت وفقدان كميات هائلة من الأرشيف المطبوع والمصوّر. بعدها بأعوام، استدرك الفلسطينيون ضرورة التوثيق والسعي إليه، وقد انتبهوا إلى مرحلة الهزيمة التي دخلوا فيها، فكان لا بد من حفظ ما تبقى، ما لم يُفقَد أو يُنهَب.

«ثمانية ونصف» لفلّيني… الهروب إلى الحلم

قد تكون أزمة الإلهام أصعب ما يمكن أن يواجه المبدع (السينمائي هنا)، وهي الفكرة الأساسية في فيلم فدريكو فليني «ثمانية ونصف»، وتُلفظ مباشرة على لسان شخصيته الرئيسية، غويدو، المدرك لأزمته والذي يحاول، من المشهد الأول للفيلم وعلى طوله، التعامل معها بالهرب منها، بمحاولة تفاديها كأنه يلاعبها.

“فرحة” لدارين سلّام… النكبة ضرورةً سينمائية

في الفيلم جديدٌ يمكن الحديث عنه، وهذه نقطة إيجابية أولى فيه. من الآخر: لا تنميط فيه تعوّدناه في أفلام فلسطينية هي ليست قليلة. أهمية الجديد هنا لا تكمن في جدّته أو اختلافه بقدر ما تكمن في صعوبة التوجه إلى هذه الجدة. خرج الفيلم عن الصور النمطية للسينما الفلسطينية، زماناً ومكاناً. كان هذا الجديد (نسبياً). أما الصعوبة في هذه الجدة فكانت في المكان الذي ذهب إليه الفيلم في خروجه عن الصورة النمطية. والحديث هنا عن سياق الفيلم الزماني: النكبة. ما يلي ذلك، ما يلي هذه الجرأة في الخوض السينمائي فلسطينياً، يجُول ويتجادل في ما هو أسفل النقطة الإيجابية العريضة فيه، وتكبر هذه النقطة بأخذنا لعين الاعتبار أن الحديث عن فيلم روائي طويل هو الأول لصانعته.

«حمى البحر المتوسط»… مقدّماتٌ لـ “سينما مها حاج”

اتّخذت مها حاج لنفسها، بفيلمها الروائي الطويل الأول «أمور شخصية»، خطاً منفصلاً متفرّداً عمّا صار يُعرَف بالسينما الفلسطينية، حاملةً جمالياتٍ سينمائية في الشكل وهمومٍ إنسانية في المضمون، مازجةً هذه الجماليات وتلك الهموم بخصوصية فلسطينية، بل محلية نصراوية، معطيةً مثالاً بديعاً على إمكانية التناول السينمائي بمعاييره العالمية، ضمن هذه الخصوصية التي ستكون حيفاوية في فيلمها الجديد «حمّى البحر المتوسط»، هو الفيلم المثبِّت لهذا الخط المتفرد، والرافع من الجماليات والهموم المذكورة، مضيفاً تراكماً نوعياً على آخرَ نوعي. هذا ما سيسمح بالقول: إنّ هنالك ما يمكن تسميته بـ “سينما مها حاج”. أو، على الأقل: إنّ الفيلمين فاتحةٌ لآخر وآخر، ما سيصير يوماً أسلوباً له شكله ومضمونه المتمايزين، يمكن وسمه بـ “سينما مها حاج”، ويُشار إليه بمشاهدة أفلامِ غيرها.

مقابلة مفصلة عن رواية «عين الديك» لموقع “ضفة ثالثة”

صدرت مؤخرًا رواية “عين الديك” للروائي الفلسطيني، سليم البيك، عن دار هاشيت أنطوان/ نوفل في بيروت، وهي الثالثة له بعد “تذكرتان إلى صفورية” (2017)، و”سيناريو” (2019). البيك، المقيم في باريس، يكتب المقالة الثقافية والنقد السينمائي في “القدس العربي”، ويعمل محرّرًا لمجلة “رمّان” الثقافية. في رواية “عين الديك” أسئلة نقدية وجودية حول الواقع المفروض على الفلسطيني في رحلة الشتات واللجوء منذ حرب 1948، هي مرايا الذات الإنسانية وانعكاساتها في لحظات ضعفها وقوَّتها. هنا، حوار معه:

“اقطع” لأزانافيسيوس… أفلام الزومبي موضوعاً للسخرية

ليست أفلام الفرنسي ميشيل أزانافيسيوس، القليلة على كل حال، منتظَرة، لكن اختيار فيلمه “اقطع” لافتتاح مهرجان كان السينمائي هذا العام حمّل الفيلم أكثر مما يحتمل. فكان أقل من المتوقع بصفته فيلم افتتاح لهذا المهرجان، الأهم في تاريخ السينما. لكن، لا يعني ذلك أن الفيلم رديء أو يستحق القول أن في مشاهدته إضاعة للوقت. فالفيلم، بمعزل عن عبء كونه فيلم افتتاح، فيلم جيد وذكي ومضحك وساخر.

رسالة كان السينمائي… رأس المال في فلسطين

الحديث عن الأفراد والمؤسسات والجمهور، في السينما الفلسطينية، يجرّ، في علاقة هذه المسائل ببعضها، إلى حديث عن رأس المال الفلسطيني. هنا يكمن جانب أساسي في أزمة السينما الفلسطينية يتعلق، من ناحية، بالتمويل، وهو قلق أساسي لدى صنّاع الأفلام، ومن ناحية ثانية، بإنشاء دور سينما فلسطينية تكون حاضنة تلقائية لهذه الأفلام وتؤسس لتلك العلاقة اللازمة بينها وبين جمهورها.

رسالة كان السينمائي… الجمهور في فلسطين

في الحديث عن مشاكل في السينما الفلسطينية، وقبل أن يجرّنا الحديث إلى تشعبات في هذه المشاكل، نتعثر، بداية، في المفردة ذاتها، مرجّحين استبدال “أزمات” بـ “مشاكل”، فلا الحديث محدود بما هو طارئ، ولا هو مقتصر على مثال أو اثنين أو عشرة، وحسب، من هذه السينما.

رسائل كان السينمائي… المساحة والهوية

وصلتُ أمس إلى مدينة كان ومهرجانها السينمائي، لسبب واحد هو مشاهدة فيلم «حمى البحر المتوسط» لمها حاج، والإخبار عنه، في “رمّان”. تساءلتُ في الأيام الأخيرة عن السبب في ذلك. أمكن لي أن أشاهده في مكاني، أينما كنت، والكتابة أو التحرير عن الفيلم وحوله. لكني لم أجد سوى إجابة واحدة ولم أبحث من بعدها عن غيرها، كافية لتحريكي وإشغالي ثلاثة أيام لأجل فيلم واحد لي فيه توقّعات.

“ماغنوليا” لبول توماس أندرسون … نموذج الأعمال الأولى

لا تعني التراكمات في عمل السينمائي، بالضرورة، مساراً خطياً وواضحاً تجاه أعمال أنضج وأفضل. كثيراً ما تكون هذه الأعمال أقوى من غيرها للسبب ذاته، وهو انخفاض من منسوب النضج، مقابل ارتفاع في أساسات أخرى للفيلم كالاكتشافية والتمردية على القواعد الموضوعة مسبقاً في صناعة الفيلم، وهو ما يتحول لاحقاً، بأعمال جماعية متراصة، إلى تيار سينمائي كاسر للقوالب والتقاليد المتكرّسة.

«شبح الحرّية» لبونويل… السريالية في وجه البرجوازية

حين يُقال سينما سرياليّة نجد معلّماً واحداً هو لويس بونويل. وعن فيلمه هذا يمكن القول إنّه الأكثر سرياليّة، دون أن يعني ذلك أنّ لا حكاية فيه وأنّ بونويل لم يُحكِم الرّبط بين مفاصل هذه الحكاية، إنّما التنقّلات بين المَشاهد، والمَشاهد ذاتها، وتوصيف بونويل لما هو داخل إطار الكاميرا، كان سريالياً، مفكَّكاً في ظاهره ومتشبّثة، مشاهدُه، ببعضها، في باطنه.

«متروبوليس» لفريتز لانغ… مرجعيةٌ لسينما الخيال العلمي

يُنظر إلى «متروبوليس» كمؤسس لسينما الخيال العلمي في العالم، وقد صدر عام ١٩٢٧، أي قبل قرن من الزمان إلا قليلاً. وهي سمة التصقت فيه وصار تكرارُها تلقائياً، لكن بمشاهدة جديدة له، بمعزل عن التصنيف المكرَّس والمتناقَل، يجد أحدنا أن جانب الخيال العلمي فيه قد بهت، أنّه فيلم كان قبل ١٠٠ عام خيالاً علمياً ليكون اليوم فيلماً واقعياً راهناً يصوّر المدينة كما يمكن أن تصورها أفلام حديثة وراهنة في سياقها.

«فليكن صباحاً»… عودة إلى سؤال الهوية للسينما الفلسطينية

لم يُثر الفيلم أي نقاشات في كونه فيلماً لمخرج إسرائيلي يحكي عن فلسطينيين. ما أثير كان في “إسرائيلية” الفيلم كما تقدّم في مهرجان “كان” السينمائي، ٢٠٢١ (تظاهرة “نظرة ما”)، حين رفض العاملون الفلسطينيون فيه التوجهَ إلى المهرجان وتمثيل الفيلم الذي يمثّل، بدوره، دولة إسرائيل، وأصدروا بياناً نال دعم مخرج الفيلم عيران كوليرين. وقد تناولتُ حينها النقاش في مقالة بعنوان “بيان الفنانين الفلسطينيين حول «فليكن صباحاً»: متى لا يكون الفيلم إسرائيلياً؟” (القدس العربي، ١٣/٠٥/٢٠٢١). من عنوان المقالة تتضح فكرتها، وهي السؤال عن كون الفيلم، أي فيلم، غير إسرائيلي. هنا، في هذه الأسطر، أسأل: متى يكون الفيلم، أي فيلم، فلسطينياً.

الفيلم الفلسطيني بين صانعه وجمهوره… أي علاقة؟

كانت السينما، لطبيعة دورها عموماً، ولخصوصية الحالة الفلسطينية، عنصراً أساسياً لتثبيت صورة الفلسطينيين في أذهانهم قبل أن يكون ذلك أمام أعين المشاهدين. وصوّرت السينما الفلسطينية، منذ الأفلام النضالية في زمن الثورة، الأفراد والمجتمعات الفلسطينية في حالاتها المتنوعة، وفي حساسياتها الوطنية والإنسانية، وفي تفاصيل عيشها إن كان في حكم استعمار استيطاني على كامل التراب الوطني، أو في المخيمات والشتات ومعسكرات الفدائيين. وكان ذلك، دائماً، تَصوّرَ الفلسطينيين لأنفسهم، وتصويرهم لها، فكانت أفلامهم تصبّ في سرديتهم التحررية، المقابلة لسردية الاحتلال وسياساته، والنقيضة لها.

«الظرف الإنساني» لكوباياشي… الملحمة مقابل الحرب

يشاهد أحدنا هذه الملحمة اليابانية ويدرك أنّ الملاحم الجماعية في النهاية قصص أفراد، بقدر ما يمثل هؤلاء الأفراد شعباً بكامل تنوعاته. ملحمة الياباني ماساكي كوباياشي المعنوَنة بـ «الظرف الإنساني» (The Human Condition) التي سطّرها بعمل واحد ممتد على ثلاثة أجزاء طويلة، بمدّة إجمالية قاربت عشر ساعات، نقل فيها حكاية أمّة، لكن من خلال فرد تناقض، في مسيرته وأفكاره وحظوظه، المسيَر الحربي والفاشي لليابان قبل الحرب العالمية الثانية (في الجزء الأول) وخلالها (في الثاني) وبعدها (في الأخير). فرد تناقض مع الأمّة في سياقها الفاشي، فأودت محاسنه، لا مساوئه، إلى حتفه.

«استعادة» و«صيف غير عادي»… ما أكبر الفكرة ما أصغر الفيلم

بدأ الفلسطينيون سينماهم على ما يمكن أن تكون لقطاتٍ هي، في حالتها الخام، أرشيفية. جمّعها صنّاع الأفلام وجعلوا لها ومنها سرديةً تجاورت لأجلها أنواعٌ فيلميّة متفاوتة، من المقابلة إلى الشهادة إلى التمثيل إلى الإخبار إلى التقرير إلى التحليل إلى التصوير التوثيقي لعملية فدائية أو عدوان إسرائيلي أو حياة الناس في المخيمات. وكانت لغاياتٍ واعية تتنقّل من التسجيل إلى التحريض مروراً بالإرشاد، تجاورت لتصنع سردية انسيابية للفيلم يجعله متماسكاً وغير مرتهّل، وقد تفاوتت الجودة ضمن عموم الأفلام النضالية التي أسّست في السبعينيّات، الصورةَ الأولى للسينما الفلسطينية.

“باريس، تكساس” لفيم فيندرز… الطريق خروجاً من الحلم

“باريس، تكساس”، هو أوّل اثنين لأفضل أفلام الألماني فيم فيندرز، وقد سبق بثلاثة أعوام فيلم “أجنحة الرغبة” (القدس العربي، 23-02-2022). كأنها، الأعوام القليلة هذه بين الفيلمين (1984-1987)، لخّصت مكمنَ الإبداع عند فيندرز، الألماني المتشارك مع مواطنه راينر فيرنر فاسبيندر، معالم سينما ألمانية جديدة، تخطت انطباعية الكلاسيكيين الألمان في سينما ما قبل الحرب العالمية الثانية، إلى واقعية حديثة في سبعينيات القرن، تشارك وفاسبيندر إياها متخطياً، في تجربته السينمائية، المعالمَ الألمانية إلى تجارب أوروبية وأمريكية توضّحت في عموم الشكل السينمائي لفيندرز، من بينها كلها، أفضَلها كان الفيلمان المذكوران، وفيلمنا هذا، “باريس، تكساس”، الذي لا يمل أحدنا من مشاهدته، لأجوائه الهجينة، بمعناه الحسن، وبالتالي الابتكارية، بين الأوروبي والأمريكي، يمكن أن يمثّل، الفيلمُ، ثيمة سينمائية تتعدى، في قمتها، فيندرز بشخصه إلى عموم السينما الأوروبية في الثمانينيات، أو في عموم النصف الثاني من القرن العشرين.

“ثلاثية العمالة” لأبو أسعد… الإشكالية في الأفلام لا في موضوعها

ليس في القول “ثلاثية العَمالة” أي ذمٍّ بأفلام الفلسطيني هاني أبو أسعد، بل فيه توصيف مبني على موضوع واحد تتشاركه الأفلام الثلاثة الأبرز له: «الجنة الآن» ٢٠٠٥، و«عمر» ٢٠١٣، و«صالون هدى» ٢٠٢١. في ثلاثتها تتمحور الحكاية حول العمالة مع الاحتلال الإسرائيلي كموضوع إشكالي في الحالة الفلسطينية، وتكون الشخصية الرئيسية، في سلوكها المحدِّد لتطوّر الأحداث، مجرورة بحقيقة أبٍ عميل في الفيلم الأول، وصديق عميل في الثاني، وزميلة عميلة في الثالث. في هذا الأخير، «صالون هدى»، تتوسع العمالة عمّا كانته في الفيلمين السابقين له، تتخطى الحالةَ لتكون ظاهرة، فلا تتحدد بشخصية واحدة بل باثنتين، وبثالثة هي ضحية تلامس التعامل، ما يجعل العمالة في الفيلم عيّنة مجتمعية لا قصة استثناء فردي كما كانته في الأول، «الجنة الآن»، وكما بدأت تتخذ شكلَها المجتمعي في الثاني، «عمر».

«مدام دو…» لماكس أوفلس… فيلم ما قبل الثورة السينمائية

هو واحد من أهم كلاسيكيات السينما، في خمسينياتها تحديداً، وأهميته تكمن في حكايته وحواراته، إذ تدور الأحداث كلّها، بمواقف ومفارقات، حول قرطين يتنقّلان من حقيبة لأخرى، كأنّهما يتجولان إظهاراً للهيبوكريسي الذي يسود الطبقات البرجوازية في أوروبا ذلك الزمان، الربع الأخير من القرن التاسع عشر حتى الحرب العالمية الأولى، والمعروفة بـ”الحقبة الجميلة” (بيل إيبوك)، فخلالها تدور أحداث الفيلم، وفي باريس مركز العالم آنذاك.

“أجنحة الرغبة” لفيم فيندرز… في حب المدينة

الفيلم قصيدة حب على أكثر من مستوى، حب للمدينة بمكتباتها وسيركها وشوارعها وحاراتها وسكّانها، حب للملذات الحسية في هذه المدينة كالموسيقى والقهوة والتجوال، وحب لامرأة تعيش وحدتَها في المدينة.

الفيلم التايواني “التساقط”…. الجائحة كحالة إنسانية

يحمل العنوان معنيين متوازيين، الأول هو الشلالات، وهو الإشارة المباشرة وغير المرشّحة لأن تكون ترجمة لعنوان الفيلم (The Falls)، حيث ينتهي الفيلم ومسار الأحداث فيه، وهي تتداعى، بشلال كاد أن يودي بكارثة إضافية على حياة الشخصية الرئيسية، الأم. ومن هنا نذهب إلى الترجمة والإحالة المناسبة للعنوان الأصلي وهو “التساقط”، بمعنى التداعي المتلاحق للأحداث المتساقطة، أو المتساقط فيها ركائز حياة الشخصية وهي امرأة تعيش وحدها مع ابنتها، طالبة مدرسة بعمر المراهقة ومزاجها.

«الجنرال» لبستر كيتن… وصفةُ الهندسة والكوميديا

كانت السينما، في بداياتها، وقبل إدخال الصوت إليها، أيْ في حالة صمتها، كانت تعتمد كلّياً على التلقي البصري لدى المُشاهد، ما يجعل الصورة، وما في داخلها من حركة، المورّد الوحيد للحكاية المؤلَّفة من تتالي صور ومَشاهد خلف بعضها، لذلك كان الأداء الجسدي، كما نراه في أفلام لتشارلي تشابلن ولبستر كيتن، هو الأساس في إيصال القصّة، مرفقاً أحياناً بلوحات مكتوبة تتخلل المَشاهد الحركية، لا يكون لها ضرورة في حالات كثيرة. فكانت الأفلام الصامتة هذه تعتمد على الحركات الجسدية والملامح لأبطالها تحديداً (كيتن وتشابلن وآخرين) ضمن مفارقات مضحكة، ساخرة، غريبة، مباغتة، هي في حالة تشابلن أقرب للتهريجية البسيطة والذكية، وفي حالة كيتن أقرب للبهلوانية الهندسية المعقّدة وكذلك الذكية.

«سائق التاكسي» لسكورسيزي… عن النظام الذي لا يتغير

قبل الدخول في عالم فيلمنا هذا، وهو عالم معقّد، لا بد من طرحٍ ولو سريع للسياق الذي أتى فيه «سائق التاكسي» الذي سيصير، مع تراكم تأثيره، جزءاً أساسياً من مكوّناته، بأثر رجعي. السياق هو السينما الأمريكية المضادة، المتمردة على سينما العصر الذهبي لهوليوود، سينما الأفلام الخاضعة لأنظمة كتابية وتصويرية وإخراجية صارمة. فيلمنا هذا كان واحداً ضمن موجة واسعة أسّست لسينما جديدة في الولايات المتحدة، أو ما بات يُعرف بالجيل الجديد في هوليوود.