All posts filed under: 1

جورج ميليس، أو حيث تكون السينما استعراضاً سحرياً

السينما، في جزء منها، سحر. ليس هذا مجازاً أو مديحاً. هي كذلك. بل بدأت، في سنواتها الأولى بذلك، وبقيت عليه إلى اليوم. السينما، بهذا المعنى، خيال. هو ذلك الخيال الذي يحوم في أذهان المشاهدين، كما هو السحر الذي يُقدّم في عروض لاعب الخفّة المخادع المسلّي. هذه العروض، في قسم كبير منها، واحدة من مرجعيات السينما.

تنويعات خارج المسابقات لفلسطين في “كان السينمائي”

لا تكون فلسطين حاضرة، سينمائياً، في أعمالٍ لفلسطينيين وحسب، فقد تكون أفلام غير الفلسطينيين، فلسطينية ما كان موضوعها فلسطينياً، وذلك -وقد تناولتُ موضوعَه في غير مناسبة- لتخطّي اسمُ فلسطين المكانَ الضيق حيث يُحصَر اسم الدولة المنتجة، فيكون اسمُ “فلسطين” أوسع من تصنيف إجرائي يكون للدولة/الدول المنتجة.

البيان حول «فليكن صباحاً»: متى لا يكون الفيلم إسرائيلياً؟

أطرح سؤالاً موازياً لـ “متى يكون الفيلم فلسطينياً؟”، هو “متى لا يكون الفيلم إسرائيلياً؟” أطرحه بمناسبة بيان أصدره العاملات والعاملون (من ممثلين وغيره) في فيلم للمخرج الإسرائيلي عيران كوليرين، يرفضون فيه المشاركة في مهرجان كان السينمائي، بدورته الحالية، بسبب تصنيف الفيلم كإسرائيلي، في مشاركته ضمن برنامج “نظرة ما”.

«رام الله للرقص المعاصر»… الرقص كسرديةٍ من حلم

يوحي اسمُ المهرجان، «رام الله للرقص المعاصر»، بنوع واحد ومحدّد المعالم من الفنون. لكنّه، المهرجان، يتخطى حدود الشكل في العروض التي يستضيفها، هذا العام مثلاً، لتكون العروض عابرةً لأنواع فنّية متباينة، الرقص أساسها، المسرح والإنشاء والفيديو والسينما بعضها. وكما يعود ذلك إلى مضمون عروض الفِرق المشاركة (سأتناول هنا فرقتَين فلسطينيّتين من بينها)، يعود إلى طبيعة التلقّي، لي على الأقل، لهذه العروض التي صُمِّمت، في واحدة من غاياتها كما يمكن أن أفهم، كي تُشاهَد مُصوَّرة.

«نومادلاند»… التّرحال مقابل الرأسمالية

من الضروري أن تكون العودة إلى صالات السينما، بعد إغلاقات طويلة، بفيلم جيّد، بالحد الأدنى، وبرفع المعايير قليلاً نقول بفيلم ممتاز، يكون، لذلك، هذا الفيلم الأمريكي للصينية كلووي جاو، الفيلم الذي أُشير إليه مراراً خلال الأشهر الطويلة الماضية، لما ناله من جوائز وتقييمات. نزل أخيراً، «نومادلاند» إلى الصالات الفرنسية، ليكون، كفيلم ممتاز حان وقته، يَفتتح أحدنا به العودة إلى الصالات بعد مشاهدات كثيرة وطويلة في المنزل، ليكون المثالَ الأفضل، اليوم، لتأكيد ضرورة الصالة مقابل الصالون، ضرورة السينما مقابل التلفزيون.

“سينيبالستين” و”أيام فلسطين”… فلنعُد إلى الصالات

سريعاً، عادت الأفلام الفلسطينية إلى الصالات، بعد إغلاق لدور السينما امتد لأشهر طويلة تفاوتت من بلد لآخر. سريعاً أقول، بناء على حالة أولى هي مهرجان “سينيبالستين تولوز” بنسخته السابعة، والتي عادت إلى الصالات بعد أسبوعَين فقط من إجراءات تخفيف الحجر وفتح الصالات أمام الجمهور في ١٩ من أيار/مايو في فرنسا، فأقام المهرجان القسمَ الثاني من نسخته بين ٣ و ١٧ من هذا الشهر. أما الحالة الثانية فهي مهرجان “أيام فلسطين السينمائية” الذي أصرّ كذلك على العودة إلى الصالات بعروض في مدينة القدس، إذ لم يتمكن المهرجان من إتاحة عروضة في نسخته السابعة كذلك، في أكتوبر من العام الماضي، في المدينة، فاستكمل نسخته فيها بعروض تمتد بين ٢٣ و ٢٩ من هذا الشهر.

مسلسل «لوبان»… نموذج جديد للأعمال الدرامية الفرنسية

طبيعيٌّ أن يتساءل أحدنا عن سبب النجاح الذي لاقاه المسلسل الفرنسي «لوبان». هو ليس أمريكياً ولا بريطانياً، وهو كذلك ليس الآخر منهما متى أراد المُشاهد التنويع، المسلسلات باللغة الإسبانية. ففرنسا جديدة في هذه المسابقة، إنّما دخلت، مع «لوبان» بكامل عدّتها، فنال المسلسل ثاني أكثر مشاهدة على “نتفلكس” في العالم وفي تاريخ المنصّة الأمريكية، وذلك بـ ٧٦ مليون مشاهدة لجزئه الأول الذي عرض في يناير من هذا العام. وعُرض جزؤه الثاني قبل أيام، مع إعلان عن ثالث قريباً.

الحرب بمقاربتَين في السينما… نموذجان من إمير كستوريكا

في حالنا، في فلسطين وسوريا والعراق ولبنان وعموم المشرق العربي، التاريخي والاجتماعي والسياسي، ما يمكن أن يشبه بلاداً لا هي بعيدة ولا قريبة، جرّبت ديكتاتوريات واحتلالات، ومجازر وحروباً أهلية وتطهيراً عرقياً، وتدخلاً أجنبياً ومصالح متضاربة وتقسيمات. كأنّها، يوغوسلافيا السابقة، مثال مكثّف لأحوال المشرق العربي، اليوم وأمس.

“جمل المحامل” في نسخة حماس… سلبٌ للمعنى الفلسطيني

لم تكن، الصورة التي اتّخذتها حركة حماس خلفيّةً لرئيسها في غزة، يحيى السنوار، في مؤتمره الصحافي، إثر إعلان الهدنة، لم تكن “جملَ المحامل” الفلسطينية، اللوحة التي علّقها الفلسطينيون في معظم بيوتهم. ولم تكن إعادةَ إنتاج لها، أو تقليداً بريئاً ساذَجاً، بل تمثيلاً بصرياً موازياً لموقع الحركة في المجتمع الفلسطيني، وهو موقع، في جزء أساسي منه، استلابي.

«لنا ذاكرتنا»… التراجيديا في سياق معاصر

ثلاثة عوالم مشهديّة تمرّ أمامنا في فيلم «لنا ذاكرتنا» لرامي فرح. تتداخل عوالم الواقع والفيديو والمسرح، ببعضها، مشكلةً هذا الوثائقي الذي قاربها من خلال التراجيدياً، بمفهومها المتعلّق بطبيعة الشخصيات وأقدارها غير المستحقَّة.

السخرية وأثرُ بذرة المشمش

في المشهد الأخير من فيلمه «إن شئت كما في السماء»، يتأمّل إيليا سليمان، في بارٍ في فلسطين، جالساً إلى الكونتوار وكأس العرق أمامه، يتأمّل جيلاً جديداً من الفلسطينيين، يتقافزون في ساحة الرّقص ويغنّون “عربيٌ أنا…”.

فيلمان للفرنسي جاك تاتي… تأسيسيّة الأسلوب

أدرجت “نتفلكس” فرنسا، مع بداية الشهر، ٣ أفلام للمخرج الفرنسي جاك تاتي، هي »إجازة السيد أولو« عام ١٩٥٣ و«خالي» عام ١٩٥٨ و«بلايتايم» عام ١٩٦٧. يمكن لها، الأفلام، أن تقدّم فكرةً جيّدة عن هذا المخرج الاستثنائي في عموم السينما في تاريخها، لسبب أوّل هو تأسيسيّته لأسلوب صار خاصاً، شكلاً وموضوعاً، وذلك في عموم منجزه السينمائي. كنت كتبت هنا (القدس العربي، ١٠ سبتمبر ٢٠١٧) عن تحفته «بلايتايم»، وفي هذه المقالة أكمل تناول أفلامه من خلال اثنَين من أهمّها هما «يوم الاحتفال» عام ١٩٤٩، و«خالي». الأوّل لكونه باكورة أعماله وفاتحة أسلوبه، والثاني لتمثيله مرحلةً أساسية في مسيرة تاتي السينمائية، ولإكماله موضوع السخرية في الفيلم الأوّل.

تأسيسٌ للسردية الفلسطينية بالحكايات… أدباً وسينما

تتوثّق حكايات النّاس بمواصلة روايتها، بالإلحاح عليها، شكلاً وموضوعاً، بطرح هذا الإلحاح أدباً وسينما (أساساً)، وبتمكينه من خلال تقاطعات للحكايات عند موضوعها الأمّ، وهو، في موضوعنا، النكبة عند الفلسطينيين.

أورسون ويلز والبحث عن الفيلم الضائع

في عام ٢٠٠٨، عُثر على النسخة الكاملة من أحد أهم الكلاسيكيات، فيلم «Metropolis» (١٩٢٧)، للنمساوي فريتز لانغ، في متحف في الأرجنتين. وكان ذلك إعادة إحياء لواحد من أهم الأفلام لواحد من المخرجين المؤسسين لتاريخ السينما. هذا العثور، يستعيده أحدنا عند قراءة خبرٍ هذه الأيام يفيد بنيّة مخرج أفلام وثائقية السفر إلى البرازيل للبحث عن النسخة الكاملة لفيلم الأمريكي أورسون ويلز «The Magnificent Ambersons» (١٩٤٢)، ولهذا الفيلم قصّة، إنّما، لنبدأ أولاً بالخبر الجديد.

«الهدية» ونتفلكس والأوسكار

يحتمل فيلم «الهدية» لفرح نابلسي أكثر من حديث سينمائي. يحتمل حديثاً يتخطى الفيلمَ من دقيقته الأولى إلى الأخيرة. لهذا الحديث بعدان يُختصَران بكلمة هي “الوصول”. ولأن الحديث، هنا، يكون في ما هو خارج الفيلم، فليس الوصول المقصود به، هنا، هو حبكة الفيلم القصير السريعة، في وصول شخصيّتَيه الرئيسيتَين، في نهايته، إلى غايتهما، وإن بعقبات كان أقساها المرور عبر الحاجز الإسرائيلي مرّتَين، ذهاباً وإياباً.

الشخصية الثقافية ما قبل النكبة… ضرورة الاستمرارية

معلومٌ أن الشخصية الثقافية الفلسطينية الجمعيّة، اليوم، تشكّلت بما لحق النكبة وعامها. والمرجعيات الثقافية لا تبتعد إلى ما دون العام ٤٨. وذلك يعود، لطبيعة الحالة واستثنائيتها، إلى الانقلاب الكارثي الذي حصل ذلك العام، مشتِّتاً شعباً/مجتمَعاً كانت له حياته الثقافية الخاصة، وواضعاً، هذا الشعب، في أماكن تواجده وظروفه الجديدة، تحت أحكام قامعة ساعية لإلغاء هويّته الوطنية (بما فيها الثقافية)، في الأرض المحتلة وفي المخيمات خارجها. فما اغتيلت بذلك تلك الحياة الثقافية وحسب، بل أُدخل الشعب، في تشتّته، في حالة التراوما، صدمة ما بعد الكارثة، وهو ما حال دون استمرارية للشخصية الثقافية للفلسطيني التي كانت حاضرة ما قبل النكبة (أو دون استردادٍ لما كانته)، وما تسبّب بحالة ركود ومحاولة استيعاب للذات من تبعات الكارثة، فكانت السنوات التالية صامتة، لا ظرف موضوعياً ولا ذاتياً للفلسطيني ليحافظ على، ويواصل، شخصيتَه الثقافية. وكان الانقطاع الذي دام أكثر من عشر سنين، وانكسر مع انطلاقة الثورة الفلسطينية، في الستينيات.

أفلام الوسترن… صناعة تراكميّة “للبطل” الأمريكي

صورة “البطل الأمريكي” في السينما، تعلّقت، كما لم تفعل في جانرات أخرى، بأفلام الوسترن الأمريكية. سبقت هذه الصورة، هنا، “زميلاتَها” في أفلام أخرى لحقتها كان لعميل مخابرات أو تحقيقات، أو سوبر مان واقعي أو خارق، أو جندي أمريكي في واحدة من بقاع العالم، كان لها فضلٌ متواصل في توجيه صورة الأمريكي في أذهان العالم/المشاهدين. كلّ هذه بدأت بالرجل الكاوبوي الأبيض، الأشد مهارة في تصويب مسدّسه، وفي ركوب خيله، وفي قتال “الآخرين” الغرباء، هم هنا مجرمون أو سكّان بلاد أصليين أو مكسيكيين.

«ملعونو الكومونة»… ١٥٠ عاماً على الثورة الباريسية

تتناول الأعمال السينمائية، روائيةً ووثائقيةً، الأحداث التاريخية بشكل متواصل، وكلّما علت تاريخيةُ الحدث تكثر تلك الأعمال، ذلك يتعلق طبعاً بكمية الإنتاج السينمائي في بلد تلك الأحداث، ونوعيته. في فرنسا مثلاً، حيث للسينما صناعة متقدمة، يسهل أن نجد أفلاماً عديدة تناولت الثورة الفرنسية، واحتلال النازية لفرنسا، والمقاومة الفرنسية (الشيوعية تحديداً) آنذاك، وثورة أيار ١٩٦٨، وكذلك، وبشكل خاص، كومونة باريس التي نمر هذه الأيام بذكراها المئة والخمسين.

أفلام فلسطينية… غابت الحكاية فتناسخت الأحداث

يمكن، في الحديث عن الأفلام الفلسطينية، عموماً، منذ اتخادها طابعاً روائياً متسارعاً، متعجّلاً مرّات كثيرة، ما بعد العام ٢٠٠٠، وقد كانت بطيئة، في تطوّرها، منذ أفلامها الروائية الأولى في الثمانينيات والتسعينيات، يمكن، في حديث كهذا، ودون أدنى جهد، ملاحظة عامل مشترك في معظمها، هو ترهّل الحكاية فيها، تشتت الحبكة، وتحوُّل الفيلم إلى أحداث بصرية متتالية تعتمد على سياقها الفلسطيني الضّامن، إلى درجات معينة، لإثارةٍ هنا ولحظات انعطافية هناك، حيث التناقض الباعث لذلك حاضر دائماً بين طرفيه: الفلسطيني والإسرائيلي.

السينما الفلسطينية وسؤال الهوية… أيّ أفلام تصنع سرديتها؟

لا يتعلق سؤال “ما هي السينما الفلسطينية؟”، في الإجابة عن هويّتها، بدوَل الإنتاج. تدور نقاشات حول أفلام فلسطينية لا يُذكر اسم فلسطين كجهة إنتاج لها، لا يظهر في خانة “الدولة” الظاهرة برفقة اسم المخرج والكاتب والسّنة وغيرها. أساساً، ليست خانة “الدولة” هذه إحالة إلى الفيلم إنّما إلى الدول المنتجة، أي الممولة، الدول التي تنتمي لها الشركات المساهِمة في إنتاج الفيلم، وليس الفيلم. والتعامل الاستهلاكي مع الفيلم، وحده ما يمكن أن يحيل الانتماء إلى جهة التمويل.

«السنوات الـ ٥٤ الأولى» لآفي مغربي… الاحتلال كآلة مُمنهَجة

نبدأ من العنوان، فلا يصلح تناول فيلمٍ لمخرج إسرائيلي، يحصر موضوعَه في القسم المحتل من فلسطين عام ٦٧، دون التنويه إلى التالي: ليس في الفيلم إشارة إلى أنّ الاحتلال الإسرائيلي، بطبيعته الإحلالية والاستعمارية، قد بدأ عام ٤٨. وهذا مأخذ أساسي لمشاهدٍ فلسطيني لأيّ فيلم إسرائيلي ينتقد الاحتلالَ ولم يعُد بموضوعِه، ولو تنويهاً، إلى عام ٤٨.

أفلام الثورة الفلسطينية… استعادات معرفيّة راهنة 

بقى التلقي للأفلام الفلسطينية، أو فهم السينما الفلسطينية، اليوم، ناقصاً ما لم ندرك بواكير هذه السينما، لا بمشاهدتها، فما كانت مشاهدة الأفلام يوماً كافية لإدراكها، بل بمعرفتها، المعرفة التي تكون المشاهدةُ المكوّن الأساسي لها، وباستيعاب سياقها السياسي والاجتماعي والفني، كمرحلة أولى من سيرورة تصل بنا، تباعاً، إلى الأفلام الفلسطينية اليوم.

«الأساطير الكبرى» سرد الملحمة الإغريقية من خلال فنونها

تقدّم الأعمال الفنية الدامجة لأكثر من نوع، تجربةً خاصة، تتخطى كلَّ نوع على حدة، في تناوله للموضوع عينه. تتخطاه تجربةً، لا جودةً بالضرورة، تكون تجربة جديدة أو مختلفة عن التقليدية مقدمةً موضوعَها بوسائط هي نتاج دمجها بغيرها. من هذه الأعمال هو المسلسل التلفزيوني الفرنسي «الأساطير الكبرى» (Les grands mythes، ٢٠٢٠) المعروض حالياً على قناة ARTE.

الفيلم كمنتَج معولَم، والعالم كمشاهدين فلسطينيين

طرحت الظروف المرافقة للوباء، أمام المشاهدين، ظروفَ مشاهَدة جديدة، بدت، لوهلة ما، طارئة، إنّما، كما تشير أرقام حول شيوع أفلام منصّات الستريمينغ، ومعها تفاعل النّاس/المشاهدين مع “مهرجانات” افتراضية وإتاحات لأفلام على الإنترنت، نرى أن لا طارئ هنا، وأن الحال كما كانت عليه خلال العام البائس، ٢٠٢٠، مستمرة نوعاً ما، فيما يتعلق بطبيعة المشاهدة للأفلام، لكن هذا الكلام يخص الحالات الطبيعية للسينما في العالم، وليس في بلد لا عادة مشاهدة سينمائية فيه، كفلسطين.

بالأبيض والأسود… أفلام جديدة بخيار جمالي قديم

كثرت، في السنوات الأخيرة، الأفلام المصوّرة بالأبيض والأسود، وهذا من محاسن السينما المتبدّلة في كلّ حالاتها، دوماً، بجماليات جديدة أو قديمة مستعادة. وهذا ما يدعو إلى القول إلى أن التصوير بالأبيض والأسود لم يعد تمثيلاً لزمن الإنتاج، أو لم يعد إحالة إلى مرحلة قديمة من عمر السينما. وهو، الأبيض والأسود، لم يكن أساساً كذلك إلى سنوات قليلة بعد إشاعة التصوير الملوّن (التكنيكلر)، حتى طغت الألوان وتراجع تماماً الأبيض والأسود، ليعود في العقدين الأخيرين بشكل خجول، وفي السنتين الأخيرتين بشكل أكثر حضوراً، مرسّخاً فكرة أن الأبيض والأسود خيار فنّي وليس اضطراراً زمنياً.

«مالكولم وماري»… حوارات دون ثرثرة

قد تكون، لبعض المشاهدين، أفلامُ الفرنسي إيريك رومير غاية في الملل، البعض يسميها ثرثارة. وهذه “الثرثرة” ليست عابرة في فيلم أو اثنين، بل ممتدة وفي عموم منجَز رومير السينمائي، ما جعلها أسلوباً له مميزاً لأعماله. لكن، إحالاتها إلى الأدب، وتحوّلها مرّات إلى حوارات أدبية، يمكن أن تُقرأ (كما يمكن أن تُشاهد في فيلم) خلع عنها سمة الثرثرة، فليست الحوارات الطويلة والكثيرة في الفيلم ثرثرة، وليس الفيلم، على كل حال، تصويراً لأحداث وحسب، بل عمل فني/سينمائي مبني على كلمات تماماً كما هو على صور.

“ثلاثيات” سينمائية مقترحَة… بديلة للمسلسلات

لا تكون خسارة السينما، خلال عام الوباء، ٢٠٢٠، بإغلاق صالاتها وحسب. لسنا هنا أمام مطاعم تستقبل زبائنها لتبيعهم وجباتها الثابتة ولا أمام متاحف تستقبل زوّارها لتعرض لهم تشكيلتها الثابتة، تُغلَق وتُفتَح لاحقاً لتعود تدريجياً إلى حالتها السابقة. صالات السينما أشد تعقيداً في علاقتها أولاً مع الجهة المورّدة للأفلام (إنتاج وتصوير وتوزيع…) وثانياً مع روّاد الصالات وهم زبائن وزوّار بمعنى مزدوَج، هم كذلك -وهذا الأسوأ- معرّضون إلى بديل لهذه الصالات، بديل كان موجوداً كحالة ثانوية ما قبل الوباء والحجر، وصار اليوم حالة أساسية، وقد تراجعت الصالات، أو عادةُ الذهاب إلى السينما، لتكون اليوم عادةً ثانوية أو، حتى، مهجورة.

السرديّة الفلسطينية للنكبة والدخول في المجال الروّائي

لا فرصة للمصدوم، في الخيال. حالما يستعيد وعيَه، أو توازنه، أوّل ما قد يفعله هو التوثيق. وحديثي هذا يخصّ الصدمة الجماعية أولاً، والرد الفعل الفنّي ثانياً. بتحديدٍ أكثر، يخص النكبة وحالة التراوما التي دخلها الشعب الفلسطيني بقسمَيه، داخل الوطن وخارجه، ورد فعله الفنّي/الثقافي على ذلك.

«٢٠٠ متر»… الطبيعة الصامتة كفيلم طريق فلسطيني

ينطلق الحديث عن هذا الفيلم من زاويتَين، الأولى أنّه (شكلاً فقط) “فيلم طريق” وهو بالتالي فيلم انتقالٍ مكاني وزماني وشخصياتي. الثانية أنّ هذه العناصر الثلاثة (المكان والزمان والشخصيات) تكون في ظروف غير عادية، أو -كما سنرى- هي معاكسة للعادية، وذلك لسياقها الفلسطيني، ما يجعل فكرة “فيلم الطريق” في «٢٠٠ متر» جديرة بالبحث.

الحداثة الباكرة والزمن الفلسطيني المقطوع

ما هو بعد النكبة ليس كما هو قبلها. هذا إدراك فلسطيني عام ينطبق على المجالات الحياتية كافة، وهو مكوِّن أساسي للهوية الفلسطينية اليوم. حدثٌ انعطافي في حياة شعب، كانت له آثاره التراوميّة على من بقي منه في أرضه وتحت حكم عسكري، وعلى من تهجّر وعاش حياة المخيمات، وذلك في السنوات اللاحقة لعام ٤٨. امتدت الآثار تلك إلى أن تشكلت خلايا ومن ثم تنظيمات الثورة الفلسطينية، لتكون هي كذلك مكوّناً أساسياً للهوية وثانٍ، بل ناتج عن المكوّن الأول، النكبة.