كان السينمائي: “المخطط الفينيقي” والمخرج الأهم من أفلامه
ويس أندرسون مُبالَغ في تقديره. لا يعني ذلك أن فيلمه هذا أقل من العادي، لكنه ليس فوق العادي، ليس خاصاً إلا بقدر ما يمكن أن يكون أندرسون، لهذا المشاهد أو ذاك، خاصاً.
ويس أندرسون مُبالَغ في تقديره. لا يعني ذلك أن فيلمه هذا أقل من العادي، لكنه ليس فوق العادي، ليس خاصاً إلا بقدر ما يمكن أن يكون أندرسون، لهذا المشاهد أو ذاك، خاصاً.
للسبب ذاته الذي يمكن لأحدنا أن ينجذب (جداً) إلى فيلم “موجة جديدة”، يمكن أن ينفر (جداً) منه. لسبب هو، تقنياً، خارج الفيلم، وإن كان، بالقدر ذاته، داخله تماماً، هو جان لوك غودار الذي إن أحبه أحدنا سيُسعد بفيلم هو تماماً عنه. وإن أحبه أحدنا، كذلك، قد لا يُسعد بفيلم لم يكن كفايةً عنه.
في مهرجان كان السينمائي أمريكيون كثر، معهم آخرون كثر من البلدان الناطقة بالإنكليزية، يكون لذلك أولاً، الصف طويلاً. وهو سبب لافتتاح الصالة قبل عروض أفلام من بلدان أخرى، بوقت يزيد عن نصف ساعة، وهذا ما يجعل محاولة الوصول إلى الصالة باكراً، متأخرةً نوعاً ما. ولا يضيف هذا الافتتاح الباكر وذلك الصف الطويل شيئاً إلى قيمة الفيلم المنتظَر.
بدأت ملامح المهرجان في مسابقته الرسمية، بالاتضاح مع اليوم الثاني، بفيلمين ممتازين، Sirat للإسباني أوليفر لاكس، الأقرب ليكون رحلة تمزج الصوفية بالتكنو، في صحراء مغربية، فيلم طريق وفيلم صحراء، ديستوبيا حرب عالمية ثالثة تدور في الخلفية. معه فيلم فرنسي، شديد الواقعية والراهنية، Dossier 137 للفرنسي دومينيك مول، تناول السترات الصفر والعنف البوليسي.
من بعد فيلم افتتاح لا يَخرج منه أحدنا غير متسائل: كيف وصل الفيلم ليكون افتتاح دورة في مهرجان كان السينمائي، وتحديداً في دورة قوية كهذه، كما تشي العناوين والأسماء حتى قبل المشاهدة، من بعدها، من بعد فيلم الفرنسية أميلي بونّان هو Partir un jour في خارج المسابقة، استهلّ المهرجان أفلام مسابقته الرسمية لهذه الدورة بفيلم عالٍ، بجرعات كبيرة من العنف النفسي، المكتوم، فيحوم العنف كالشبح. غير مرئي وغير محكي عنه، نشعر به وحسب.
ساعات قبل افتتاح مهرجان كان السينمائي، الثلاثاء، وقّع مئات السينمائيين، في مختلف اختصاصاتهم وجنسياتهم، رسالة تنديدبالصمت حيال غزة، مانحين المهرجان الفرنسي فرصة الاتكاء (سلّماً للنزول) على هذا الجمع الكبير، بأسماء أوروبية وأمريكية كبرى، فيخرج المهرجان بكلمة وإن مقتضَبة حيال الإبادة التي يرتكبها الإسرائيليون في حق الفلسطينيين. بيان لم يخجل من تحديد مفرداته وإن حصر نفسه بالاختصاص السينمائي. لم يحرّك البيان ساكناً، سكون المهرجان الذي خصّ أوكرانيا ببيان صحافي لا طعم له، يشير، وحسب، إلى أنه يعرض ٣ أفلام أوكرانية، فرحاً بنفسه قبل أن يكون بها.
ليست المقارنة بين المهرجانات السينمائية الثلاثة الكبرى سينمائية وحسب، فحولها تحوم عناصر لا يمكن إلا أن تكون مؤثرة في سلوك الناقد، الزائر لعشرة أيام تقريباً، أو أكثر لإمضاء بعض الوقت قبل المهرجان وبعده. هي عناصر لا سينمائية تساهم في تحديد يوميات هذا الآتي، كما يُفترض، للمشاهدة والكتابة.
طبيعة مسلسل “مو” مركّبة. هو فلسطيني كما هو أمريكي، هو كوميدي كما هو درامي، هو مسلسل مؤلِّف (أوتور) كما هو مسلسل تلفزيوني للعائلة. أبعد من ذلك: هو إنتاج شركة A24 المغامِرة والمستقلة كما هو عمل لنتفليكس السائدة.
الوثائقي المتمَحور حول شخصية بعينها، واقعية، يلحقُها في يومياتها وأشغالها، إما ينحصر بتلك الشخصيات أو ينطلق معها إلى مادة استحقت أن تكون أوّلية لفيلم وثائقي، فيها ما يجعلها خاصة وجديرة بالتصوير. هنا، في “تعايش، ماي آس!” (!Coexistence, My Ass)، ليس في الشخصية أي خصوصية، فهي مؤدّية كوميديّة كانت ناشطة حقوقية، ونشِطة مع الفلسطينيين في منصات التواصل الاجتماعي. لا استثناء في ذلك يجعلها موضوع فيلم متمحور حولها. لكنها كانت ضمن سياق وتوتّرات وأحداث جعلت لا منها، بل من ردّات أفعالها ومواقفها، حالةً لا أقول خاصة بل نادرة في مجتمع كالإسرائيلي.
تُباغتنا بين وقت وآخر، أعمالٌ سينمائية فلسطينية، تفيض بخطاب وطني فيَنحسر تحت وطأته، أيُّ تناول له يكون فنّياً وبحد أدنى من المصداقية. تجول وتُشاهَد أفلام لأنها فلسطينية، تكاد تصرخ بما لا يُدرَك فتكون مبعثَ إزعاج سمعي وحسب، هو في هذا الفيلم بصري. لحضور فلسطين في هذا الفيلم مثلاً، أثرُ الآية القائلة “فأغشيناهم فهم لا يبصرون”.
قليلة هي الوثائقيات التي تنغمس في حميميات موضوعها. يبحث معظم الأعمال السينمائية، روائية ووثائقية، عن الحدث، الانعطافة السردية، التطوّر في الشخصيات، تتبُّع ما يتقدّم فلا تكون نهاية الفيلم متماهية مع بدايته، وغيرها مما يمكن أن يشدّ المتفرّج بتحفيزه إلى ما سيلي.
لعلّ أول ما يخطر في بال محب للسينما وقارئ لها ومُشاهد، في سؤاله عن كتاب مرجعي، هو كتاب “سينما” للفيلسوف الفرنسي جيل دولوز، بجزأيه: “الصورة – الحركة” و”الصورة – الزمن”. أما أوّل ما يميز الكتاب، ومزاياه كثيرة، فهي المقاربة الفلسفية التي تمنح للسينما أبعاداً تفوق الفلسفة والسينما معاً، فطريق الفيلسوف إلى الفيلم يمر، بالضرورة، بعلوم اجتماعية وإنسانية عدّة.
لا ينحصر العمل السينمائي للبريطانية ديانا ألان بنوع السينما في موضوعها، بل يتخطاه إلى البحث وعلوم الإنسان أو الأنثروبولوجيا، والعلوم الاجتماعية أو السوسيولوجيا، ممتدة في منجزها المقروء والمشاهَد، إلى دراسة عمودية (الأنثروبولوجيا) وأفقية (السوسيولوجيا). هذا ما نجد نتيجةً له في فيلمها الوثائقي التجريبي الأخير، “تقسيم” (Partition).
لا تنضب مواضيع الحرب الأهلية في لبنان سينمائياً، فلسنا هنا أمام حدث محدود وإن امتد لخمسة عشر عاماً. تبقى ارتدادات الحرب، أو إعادة تشكّلها، وتكيّفها مع راهن، أو رواهن جديدة ومستجدة، حتى اليوم في لبنان، بعد ٣٥ عاماً على الإعلان عن انتهائها، أو انتهاء الشكل التقليدي منها، مما يمكن أن تكون عليه حرب أهلية حيث القتل يكون على الهوية. نحن هنا، اليوم، أمام تحوّل ميتامورفوزيّ لهذه الحرب. قد يكون آخر أشكالها لامبالاة أو حتى لوم، من قبل طرف لبناني تجاه آخر، الأول يشاهد قنواته التلفزيونية والآخر يلملم أشلاء أحبائه وركام بيوته من غارات إسرائيلية.
صدر أخيراً عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت كتاب “سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات” للروائي والناقد السينمائي سليم البيك. الكتاب الصادر في ٢٩٥ صفحة من القطع الكبير، يبحث في السينما الروائية التي أخرجها فلسطينيون بدءاً من أوّلها، سنة ١٩٨٧، وصولاً إلى سنة ٢٠٢٤. وكان مشروع الكتاب نال منحة من مؤسسة “آفاق” في بيروت عام ٢٠٢١.
ليست السينما الوثائقية سينما جماهير واسعة، ولا هي اختيارات أولى للمهرجانات الكبرى والمنصّات وصالات السينما. لكن لها مهرجاناتها، كما أنها تتوزع على التظاهرات الموازية للمسابقات الرسمية في مهرجانات أولى (كان وفنيسيا وبرلين)، وتكترث بها النوادي السينمائية مثلاً ومنصات إلكترونية بديلة ومتخصصة، وتمرّ على الصالات المستقلة كما تختفي عن الصالات التجارية.
في ما يمكن أن يكون استكمالاً لفيلمه الوثائقي السابق، “لستُ زنجيَّك” (٢٠١٦)، وقد استحضر فيه الكاتبَ الأمريكي جيمس بالدوين، كاشفاً من خلاله البنية الامتيازية البيضاء في الغرب والولايات المتحدة، ونضال السود لنيل حقوقهم، في ما يمكن أن يكون استكمالاً لذلك الوثائقي، أتى المخرج الهايتيّ، راوول بيك، بعمله الوثائقي الجديد، “إرنست كول: مفقود موجود” (Ernest Cole: Lost and Found)، أو ما يمكن أن ترجمة العنوان بصياغة فلسطينية، فنقول: الغائب الحاضر. ويمكن اعتماد العنوان الفرنسي للفيلم الفرنسي، وهو ببساطة: “إرنست كول: مصوّر”.
بالنظر سريعاً إلى مواقع إعلامية عامة حيث للثقافة صفحة كانت أصلاً مقلة في النشر مقابل صفحات اجتماعية وسياسية وحقوقية، بالنظر إليها خلال العام الأخير، حيث الحدث السياسي في كل من فلسطين ولبنان وسوريا، كان في أوجه، نلحظ زيادةً في قلة النشر الثقافي.
لا يقتصر الموضوع على جائزة الأوسكار، فقد استهلّ فيلم “لا أرض أخرى” مشواره في مهرجان برلين السينمائي العام الماضي، خارجاً منه بجائزة أفضل فيلم وثائقي، وهذه سابقة فلسطينية، ماراً، الفيلم، بمهرجانات وجوائز، ليصل أخيراً، بعد أكثر من عام، إلى حفل الأكاديمية فيخرج منه بأوسكار أفضل فيلم وثائقي. الفيلم نال بالجائزتين العاليتين والعالميّتين، أفضل ما ناله وثائقي من أو عن فلسطين على الإطلاق. أما الأوسكار، فهي الجائزة الأعلى التي ينالها فيلم من وعن فلسطين، قطعاً، شاملاً كلامي هذا كافة الأعمال السينمائية، روائية ووثائقية. لنحكِ أكثر في ذلك.
لا قيمة أعلى لفيلم وثائقي من استمراريةٍ للحالة الموثَّقة إثر خروج الفيلم، ومن راهنيةٍ دائمة لموضوع الفيلم، ومستجدّة لسنوات لاحقة لحدث الفيلم. هذا أبرز ما يميز الوثائقي “لا أرض أخرى” (No Other Land)، ولعل ذلك آتٍ من الخلفية الناشطيّة لصنّاع الفيلم: باسل عدرا ويوفال أبرهام، وحمدان بلال وراشيل تسور.
يحصل أن تدخل السينما في سياقات واقعية، فيكون الفيلم بعناصر تصفّ جنباً إلى جنب لتوحي بأنها حاصلة فعلاً، أي أن الفيلم مأخوذ عن أحداث حقيقية أو كتاب تاريخ أو سيرة ذاتية، أنه ليس خيالاً أو ببساطة، فيلماً روائياً بقصة أصليّة مكتوبة خصوصاً للفيلم. أما العناصر فهي ما يمكن أن توحي بصعوبة اللعب فيها خيالاً، كانتخاب بابا جديد في الفاتيكان.
فيلم عربي وحيد في المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي، هذا بحد ذاته خبر يسبق المشاهدة، فالأفلام العربية عموماً، اكتفت، إلا باستثناءات بين عام وآخر، بالمسابقات الموازية، على أهميتها تحديداً “نظرة ما” في مهرجان كان السينمائي. انفتاح البرليناله على أسماء جديدة أكثر من غيره، والمشاركة الألمانية في إنتاج الفيلم، واستحقاق الفيلم بطبيعة الحال، أسباب منحت “يونان” لأمير فخر الدين، ابن الجولان السوري المحتل، مكاناً في واحدة من أفضل ٣ مسابقات رسمية سينمائياً.
المخرج الكوري الجنوبي هونغ سانغسو غزير الإنتاج، جداً. فعلاً جداً، أي بمعدّل فيلمين كل سنة، وذلك منذ أكثر من عقد. هي أفلام ممتازة، وهنا الخصوصية في عمله السينمائي، إذ يمكن فهم صناعة هذا الكم “المبالَغ فيه” من الأفلام على حساب النوع، لكن المسألة ليست كذلك هنا. هذا صانع أفلام متكامل، وهو، فوق تكامله، يخرج بفيلمين كل سنة، وممتازين. هذه حالة خاصة، متى ذُكرت أمام عارف بالسينما لحزرَ أن المقصود هونغ سانغسو لا غيره.
الفيلم واحد من ثلاثية موضوعاتية نزلت خلال عام، أولها “Sex” في الدورة الماضية من مهرجان برلين السينمائي، ثانيها “Love” في الدورة الأخيرة من مهرجان فينيسيا السينمائي، آخرها “حلم” (Drømmer) المشارك في المسابقة الرسمية للبرليناله اليوم. وهي ثلاثية تحوم حول الرغبة في أشكالها الثلاثة: الجنس والحب والفانتازم ثالثهما.
ليس تشابهاً في الملصق، ولا بروز الملصق القديم في مشهد طويل من الفيلم الجديد، ليس هذا ولا ذاك ما يحيل فيلم الروماني رادو جود إلى فيلم الإيطالي روبيرتو روسيليني، “Europa ’51” (١٩٥٢)، بل أولاً المأساة، بفرق أنها كانت أوروبية، وصارت اليوم مأساةً قارّاتية.
فيلم سيرة ذاتية وإن بتصوير ليلة واحدة، سهرة يمضيها كاتب الأغاني الأمريكي لورنز هارت، في بار إثر حفلة موسيقية لملحّن كتب الشاعرُ كلماتها. ليلة واحدة، قبل موته بشهور، أفصحت عن شخصية هذا الرجل الحيوي، المداعب، الضاحك، الحزين في الوقت عينه، والوحيد جداً، في فيلم سيرة ذاتية ذكي وحساس، للأمريكي ريتشارد لينكليتر، “قمر أزرق” (Blue Moon).
يتقبّل أحدنا أفكاراً خارجة عن العادة، أو عادات خارقة، في التيليباثي مثلاً، التخاطر أو الحدس، وهو حال فيلمنا هذا، حيث تستطيع طفلة أن ترى وتسمع، عن بعد، ما يفعله ويقوله والداها، يتقبّل أحدنا هذه الفكرة في كوميديا أكثر مما يفعل في فيلم واقعي يكون درامياً.
لا يبتعد الفيلم في قدرته على التسبب بالتوتر، مما يمكن أن يوحي به عنوانه. يتساءل أحدنا: لمَ قد يرغب من لا سيقان له بالركل، وبركلي أنا تحديداً، كما يوحي العنوان (If I Had Legs I’d Kick You).
في عموم سينما أمريكا اللاتينية، وللإرث التاريخي والسياسي وبالتالي الثقافي ومنه السينمائي لهذه القارة، ومهما كان موضوع الفيلم، نجد غالباً مساحات خاصة بالمسائل الاجتماعية، الطبقيّة منها تحديداً، وقد تذوّتت هذه المسائل بالمواضيع الأدبية والسينمائية هناك، من بينها كان هذا الفيلم، “المسار الأزرق” (The Blue Trail).
في الفيلمين السابقين للمخرجة الفرنسية ليونور سرايل، تمر أساسياً أو ثانوياً، أبوةٌ أو أمومةٌ في حالة تعقيد. هو ما نراه كذلك في فيلمها الثالث، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي، “آري” (Ari).