All posts filed under: الأولى

نسرين فاعور: لا بدّ من تحديد ما هو «التطبيع» فلا تطال «مكافحته» السينما الفلسطينية.. حوار

استطاعت الأفلام الفلسطينية أن توجِد لنفسها مكانة في السينما العربية، نستطيع القول أنها مكانة متقدّمة نسبياً من الناحية الفنيّة وكذلك الدرامية. يمكن إرجاع ذلك لعدّة عوامل سيكون من بينها حتماً الظرف السياسي والاجتماعي الذي يعيشه الفلسطينيون، وللغنى الذي يمكن أن تقدّمه القضيّة بما تكتنفه من موضوعات، لأي عمل فنّي أدباً كان أم سينما.

كيف تُستنفد الحجج في تجنّب مشاهدة وثائقي عن الرقص

سيكون من الصعب تدبير حجّة يتجنّب بها أحدهم مشاهدة فيلم، يودّ بشكل أو بآخر ألا يفوته، رغبة أوّلية لمشاهدة فيلم في بلد كفرنسا ستكون كافية للوصول إلى المراد، لا عقبات جادة هنا، لا حجج أخيراً.

أوبِّرا «أسطورة الحب»، باليه في صالات السينما.. بثّ مباشر للعرض الراقص في أكثر من خمسين بلداً

لم يكن للسينما دوماً وظيفة عرض أفلام وحسب، أقصد الروائية. نعرف أن السينما بدأت بعروض لإعلانات ومواد إخبارية، وأنها استُخدمت للدعايات والبروباغاندا أثناء وما قبل الحرب العالمية الثانية، وأنها في حالتها الطبيعية تعرض أفلاماً وثائقية، أقول في حالتها الطبيعية لأن حالتها في معظم صالات بلادنا العربية ما دون الطبيعية، فتنحصر في أفلام روائية، وهذه الأخيرة تنحصر في ما يأتينا من هوليوود وبوليوود، وإمعاناً في الحصر أقول أن التجاري منها ما يأتينا، ما غايته الترفيه وحسب. وكي لا أكون مجحفاً، أذكر أن الصالات هذه تعرض على شاشاتها نقلاً مباشراً لمباريات كرة القدم في تصفيات كأس العالم، مرفَقة بضجيج المعلّق المتحمّس دوماً، هذا ما خبرته في صالات إماراتية، وهو ما يمكن تعميمه على باقي البلاد العربية، لطبيعة المجتمعات المتشابهة أولاً، ولطبيعة برامج صالات العرض ثانياً. أما موضوع هذه الأسطر فهو النقل المباشر على شاشات السينما، إنما بما لن يجد جمهوراً وبما سيكون اقتراحاً جدّ خاسر عند العرب.

ديان في علاقة متأزمة مع ابنها كأم ومع نفسها كامرأة. «أمي»، جائزة لجنة التحكيم في كان

كان المخرج ملفتاً في الكلمة العفويّة والعاطفية التي ألقاها حين نال فيلمه جائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان السينمائي هذا الصيف، وكذلك كان الفيلم، «Mommy» (أمي)، بموضوعه وأسلوبه. هو الفيلم الخامس للمخرج الكندي إكزافيير دولان (٢٥ عاماً)، الذي اختير كذلك كأفضل فيلم أجنبي ممثلاً كندا في حفل جوائز الأوسكار الأخير. شكّل فيلم «أمي» لدولان مرحلة جديدة ومبكّرة مهنياً، ستجعله مخرجاً أكثر منه ممثلاً، لتجاربه التمثيلية العديدة، وذلك بعد فيلمه الأول ( ٢٠٠٩) بموضوعه المناقض ظاهرياً لفيلم «أمي»، وهو «J’Ai Tué Ma Mère» (قتلت أمي). يروي فيلم «أمي» (١٣٤ دقيقة) قصّة أم وابنها في إقليم الكيبيك في كندا، حيث يتكلّمون الفرنسية بلكنة ثقيلة ما استلزم إرفاقه بترجمة للفرنسية في الصالات السينمائية في فرنسا حيث بدأت عروض الفيلم قبل أيام.

«مَي في الصيف» للفلسطينية شيرين دعيبس. الفيلم مادة استشراقية جاهزة ولا «اشتباك ثقافات» هنا

مع شركات الإنتاج العالمية، وتعدّد الجهات المنتجة، لم يعد سهلاً تصنيف البلد الذي ينتمي إليه فيلم ما ويمثّله في المهرجانات، وقد لا نكون دقيقين بتصنيف الفيلم دائماً بحسب جنسيّة المخرج أو المنتج. وهذه إشكالية حاضرة دوماً في السينما التي يمكن بشكل أو بآخر نسبها إلى فسطين لما يميز هذه السينما وهذه البلد من تعقيدات ثقافية واجتماعية وسياسية.

«فتاة راحلة»، إطار مكتمل لجريمة لم تُرتكب. أيّهما المُدان وأيّهما الضحيّة، مسألة خلاف

لا بد أن تراعي الكتابة عن فيلم كـ «فتاة راحلة» (Gone Girl) حداً أدنى من الحذر لما يحتويه الفيلم من تفاصيل ضمن أحداثه، مترابطة بشكل يحيل أياً منها إلى الأخرى، وبحيث يصعب الحديث عن الفيلم دون الإشارة إلى بعض هذه الأحداث، هذا أولاً لخصوصية الحبكة التي بُني عليها الفيلم، والمأخوذة عن كتاب بالعنوان نفسه للكاتبة الأمريكية جيليان فلين، نُشر عام ٢٠١٢ وكان من الأكثر مبيعاً. وهو ثانياً لميزة عامة تجمع الروايات/الأفلام المبنيّة على جرائم وتحقيقات وما يلفّ ذلك من تلغيز يتطلّب فكّه متابعة «مفاتيح» متلاحقة، سأحاول جاهداً هنا ألا أمرّ بها كي لا أفسد بعض عناصر الدهشة في الفيلم، لكن تبقى هنالك تفاصيل معيّنة سيستحيل الحديث عن الفيلم دون الإشارة إليها، لذلك أقترح إكمال المقالة بعد مشاهدة الفيلم إن كانت ثمّت نية لمشاهدته.

الإسلام بين تطرّفيْن، ديني وليبرالي. جدال بِين أفليك مثالاً.. عن رفضه التنميط والتعميم

قد لا يختلف اثنان على أن للتطرف الديني ارتدادات مخرّبة أو تدميرية على مجتمعاتنا التي عانت وما تزال منه، وليس تنظيم داعش إلا صورة مستجدّة لهذا التطرّف، وهي الصورة الأشد قبحاً له، لكن ما لا بدّ من الانتباه إليه هو التطرّف المقابل لذلك، أي التطرّف الليبرالي عربياً وعالمياً بما يمكن أن يحمله، كذلك، من تخريب وتدمير للمجتمعات، ومن بين أكثر ما يمتهنه هذا التطرّف هو التنميط والتعميم للمجتمعات المسلمة، فيساوي بين التطرّف المقابل له (الديني) وبين هذه المجتمعات، أو بينه وبين ما يُعرف بالإسلام الاجتماعي، أو الإسلام الذي كنّا نعرفه قبل أن يفد لبلاد الشام تطرّف صحراوي آمر بالمعروف وناه عن المنكر، وقبل أن تصير هذه البلاد محجّة «جهاديّي» داعش.

الفيلم البريطاني « المطلوب رقم 1». أجهزة المخابرات الغربية والمسلمون: تنميط التّهم حتى تلفيقها

شاهدت الفيلم الذي يمكن ترجمة عنوانه إلى «المطلوب رقم 1» (A Most Wanted Man)، لسببيْن أساسييْن: أولهما حرصي على مشاهدة أفلام يشارك فيها الممثل الأميركي فيليب سيمور هوفمان، لقدرته على تمييز الشخصية التي يؤديها عن محيطها فتترك أثرها بمعزل عن الفيلم، ولأن فيلماً يشارك فيه هوفمان سيكون على الأرجح، وبمعزل عن الشخصية التي يؤديها، ممتعاً وجيداً. السبب الثاني هو أن الفيلم يحكي عمّا صار ممكناً تسميته «الإسلاموفوبيا»، فأردت معرفة المقاربة، هذه المرّة، لهذه الصرعة الغربية.

«داعش» الجديدة لغوياً، ليست كذلك ثقافياً.. عن مسوّغات التطرف لدى التنظيم في المجتمعات الإسلامية

أذكر أني كتبت مرّة  أنه لم يعد هنالك حاجة لوضع كلمة «داعش» بين قوسين في المقالات، فالكلمة دخلت معجمنا اليومي بسرعة مريعة، صار لـ «داعش» مدلولاً واحداً واضحاً محدّداً وصارت من أكثر الكلماتأ تداولاً في الصحافة والإعلام، وتحديداً مواقع الإعلام الاجتماعي. هذه مصيبة بحدّ ذاتها، لأن اقتحام الكلمة للغتنا اليومية كان سلساً، ولأنّه أتى من اقتحام التنظيم، الذي تدلّ عليه، لحياتنا السياسية والاجتماعية والثقافية بما يحمله ذلك من مصائب سياسية واجتماعية وثقافية، كذلك.

فيلم «فيلا توما» للفلسطينية سهى عرّاف. ثلاث عمّات معزولات طبقياً ومذهبياً، وابنة أخيهن المخلّصة

أثار الفيلم مسألتين خلال أيام قليلة، لكل منهما جدالاته، كانت الأولى حين رفضت مخرجته سهى عرّاف في مهرجان البندقية السينمائي تصنيفه كفيلم إسرائيلي مصرّة على فلسطينية الفيلم، وهي مسألة تخص «الهوية الفلسطينية» كما تخصّ «التمويل الإسرائيلي» للسينما الفلسطينية، وقد طرحتُ ذلك في مقالة سابقة على هذه الصفحات. المسألة الثانية هي رفض مهرجان الاسكندرية عرض الفيلم بحجّة أنّه إسرائيلي وأن عرضه يخالف أعراف مقاطعة الدولة العبرية. تطرح كل من المسألتين قضيّة جديرة بحد ذاتها بالتداول في مقالات مكرّسة لذلك، كونها تخصّ أولاً الهوية الوطنية لفلسطينيي الداخل (أو فلسطينيي الـ 48)، وثانياً نتاجهم الإبداعي.

فيلم «قاعة جيمي» للمخرج البريطاني كين لوتش. الصراعات الاجتماعية في إيرلندا الخارجة من حرب أهلية

جديدُ المخرج البريطاني النشط كين لوتش هذا العام هو فيلمٌ تناولَ موضوعته في أكثر من عمل سابق، وهو الذي تميّز بأفلامه التي تطرح قضايا سياسية واجتماعية، محليّة وعالمية. إلا أن الفيلم، «قاعة جيمي» (Jimmy’s Hall)، الذي عُرض في الصالات الأوروبية هذا الصيف، حمل مضموناً جديداً تماماً، بالمرحلة التاريخية وبالقصّة الواقعية التي يصوّرها.

وهذا معرض فنّي نموذجي في «الرأسماليات».. عن الانتهازية والاستهلاك وصور جينيفر لورنس المسربة

لعله من الأمور التي لا يمكن تعريفها أو تحديدها، هذا هو الفن، وهذا أهم ما يميّزه، يُترك التحديد لتيّارات ضمن هذا العالم، مع احتمالات دائمة لتجديد واشتقاق من هذه التيارات، والبناء عليها، أو على لا شيء، لخلق جديد، هذا منطق الفنون إن حاولنا بشكل أو بآخر «تعريفه».

وودي ألن، الصهيونية For Dummies .. العرب لم يكونوا لطفاء كفاية ليمنحوا أرضاً لإسرائيل

كما أن للسينما بعداً فنّياً وآخر اجتماعياً، لها كذلك بعداً سياسياً يكون في أحيان كثيرة مباشِراً، بحيث تخضع هذه «المباشرة» في أغلب الحالات إلى إسقاطات إيديولوجية للآراء السياسية لصنّاع الفيلم.

«فيلا توما» والعودة إلى سؤالَي الهوية والتمويل.. عن الجدل الذي رافق الفيلم الفلسطيني في مهرجان البندقية

في كل مشاركة لفيلمٍ مخرجه فلسطيني في مهرجان سينمائي عالمي، يُعاد طرح الأسلة بخصوص: أولاً، الهويّة الفلسطينية للفيلم. وثانياً، التمويل الإسرائيلي له. وهما سؤالان يتكرّر طرحمها مرات خلال السنة، كلّما برزت عناوين أفلام فلسطينية بين مهرجان وآخر.

اللغة الجديدة التي أكسبتنا إياها غزّة هذا الصيف.. عن ثنائية الضحية/المقاومة، والتضامن الأممي

كانت اللغة من بين ما غيّرته الحرب في غزّة هذا الصيّف. اللغة التي يَفهم العالمُ بها القضية الفلسطينية ويبني تضامنه على أساسها، واللغة هذه بوجهَين يُكملان الصورة إنما يختلف حضور كل منهما إذ لطالما طغى توصيف «الضحية» على شعبنا، على توصيف «المقاوم».

القراءة في مدينتَين. التنقّلات في الكتب بين الورقي والالكتروني

كنتُ في بلد كالإمارات أعرف أن هنالك أزمة قراءة، أزمة تتشاركها جميع بلداننا العربية وإن بتفاوت، بالكاد ترى أحداً يمسك كتاباً في مكان عام ويتصفّحه. لا علاقة بالمرّة بين أماكن كالشواطئ والمقاهي وبين الكتاب هناك، وهي علاقة كونيّة، وإن حصل ورأيت أحداً يقرأ فإما هو أجنبيّ أتى بهذه العادة معه من حيث أتى، وإما عربي هو غالباً غريب ومنفصل عن المجتمع والعالم الذي يعيش فيه، كنتُ أنا من هؤلاء.

فيلم «خرائط إلى النجوم»، مكاشفة لأسلوب الحياة في هوليوود.. عن جذرية النقد في الفيلم للمجتمع

قد لا نستغرب إن عرفنا أن المخرج الكندي ديفيد كروننبيرغ بدأ بعرض مشروع فيلمه على أكثر من منتج لما يقارب العشر سنوات إلى أن استطاع أن يجد شركة إنتاج كندية تمّول الفكرة والسيناريو الذي كتبه بروس واغنر، ليصيرا فيلماً. أحد المنتجين في هوليود قال لكروننبيرغ: لن أفعل ذلك بصناعة أحبّها، يقصد السينما.

الفيلم الإسرائيلي «بيت لحم»، الفلسطيني إما مرتزق أو شرير أو فاسد أو خائن.. عن التلفيق في أفلامهم

في حوار مع أصحاب إحدى المؤسسات السينمائية في فرنسا كنت قد سألتهم عن السينما الفلسطينية وعن الإسرائيلية، فأخبروني أنه لا توجد سينما فلسطينية، أو مصرية أو في أي دولة عربية، هنالك أفلام مميزة ومخرجون ممتازون، لكن ليس سينما، كصناعة ناضجة، في الوقت الذي يمكن أن نقول فيه أن هنالك سينما إسرائيلية. وحديثي هذا كان مع أناس مثقفين ومتضامنين مع القضية الفلسطينية، أي ليس لرأيهم أي دوافع تحبيطية مسبقة أو أبعاد سياسية يمكن بها القول أنهم يتقصّدون «إضعاف الشعور القومي/السينمائي ووهن نفسية الأمة».

كراسات ماركسية: مشروع سلامة كيلة لفهم، لا تلقين، الماركسية

 أول ما قد يتبادر للذهن إن عرفنا أن هنالك مشروعاً باسم «كراسات ماركسية» سيعيد نشر نصوص كلاسيكية للماركسية، هو السؤال عن آنيّتها وربطها بحال الثورات التي تعيشها عدة بلاد عربية، بالإمعان أكثر في سؤالنا سنربطها بطبيعة استجابة مجمل الحركة اليسارية العربية لحال هذه الثورات، وهذا سؤال سياسي بمعناه المباشر.

سنصل لانتفاضة تمرّ، أولاً، على السلطة.. عن الهبّة الفلسطينية والدور الوظيفي للسلطة في وجهها

 ليست الهبّة المندلعة هذه الأيام في فلسطين بخارجة عن السياق الذي تمر به القضية الفلسطينية في السنوات الأخيرة، حيث حصلت عدّة اشتباكات بين فلسطينيين وجنود إسرائيليين في أكثر من بقعة، إضافة إلى أن الاعتداءات الإسرائيلية لم تنقطع، فقط تواترت شدّتها بين وقت وآخر.

الفيلم الفلسطيني «جيرافادا» ومبالغاته التائهة.. عن تنميط الخير والشر واستباحة التهويل فلسطينياً

تعاني الأفلام الفلسطينية استسهال تنميطها من خلال اسقاطات سياسية قد يصعب تلافيها. ولا غرابة في ذلك إن كنّا نحكي عن بلد غارق في السياسة حتى أذنيه. العمل السياسي من يوميّات الفلسطيني، داخل الوطن وخارجه، والأعمال الفنية الجادة من أدب وسينما وغيره لا بدّ أن تصوّر هذه اليوميات (أو تتصوّر من خلالها) أو بعضاً منها. هذا بالمفهوم العام، فلا يعني ذلك أن هذه الأعمال، ولنحكِ عن السينما، لا يجب أن تنقل غير ذلك، فلا ضير بفيلم فلسطيني لا يضطر للإشارة للاحتلال الإسرائيلي ونضالات الفلسطينيين وينقل فكرة أو موضوعاً بمستوى فني جيّد.

كتابات السجن، ترجمة عربية لرسائل نينو غرامشي إلى أمّه

بالحديث عن الترجمات في مجال الآداب والعلوم الإنسانية، يمكن القول أن الأدب يطغى على الترجمات التي تسعى دور النشر العربية إلى طبعها لبيعها، والسبب غالباً في الربحيّة النسبية لـ «بيعها» هذه، وإن أردنا التفصيل أكثر في ذلك لأشرنا إلى طغيان الرواية على غيرها من الأجناس الأدبية.

براميل برتولد بريشت.. عن تناقضات شيوعيين عرب ولينينيتهم وتأييدهم لنظام الأسد وبراميله

قد لا يختلف اثنان على أن مفردة «براميل» باتت تستحضر لنا كعربٍ صوراً للقتل والدمار وبالتالي تُقرن في أذهاننا بالديكتاتور ومخيّلته الإبداعية في إمكانية الاستفادة من «أشياء» تكون مرمية على الرصيف مسالمة ومهملة، وتحويلها إلى ما هي عليه الآن في سوريا. «أشياء» نشاهدها يومياً وقد ملأها الصدأ، دون أن تستدعي في أذهاننا أي إمكانية لتحويلها لأبشع ما يمكن أن يسكن في الذاكرة القادمة للناس في تلك البلد المنكوبة. لكن، وإن كانت البراميل الوسيلة الأكثر همجيّة للقتل والتدمير في «سوريا الأسد»، إلا أنها لم توجد أصلاً لذلك، وإن صعب إقناع الأطفال السوريين بهذه الحقيقة المستجدة. للبراميل استخداماتها اليومية الروتينية المسالمة بل والمملة وأحياناً المتعبة، كما لها استخداماتها الجمالية في الأدب، كأن تكون في قصيدة للشاعر والمسرحي الشيوعي الألماني برتولد بريشت. ما يعنيني من القصيدة هنا هو الحكاية فيها، هو الحالة الإنسانية الرفيعة التي يمكن أن تكون البراميل أساسها، في وقت استطاع فيه نظام الأسد أن يحوّل «الأشياء» المحايدة إلى بشاعات وكوابيس. تحكي قصيدته «نسّاجو سجّاد (قرية) كويان بولاك يكرّمون لينين» (١٩٢٩-١٩٣٣) عن أحد التكريمات العديدة التي ينالها لينين من شرق الأرض إلى غربها، عن قرية صغيرة …

مكاسب الثقافة وخسائر السياسة في ذكرى النكبة.. عن البديل الثقافي والأخلاقي للسياسة

في معاندة لا بدّ منها لواقع الفلسطيني، واقع كانت نكبته عام ١٩٤٨ البداية الرسمية لها، فكانت أساساً لكل مآسي الفلسطيني المستمرة منذ احتلت إسرائيل بلادنا وجمّعت عصاباتها وأعلنت دولتها عليها. إلا أن معاندة شعب أراد الحياة تأبى إلا أن تستخرج من هذه المآسي ما يمكن اعتبارها «انتصارات صغيرة» في سياق الهزيمة الكبرى المستمرة حتى تحرير البلاد من محتلّها وعودة اللاجئين إلى بيوتهم وحقولهم في مدنهم وقراهم. وأي مقاربة لأي انتصارات صغيرة ستبعد حتماً عن المجال والعمل السياسي المباشر، فسياسياً لم يصل الفلسطينيون في مسيرتهم النضالية حتى يومنا هذا إلا إلى هزائم صغيرة قد لا تكون وظيفتها غير التذكير الدائم بهزيمتنا الأكبر ونكبتنا، فقدان الوطن. ومنذ خمدت الثورة الفلسطينية المعاصرة في ثمانينيات القرن الماضي، ومنذ خمدت بعدها انتفاضة الحجارة بتوقيع اتفاقية أوسلو عام ١٩٩٣ يمكن القول أن الفلسطيني لم يصل لتحقيق أي انتصار سياسي صغير يمكن به استحضار بعض الأمل في مكاسب سياسية محتملة. لكن في السياسة، الأقوى هو الذي سيكسب في النهاية، الأقوى عسكرياً وسياسياً ودبلوماسياً واقتصادياً.. فكانت مسيرتنا السياسية بالمجمل تراكمات لخسائر. في حال كهذه، وسعياً لإيجاد بعض المكاسب، لا بدّ من الانتقال إلى …

لا مذكّرات لي عن بلدي. اللجوء والحنين والذاكرة القادمة واليوميّات

كيف يمكن لمن هو في حالتي أن تكون له ذكريات يرويها أو مذكّرات يكتبها تحكي عمّا يفصله عنه حقائق المكان والزمان. المكان هو أساس المذكّرات هنا، وكل علاقتي كلاجئ ابن لاجئ ابن لاجئ، بالمكان الفلسطيني هو ما ورثته عن جدّي الذي ترك مرغَماً ومطارَداً ترشيحا، البلدة الدالة على مفهوم «فلسطين» بكلّيته. وهو ما يتشاركه جميع اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات والشتات، واعين لذلك أم غير واعين، ففلسطين عند ابن حيفا هي حيفا وما دونها امتدادات لفكرة الوطن، وكذلك الأمر عند ابن الكابري والطيرة وكل القرى والمدن التي نقلها أبناؤها معهم إلى المخيمات خارج الوطن، ولعلّ النقل المكاني للاجئين هذا هو ما جعل في كل من هذه الأمكنة داخل كل مخيم، فلسطين مكتملة بذاتها عند كل فرد لاجئ.

افتتاحيات أعداد مجلة رمّان الثقافية

المجلة التي حرّرتها وصممتها توقفت بعد ١٢ عدد و٣ ملاحق، أنشر هنا الأعداد وافتتاحياتها في مثل هذه الأيام كان موعد العدد الـ ١٣، هنا سنتان من الثقافة والفنون الفلسطينية   لقراءة العدد الثاني عشر.. هنا الافتتاحية: الرمّانة تنضج مع هذا العدد تنتقل رمان إلى مرحلة جديدة، مع هذا العدد تدخل سنتها الثالثة، وبشهادات ننشرها هنا، تدخلها بإخراج متجدّد، بمادة مخصصة، والأهم تدخلها بطبعتها الورقية. رمان الآن مطبوعة، تطبعها وتوزّعها في فلسطين دار قنديل للثقافة والفنون، المؤسسة التي آمنت برمان، وباتت الآن شريكة فيها. هي ذي الآن مجلة فلسطينية متخصصة بالثقافة والفنون، مطبوعة، تصدر كل شهرين تقريباً، فلسطينية بكل ما تحوي الكلمة من تجمع/تشتت لهذا الشعب، ثقافية بكل ما تحمل الكلمة من مضامين وأشكال، غير مدعومة ولا ممولة، ولا أعداء لها (حسب علمنا على الأقل)، لا لائحة سوداء لديها على أي «مثقّف فلسطيني». الخط الثقافي واضح: يحضر عندنا مؤسسو الثقافة الفلسطينية الحديثة، كما يحضر، وبقوة أكبر، كتاب وفنانو الثقافة الفلسطينية المعاصرة، وذلك من كل بقعة تواجدَ عليها فلسطيني، داخل الوطن وخارجه. الخط الوطني واضح: «لا أرتد حتى أزرع في الأرض جنتي، أو أقتلع من السماء جنتها، …

الخروج عن القصة الفلسطينية

بقلم: راسم المدهون يكتب سليم البيك قصصه بعبث، أو هو يلعب مع الواقع بروح فيها الكثير من مغامرة الفن ومغامرة الشباب على حد سواء. سليم البيك في مجموعته القصصية الجديدة «كرز» أو «فاكهة حمراء للتشيزكيك» (منشورات الأهلية – عمان الأردن – 2011 ) يختار منذ البداية أن يكتب قصة «لقطة»، أعني بالذات أنه يختار لقصته أن تتحرك في فضاء مشهد واحد، مكثف ولافت. لعله بهذا المعنى يعيدنا إلى المفهوم الأصل والأساس للقصة القصيرة الذي يؤكد أنها سردية الموقف الواحد، المفهوم الذي تتنكبُ عنه غالبية قصص الكتاب هذه الأيام. مع ذلك، بل بسبب كيفيات كتابته بالذات نرى أن تلك العودة لا تأتي عند البيك تقليدية، هي إلى حد بعيد عودة مراوغة، ماكرة، تماماً كما هو فن القصة القصيرة الحقيقي والذي «يترفع» عن مجرد السرد منحازاً لرغبة الفن في إعلاء صورة المشهد. سأقول إن «كرز» بقصصها كلّها تحتفل بالحياة أولاً وقبل أي شيء آخر، وهي لهذا تختار لها سياقات بالغة الأناقة. أتحدث هنا بالذات عن الجملة السردية الرشيقة، الخالية من أية زوائد أو ثرثرات، بل التي تبتعد بقصدية عن الوصف قصص سليم البيك في «كرز» (جائزة مؤسسة القطان …

تحرير الجسد إبداعيـاً

’كرز أو فاكهـة حمراء للتشيز كيك‘ لسليم البيك بقلم:  د. رابعة حمو / باحثة في الأدب العربي الحديث – باريس “كـرز أو فاكهـه حمـراء للشيزكيـك”، عنوانٌ مثيرٌ للمجموعة القصصيّة الجديدة للكاتب سليم البيك، والتي صدرت أواخر العام الماضي عن دارالأهلية للنشر(عمّان)، ومؤسسة عبد المحسن القطان (رام الله – لندن)، ونالت على جائزة مسابقة الكاتب الشاب التي نظّمتها المؤسسة في العام 2010. وتعدّ هذه المجموعة القصصيّة ثاني مجموعات البيك بعد مجموعته النثرية الأولى “خطايـا لاجـئ”. تفوح منذ عنوان المجموعة رائحة أُنثوية تعبّق أروقة صفحات القصص يدعّهما البيك بعبارة لابن قيم الجوزيـة : “العشق مركب من أمرين: استحسان للمعشوق، وطمع في الوصول إليه. فمتى انتقى أحدهما، انتقى العشق”. تبدو هذه العبارة مفتاح يقود القارئ إلى دهاليــز النصوص لاستجلاء العلاقة بين الرجل العاشق الذي يطمع في الوصول إلى قلب معشوقته، وبين المرأة الجميلة المشتهاة في مشاهد حسيّة واضحة تلامس في شفافيتها جدران الروحية. ولعلنا نجزم القول أن هذه القصص تمزج بين مّا يُعرف بمدرسة الحبّ العذري التي أسسها الشاعر المتيّم جميل بثينة، وبين مدرسة الغزل العُمري أو الإباحي نسبة الى الشاعر عمر بن أبي ربيعة. ولذلك امتزجت سرديّة …

قصص الغريب..ونسائه اللواتي يتكررن!

كرز سليم البيك بقلم: رشاد أبو شاور من قبل قرأت لسليم البيك كتابه ‘خطايا لاجىء’، ولم يتح لي أن أكتب عنه، ربما لأنه ليس رواية، ولا قصصا قصيرة، ولا مذكرات، و..ربما لأنني انشغلت كما يحدث عادة، ثمّ وجدت أن الوقت قد فات، وأن الأفضل أن أنتظر لأرى ما الكتاب الثاني لسليم..الكتاب الذي سيُقدمه، كون الكتاب الأول نبه إليه، وبشّر به، وإن لم يحدد له هوية أدبية. سليم كاتب نشيط، وموقعه (حرية) لطيف، جذّاب، وناعم، و(مشغول)، وهو بعيد عن الأنانية، فهو يكرّم كتابا، وفنانين، وفنانات..كثيرين، ينوّه بأعمالهم، يعرّف بهم، باختصار يخدمهم بوّد، ويتصرف معهم وكأنهم (عائلته) رغم أن بعضهم رحل، وبعضهم، وبعضهن يعشن، ويعيشون في أمكنة متباعدة، ولعله أحيانا لا يعرفهم، ولم يلتق بهم، وبهن..من قبل. بكتابه الجديد (كرز..أو فاكهة حمراء بالتشيزكيك) الفائز في مسابقة الكاتب الشاب للعام 2010 من مؤسسة عبد المحسن قطان، يكون سليم قد جاء محملاً بقصص فيها من نعومة ولون وطعم الكرز..تلك الفاكهة (المخملية) اللطيفة..اللذيذة، والمكتوبة بشاعرية تناسبها، كونها تعبّر عن (دواخل) شاب من هذا الجيل، في هذا الزمان..مع ملاحظة أنه في أمكنة لا هوية لها. الكاتب سليم البيك فلسطيني، لجأت أسرته من …

حوار مع جريدة «الجريدة»

كأن بعض الكتّاب يوصلون ’ديليفري‘ للقارئ الكتابة خليط من قراءات لنصوص سابقة ومن المزاج الذاتي للكاتب حاوره: محمد الحجيري أصدر القاص الفلسطيني سليم البيك مجموعته القصصية «كرز أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» عن «الدار الأهلية»، التي تتمحور حول هموم العلاقة بين الرجل والمرأة، تحديداً في بعدها العاطفي… معه هذا الحوار. – في زمن ما يسمى الرواية “ديوان العولمة” أو “ديوان الثقافة”، لماذا اخترت أو تكتب القصة القصيرة، هل ما زال هذا الجنس الأدبي يعبّر عن الأفكار في زمن سيطرة النثر والثرثرة؟ في الحقيقة لا أعرف تماماً كيف قرّرت كتابة القصة، أو البدء بهذا المشروع الذي خرج على صيغة “كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك”. لا أذكر أني اخترته بقرار واع، أذكر أني كتبت بعض القصص، وكانت ذا ثيمة واحدة، رميت بعضها واعتنيت أكثر بأخريات، وأكملت وقرّرت لاحقاً، بعد أن كنت قد وجدتُني مسبقاً في منتصف الطريق، أن أكمل الطريق إلى آخرها، أو ليس آخرها، بل أول محطة يمكنني التوقف عندها، وكذا فعلت حين انتهيت من القصة الرابعة والعشرين والآخيرة. لا أدري لماذا لكني حين انتهيت منها أحسست بأني لا بدّ أن أتوقّف هنا، هي الرغبة فقط ربّما، …