“إزرايل ومحمد”… فلامنكو وكافكا وقبة الصخرة
فلامنكو وكافكا وقبة الصخرة. هذا ملخّص التركيبة المسرحية الأقرب لتكون عرضاً أرشيفياً، مشتركاً ما بين الراقص الإسباني إزرايل غالفان والفنان المغربي محمد الخطيب، “إزرايل ومحمد”.
فلامنكو وكافكا وقبة الصخرة. هذا ملخّص التركيبة المسرحية الأقرب لتكون عرضاً أرشيفياً، مشتركاً ما بين الراقص الإسباني إزرايل غالفان والفنان المغربي محمد الخطيب، “إزرايل ومحمد”.
الشعراء في السينما، سيرةً أو خيالاً، يكونون إما حالات انتصارية، أو بطولية لا تصل الانتصارية بالضرورة، لكنها تبقى نماذج عالية إنسانياً، نماذج مثالية يحول العالم القاسي دون تحقيق مثالياتهم، أو دون تآلفها مع محيطها.
للواقع والتاريخ الفلسطينيين وطأة ثقيلة على السينما الفلسطينية، ثقيلة بمعنى أن لها أثراً بارزاً على الشخصيات وعلى القصص التي تحوم فيها وحولها هذه الشخصيات. هذا ما يجعل الفيلم الفلسطيني سياسياً بالضرورة، وهذا ما يجعل لسياقات هذه السينما إحالات سياسية هي في صلب الهوية الفلسطينية لهذا الفيلم أو ذاك.
بين وقت وآخر نقرأ عن مأساة فلسطينية، ضمن كثير غيرها، وقعت عام ١٩٨٢، تمثلت في سرقة الجيش الإسرائيلي محتويات مركز الأبحاث الفلسطيني، إثر اجتياحه لبيروت. وحتى اليوم ليس لدى الفلسطينيين سوى فرضيات قد تكون أكثرها ترجيحاً احتفاظ جيش الاحتلال بتلك المحتويات في خزائنه، وثائق وكتب ومجلات وأفلام وما يمكن أن يحفظه مركز أبحاث.
يمكن للفيلم الرابع لآن ماري جاسر أن يواصل امتياز ما سبقه حمالاً السيرة السينمائية للمخرجة إلى سياق جديد، كما كان كل فيلم نقلةً مختلفة في سياقها عن سابقه. في “ملح هذا البحر” كان استعادةً رمزية وراهنة لحقٍّ ممتد منذ الانتداب، في “لما شفتك” كان عودة إلى بدايات الثورة في الستينيات، في “واجب” كان انتقالاً إلى دواخل الشخصية واستحضاراً للحكم العسكري من خلالها. في كل من هذه الأفلام نوع سينمائي يختلف عن سابقه في هذه السيرة، تكتشف فيه جاسر مساحة جديدة. في فيلمها الأخير، “فلسطين ٣٦”، استكشاف جديد لمرحلة لم تطرأها السينما الفلسطينية، من تاريخ هذا الشعب.
المهرجان السينمائي الثاني من حيث الأهمية عالمياً، بعد كان وقبل برلين، المعروف باسم المونسترا، أي المعرض، يقدم الأفلام كأنها أعمال فنية في صالة عرض، في صالات سينمائية أهمها غراندي ودَرزينا، في عروض أصحاب الاعتماد ومن بينهم، أو معظمهم، الصحافيون.
طبيعة المهرجان السينمائي تنافسية، أفلام تتقدّم لتتزاحم على جوائز المهرجان، وحيال هذه المنافسة يظهر رأي معتبَر، يَفترض عبثيّتَها، فالأعمال الفنية، وهي هنا الأفلام، تتسع لآراء متناقضة أو متفاوتة في الإعجاب أو النفور. وهذا ما يفسر آراء معتبَرة كذلك، لنقّاد، في كل دورة من كل مهرجان سينمائي، تقرِّع الأفلام الفائزة أو تنقدها في كونها ليست الأفضل من بين المتنافسة، بمعاييرهم وآرائهم، فلا إجماع نقدياً على أي فيلم في أي مهرجان.
إن كان للوثائقيات أن تكشف تفاصيل في ملامح مجتمعيّة هنا أو هناك، فهذا يعني أننا عرضة لاكتشافات جديدة تكون مأسوية مع أي فيلم وثائقي يتعرض لهذا التفصيل أو ذاك. فالملمح العام لمجتمعاتنا يختزن تفاصيل لا تنتهي من قصص عائلية، في شؤون عامة أو خاصة، تكشف عن مأساة تكون في هذا الوثائقي مثلاً، خطف سياسي ومعارض سلمي، نراه بعين ابنته.
يمرّ أحدنا بأفلام تخلق انطباعاً أولياً، من المشاهدة الأولى، يكون اندهاشياً ولا يسمح، بالتالي، لأي مشاهَدة تالية أن تضيف قيمة ثانية على الاندهاش الأولي. يمرّ كذلك أحدنا، نادراً، بأفلام تحمل احتمالات أكبر، إذ تشكّل كلُّ مشاهَدة له اختراقاً، اندفاعاً لذلك الاندهاش الأولي، مكتشفاً، الفيلمُ من خلال المشاهَدة، مساحات لتفرّعات اندهاشية لم تُكتشَف في المشاهدة الأولى، هذا هو حال “صوت هند رجب” للتونسية كوثر بن هنية.
لا أعرف العراق بما يكفي. هذا ما شعرت به، هنا، فور الانتهاء من مشاهدة “مملكة القصب” (“كعكة الرئيس”، بعنوانه الدولي) في مهرجان الدوحة السينمائي بدورته الأولى. قلت: لا أعرف العراق، ولم أقل: لا أعرف عن العراق. فـ “عن العراق” عبارة تكفيها تقارير إخبارية ووثائقيات تلفزيونية.
يُبقي المخرج الإيطالي (أمريكي الهوى) لوكا غواداغنينو قصصه في المناطق القلقة، المابين، لا مقدمات بيّنة ولا استنتاجات حاسمة. أفلامه تُبقي المُشاهد في حالة من القلق تجاه ما يدور أمامه من أحداث وحوارات. حالة اللايقين هذه مقصودة، هو أسلوب سردي لهذا المخرج المأخوذ لا بالنتائج، بل بالاحتمالات المودية إلى أي نتيجة كانت. الأساس في أفلامه هو هذه الاحتمالات المتساوية في مدياتها وليس في النتائج النافية إحداها للأخرى.
في السينما الفلسطينية أفلام ممتازة، قليلة لكنها موجودة. تواضُع الإنتاج السينمائي الفلسطيني عموماً يُبرز، أكثر، امتياز هذا القليل. لكن، والحال هذه، بعض هذا القليل، الخاص، لا يحتاج إلى تواضع العام كي يُشهِر كامل امتيازه، ما يجعله متخطياً السقف الفلسطيني ومتأهلاً للتجاور مع امتيازات سينمائية أخرى في العالم. فيلم شيرين دعيبس الأخير، “اللي باقي منك”، يدخل هذه المقاربة بوصفه واحداً من بين الأفلام التي شهدها هذا العام ومن كل العالم، الجامعة بجودة عالية بين المتعة والوعي.
حالما أُعلن عن فيلم الإسرائيلي نداف لابيد، “نعم” (Yes) ضمن قسم “أسبوعا المخرجين” في مهرجان كان السينمائي الأخير، سعدتُ نوعاً ما لأن فيلماً جديداً للابيد سقط عن الاختيار الرسمي للمهرجان. فما كان يتوقع أحدنا أن يكون الفيلم في موقع أقل من “المسابقة”، أو في أسوأ الأحوال قسم “نظرة ما”. لكن مشاهدة الفيلم يمكن أن توحي بسببين أوديا به إلى تظاهرة غير رسمية، لكنها أكثر جرأة، هي “أسبوعا المخرجين”. هما الشكل غير التقليدي للفيلم، أي تجريبيته نوعاً ما ومغامراته البصرية، الممتازة عموماً، وكذلك سياسيته المباشرة والمفرطة وهو ما يتجنبه المهرجان في أقسامه الرسمية، خاصة أن هذه السياسية كانت شديدة الانتقاد للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة. الفيلم ممتاز إذن، وفيه تجريبية متقنَة، لكن غير ملائم لمسابقة رسمية، بسبب شكله ومضمونه. وهو، بسياسيته ذاتها، فيلم صهيوني تماماً. هذا ما يهم هذه المقالة، بدءاً من السطر التالي.
إن كان النقد السينمائي في أساسه كتابة مقالاتيّة، فإن ممارسة نقدية أخرى، أخف جهداً ومتعة، تحضر بموازاة الكتابة، أثقل حملاً وأكثر تعقيداً وإرباكاً، هي التصويت. يجد الناقد نفسه في مهمات تصويت مختلفة، توكَل إليه، لاختيارات ومسابقات ينحصر التصويت فيها للنقّاد، أو الصحافيين السينمائيين عموماً.
تنفرد السينما النضالية الفلسطينية بأنها الأولى بين نظيراتها في تزامن تأسيسها مع انطلاق الثورة الفلسطينية، عاكسة بذلك جميع المراحل التي عاشتها الثورة، وكانت مرآة لها، وبمثابة أرشيف حي أرّخ للثورة بالصورة والصوت.
خارج أطر المهرجانات الأوروبية، فجأة يعلَن عن الشريط الترويجي لفيلم جديد للأمريكي بول توماس أندرسون، بعد أخبار عن إمكانية مشاركته في مهرجان فينيسيا الأخير ثم بأخبار تنفيها. ليكون الفيلم، سريعاً، في الصالات العالمية بعد فترة وجيزة من الشريط. لهذا كله مفعول الصدمة، الضربة المباغتة بفيلم لواحد من أفضل المخرجين في جيله، الذي، كذلك، بدأ مسيرته بأفلام عظيمة قبل أن يخفت في أفلامه الأخيرة، ليعود أخيراً بفيلم بدأ بكتابة مَشاهد منه في التسعينيات كما قال، في بداياته التي شهدت أفلامه “بوغي نايتس” (١٩٩٨) و”ماغنوليا” (٢٠٠٠)، وأفضلها “ستكون دماء” (٢٠٠٨).
يمكن لأفلام بعينها أن تَختزل تاريخاً إنسانياً، مُتخطيةً للحالة الوطنية، أي أن تختصر مفهوماً إنسانياً تتناوله أفلام كثيرة، لكن قلّة منها فقط، يمكن أن تحكي القصّة كلّها ضمن السياق المشترَك بين أفلام كثيرة ومن كل العالم، أي يمكن أن تكون، القلّةُ من الأفلام، مَجازاً بليغاً لصفٍّ طويل الأعمال السينمائية.
تتمحور الممارسة النقدية السينمائية حول الكتابة، الكتابة أولاً وعاشراً قبل أن تليها أشكال أخرى من هذه الممارسة، وهذه الكتابة صحافية نقدية، فكرية بالدرجة الأولى، فلا هي عرض إفساديّ لأحداث الفيلم ولا هي نشرة تسويقية.
في مهرجان برلين السينمائي، قبل عامين، خرجت من الصالة مبهوراً بفيلم هو الأول لصاحبته، باسم “حَيوات سابقة”، واستحق الفيلم من بعد عرضه الأول تعليقات نقدية مرحّبة. كان أقرب إلى نسخة معاصرة من أفلام وودي ألِن النيويوركية، حوارات وعلاقات حب مركبة، مكتوبة بذكاء وخفة. امتد ذلك إلى الفيلم الثاني للمخرجة الأمريكية سيلين سونغ، الواصل مباشرة إلى الصالات من دون عروض أولى لمهرجانات كبرى، حاملاً تجربتها الثانية إلى مساحة أقرب للفيلم التجاري، مع الحفاظ على ذكاء الكتابة وخفتها كما ظهرتا في فيلمها الأول.
إن كانت مشاهدة الأفلام بمواعيد وأمكنة يحددها المهرجان، خاصة للعروض الصحافية، فهي، في مهرجان كان السينمائي مثلاً، تتركّز في صالتين هما “بازان” و”ديبوسي”داخل قصر المهرجان، وهي في مهرجانات ثانية تكون، في برلين السينمائي داخل قصر المهرجان صباحاً وفي صالة “آيماكس” مساء، وفي فينيسيا السينمائي داخل في صالات جزيرة الليدو، المتقاربة من بعضها، فهي تكون لجميع أصحاب بطاقات الاعتماد وليس للصحافية منها وحسب. إن كانت المشاهدة محددة إذن، فإن الكتابة، وهي النصف الثاني من مهام الناقد في المهرجانات، تكون عشوائية، زماناً ومكاناً.
الكتابة من المهرجان وعنه، ما يُعتقد أنها أساس عمل الناقد، هي النصف الثاني من المهام النقدية، نصفها الأول هو المشاهدة. نعم، المشاهدة لدى الناقد مهمَّة عمل، بل المهمة الأصعب، في المهرجان، ضمن مجمل العمل. وهي محدَّدة المكان، ليس تماماً لأن أحدنا يحتار في أي صالة يشاهد، يحتار أو يضطر لاختيارٍ دون غيره، فالزمان والمكان يحدَّدان مسبقاً من قِبل المهرجان، ما يبدو، وهذا غير صحيح، أنه يسهّل أمر هذا النصف من المهمة. تبقى الكتابة مسألة متبعثرة زماناً ومكاناً، وبالتالي سلسة.
هي فعلاً قصة “في قديم الزمان” لانفصالها عن الراهن. لكن الانشقاق السياقي في الفيلم كما أشرتُ له في المقالة السابقة، لم يكن الخللَ الأوحد فيه. فقد جانبه سيناريو منفصم، بقسمَين غريب واحدهما عن الآخر، تقابل ذلك مع إخراج جيّد، أي إدارة جيّدة للتصوير وللممثلين، وإن كان لمسألتَي السياق والسيناريو أثرٌ بالغ أتى على الفيلم ونحّي الجيّدَ فيه.
أول ما يخطر في البال لدى المشاهدة، هو ضرورة المَقالتين لهذا الفيلم، أوّلَ يكون كغيره اليومي من المهرجان، قصير ومباشر، وآخر أكثر استحقاقاً، يكون محاولة لإيفاء هذا الفيلم بعض حقه. ثم، أنتبه أن لا مقالة يمكن أن تفي الفيلمَ حقاً حقه، وأن ليس لأحدنا سوى أن يتمنى له انتشاراً واسعاً وجوائز كثيرة، بدءاً من الأسد الذهبي.
الأدب يطغى على السينما. توجد حالات لأفلام عظيمة خرجت من روايات عادية، لكنها استثناءات، أما القاعدة فهي أن الروايات العظيمة عصية على تحويلها إلى فيلم. غالباً ما يخيب ظن أحدنا، قارئ لرواية متى رآها على الشاشة، تحديداً مع روايات صارت بمكانة كتاب ألبير كامو، “الغريب”.
هذا فيلم جارموشيّ بامتياز. لا أحداث في الفيلم بل حوارات، لا تشويق في الحوارات بل بساطة، لا ادعاء في البساطة بل شاعرية. هي حوارات شاعرية ببساطتها.
وإن كان الفيلم عن فلاديمير بوتين من خلال مستشار له، أو، تحديداً، عن هذا المستشار من خلال تشابك قوى العلاقات التي يلعب في ساحاتها، كمستشار لبوتين، يبقى، الفيلم، مبنياً على شخصيات خيالية بظروف شخصياتية وتاريخية في روسيا هي واقعية تماماً. تدور حول صعود هذا المستشار المتخيَّل وأفوله، في ظل صعود بوتين من الأيام الأولى لانهيار الاتحاد السوفييتي.
عشرات الأفلام أُنجزت عن قصة فرانكنشتاين، الوحش الذي صنعه طبيب، مجنون بالعظَمة. في ذلك يتساءل أحدنا، ما الذي يمكن أن يضيفه فيلم جديد عن قصة مألوفة، ومتكررة، جداً، سينمائياً؟
يهوى المخرج الكوري الجنوبي بارك تشان-ووك قصص الجريمة في سياق غير جرائمي، لا مببرات مباشرة للجريمة هنا، أو على الأقل لا محفزات تجعل من الجريمة خياراً لا آخر له، من سيقدم على قتل منافسيه في مقابلة عمل؟
يمكن القول إن للمخرج اليوناني يورغوس لانثيموس مرحلة جديدة، أو نقلة سينمائية مكثفة أنجزها في ثلاث سنوات بثلاثة أفلام متتابعة، “أشياء بائسة” عام ٢٠٢٣، “أنواع من اللطف” عام ٢٠٢٤، وفيلمه الأخير، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان فينيسيا السينمائي اليوم، “بوغونيا” (Bugonia).
في السنوات الأخيرة، كنّا نحضّر لانطلاقة ثانية، أعلناها العام الماضي، لا في ذكرى تأسيس المجلة، ٢٤ آب/أغسطس، بل في الذكرى الأولى لشن الحرب الإبادية على شعبنا، في محاولة للتأكيد على المساهمة في إثبات المشهد الثقافي الفلسطيني وتثبيته، في إبقائه حياً قدر الإمكان، وقد طال هذا المشهد، كغيره من الاجتماعي والصحي والاقتصادي مما انسحب على الكارثة الإنسانية، طاله بفعل الحرب محاولات محو نجحت في تقليص الشغل والإنتاج الثقافيين. لذلك، وللتأكيد على ضرورة التشبّث بالثقافة، بحيويتها، أجّلنا الإطلاق الثاني للمجلة، العام الماضي، شهوراً قليلة.